غير بالفن

بنكيران كما أعرفه

27/07/2019 20:16
مصطفى الفن
خلق عبد الإله بنكيران الحدث السياسي رقم واحد في المغرب طيلة أكثر من أسبوع عقب خرجات إعلامية حول قانون فرنسة التعليم هاجم فيها كل شيء يدب على الأرض ولم يسلم منه لا حزبه ولا خصومه ولا حتى بعض الأجنحة في الدولة.
 
ومع ذلك، مازل الناس يتساءلون هل سيعود بنكيران في سنة 2021 الى واجهة الأحداث أو بالأحرى إلى كرسي الرئاسة بحزب العدالة والتنمية؟
 
وظني أن مثل هذه الأسئلة لا معنى لها أمام أهم سؤال ينبغي أن يطرح: وهل اختفى بنكيران من الساحة السياسة حتى يتساءل الناس عن موعد عودته؟
 
بالنسبة الي، السيد كان ولازال حاضرا وبقوة حتى لو لم يكن على رأس منصب حكومي أو حزبي لأن الحضور السياسي لا يقاس بعدد المقاعد على أهميتها.
 
الحضور السياسي لأي فاعل في السياسة يقاس بالثقل الذي تحدثه هذه المقاعد في التأثير على القرار السياسي وفي صناعته وإلا فستصبح هذه المقاعد مجرد أصفار على الشمال.
 
ولاحظوا كم هو عدد برلمانيي حزب الأصالة والمعاصرة  بمجلس النواب، الذي تربطني ببعض رموزه ومناضليه الشرفاء مودة وصداقة وعلاقات إنسانية قوية.
 
إنهم كثيرون ولا تغرب عنهم الشمس لكن لا توجد بينهم "راحلة واحدة" حتى أنك لا تعرف هل هذا الحزب يوجد في الحكومة أم في المعارضة؟
 
ثم إن الساحة السياسية فارغة ولا يوجد فيها ما يعيق عودة بنكيران عدا بعض العمال والولاة الذين يمنعون جمعية هنا ونشاطا هناك ظنا منهم أن منع أنشطة البيجيدي سيضعف هذا الحزب خلال هذا الفاصل الزمني عن استحقاقات 2021.
 
وكم وددت لو أن مهمة "إضعاف" بنكيران وإخوانه تكلفت بها أحزاب قوية وسياسيون قادرون على خلق التوازن السياسي المطلوب عوض أن تتكفل بهذه المهمة وزارة الداخلية وبعض الولاة والعمال الذين لا يعرف بعضهم حتى كيف يمنع نشاطا حزبيا ب"الحرفية" اللازمة تخلو من الضرب والجرح.
 
ولا أريد أن أتحدث هنا عن سلطات ولاية طنجة التي منعت ملتقى لتلاميذ متفوقين ضدا في البيجيدي قبل أن تتراجع بعد أن "بدا" لها أن مبررات المنع مضحكة.
 
ولست في حاجة الى التذكير هنا بأن مواجهة بنكيران ينبغي أن تكون برجال وسياسيين من قيمته ووزنه ونظافة يده.
 
 لأن بنكيران يمكن أن تقول عنه ما تشاء من العيوب والنقائص لأن الكمال لله، لكن السيد ليس فاسدا ولم يمد يده إلى المال العام كما فعل آخرون.
 
بنكيران له "ملف فساد" واحد لا ثاني له وهو أنه استفاد من تقاعد استثناني..!!.
 
هذا إذا سلمنا طبعا أن الاستفادة من تقاعد استثنائي هو "فساد كبير في الأرض" أخطر بكثير من ذلك "الفساد الحقيقي" الذي تحدث عنه السيد حكيم بنشماش في رسالته من "الإكوادور".
      
ثم إننا "نخطئ" عندما نتعامل مع "الخطاب السياسي" لعبد الإله بنكيران كما لو أنه خطاب شبيه بخطابات باقي السياسيين وزعماء الأحزاب وقادتها.
 
الأمر ليس كذلك على الإطلاق.
 
ذلك أن بنكيران لم يدخل السياسة بأهداف سياسية تقليدية صرفة كما دخلها غيره.
 
والعارفون بالمسار الدعوي والسياسي لبنكيران يعرفون جيدا أن ابن حي العكاري بالرباط لم يكن أبدا مجرد مسؤول سياسي في حزب وما ينبغي له.
 
وحتى "المناصب والمكاسب" بالنسبة إليه فهي تحصيل حاصل في حدود المسموح والمشروع قانونا لأن الرجل لم يزعم يوما أنه لا يأكل الطعام ولا يمشي في الأسواق ولا يحب النساء.
 
والواقع أن بنكيران دخل السياسة بفهم آخر له أكثر من بعد لعل أسماها وأنبلها هو إسداء النصح للسلطان والتعاون معه في المعروف لكن بالأدب اللازم والاحترام الواجب لجلالته.
 
صحيح أن شقا من الخطاب السياسي لبنكيران قد يبدو عاديا عندما نراه يتحدث عن هموم الناس ومشاكلهم مع الصحة والتعليم والسكن والشغل والنقل...
 
لكن جوهر وروح هذا الخطاب السياسي له بعد تعبدي تتحكم فيه ابسيكولوجية "العالم" الذي ينبغي ألا يخاف في الله لومة لائم عندما يخاف الناس ويتوارون إلى الخلف.
 
أي عندما يمس ما هو "استراتيجي" الذي قد تكون له تداعيات على أمن واستقرار البلد. 
 
وبنكيران نفسه لا يخفي هذه "الوظيفة المقدسة" بل إنه يصرح بذلك علانية لأن "نصح الإمام"، بالنسبة إليه، جزء من معتقد يتقرب به إلى الله لكن بغير تنازع أو غلظة في القلب. 
 
وعدم التنازع مع الملوك ومع أولي الأمر، بمرجعية بنكيران الإسلامية، هو بمثابة إثم كبير بلا منافع للوطن بل فيه بأس شديد للدين والدنيا معا.
 
لكن هذا لا يعني أن بنكيران مطمئن البال وغير مهيأ لأداء الضريبة في المال والولد والحرية وهو الذي يعرف بعمق معنى أن تحمل على عاتقك "أمانة" إسداء "النصيحة لأئمة المسلمين وعامتهم". 
 
أبدا.
 
بل إن بنكيران جاهز على الأقل ذهنيا لمثل هذه الاختبارات لأنها، في نظره، كادت أن تكون قدرا إلهيا في سيرة كل "الصالحين والمصلحين" وحتى المرجعية، في اعتقاده، تؤطر هذا القدر الإلهي بوضوح تام: 
 
"وكأي من نبي قتل معه ربيون كثير..".
 
  وربما لهذا السبب كان بنكيران كثيرا ما يختم حديته مع ضيوفه أو مع الصحافيبن بهذا الدعاء المشبع بالرسائل السياسية: "الله يخرج العاقبة على خير".
 
لأن المرجعية كما يراها بنكيران هي صمام الأمان "وبارشوك" حقيقي أو قل إنها قضية حياة أو موت ليس بالنسبة إلى حزبه فحسب وإنما حتى بالنسبة الى الملكية والمغرب على حد سواء.
 
بمعنى آخر، فالدولة بكل مؤسساتها وملكيتها وأحزابها وجميع مكوناتها قد تصبح، حسب بنكيران، على شفا حفرة من نار إذا ما فرط المغاربة في مرجعيتهم ورموزها الجامعة المانعة.
 
ولأن الأمر كذلك، فبنكيران لا يتردد بين الفينة والأخرى في إطلاق النار على الخصوم التقليديين للمرجعية الإسلامية وللغة العربية بعبارات حادة تصل أحيانا إلى حد تخوينهم والتشكيك في انتمائهم للوطن.
 
وعندما يقول بنكيران للملك محمد السادس:  "وخا تدخلني الحبس فأنا معك"، فهو لم يكن يلاطف أعلى سلطة في البلاد، بل كان جادا في كلامه لأنه يعرف جيدا أن النصح للسلطان قد يغضب السلطان أحيانا. 
 
وفعلا ما أكثر غضبات السلطان على بنكيران، بعضها خرج الى العلن وبعضها لازال طي الكتمان وبعضها الآخر قال بنكيران نفسه إنه سيذهب به الى قبره.
 
لكن اللافت في هذه الغضبات الملكية هو أنها سرعان ما تتحول إلى شبه "برد وسلام" أو سرعان ما يزول مفعولها وقد تختتم ب"هدايا وعطايا وعطف مولوي".
 
أتدرون لماذا؟
 
 لأن الذي يشفع لبنكيران، في إنتاج هذا "الأدب السلطاني"، غير المنبطح وغير الثوري، هو أن الرجل لا يزايد بوظيفة النصح ولا يبتز ولا يحرج ولا يستفز ولا يظهر عكس ما يبطن.
 
وهذا "الصفاء" في الطوية متأصل في النفس ووراءه عمر طويل وليس وليد "تكتيك سياسي" أو جاء مع ميلاد "البيجيدي" الذي ليس إلا مرحلة في مسار.
 
وأكيد أن الأجهزة الأمنية تعرف كل صغيرة وكبيرة عن هذا المسار البنكيراني، ولو تأكد لها ما يزرع الشك واللبس لكان بنكيران وإخوانه في "خبر كان" ولطويت صفحتهم قبل أن يقرأها المغاربة.
 
ثم إن هذا "الصفاء" في الطوية هو الذي يجعل حكماء الدولة وكبارها لا يترددون أحيانا في ربط الاتصال بالرجل حتى في بعض القضايا ذات الحساسية الخاصة وهو وقتها بلا مسؤولية في هرم الدولة.
 
ويمكن أن أشير هنا الى قضية نادية ياسين عقب تصريحات صحفية قالت فيها كريمة الشيخ عبد السلام ياسين "إنها تفضل الجمهورية على الملكية".
 
ذلك أن هذه التصريحات كاد أن يكون لها ما بعدها خاصة بعد أن دفع البعض في اتجاه اعتقال نادية ياسين قبل أن يغلب منطق الحكمة على ما سواه.
 
وبالفعل ففد انتهى هذا الملف بانتصار الوطن وبلا ضجيج وبلا تكلفة باهظة من السمعة الحقوقية للدولة، ويالطبع كان لبنكيران نصيب من هذا المخرج الناعم..
 
وأقف عند هذا الحد ولا أزيد.
 
 
 
 
إقرأ أيضا