الخبر من زاوية أخرى

طوليدانو.. “دينامو” اليهود المغاربة الذي لن ينساه المسلمون

محمد كرممحمد كرم


مر الآن أكثر من سنة على رحيل بوريس طوليدانو رئيس الطائفة اليهودية بالمغرب لكن لازال اسمه يتردد بقوة وسط رفاقه هنا بمقر الطائفة بالدار البيضاء كما لو أنه لازال حيا يرزق.

بل لازال الكثيرون يذكرون هذا "الدينامو" بخير ويتذكرون كيف أن الرجل ظل يشتغل دون أن يشعر بالعياء والتعب رغم عامل السن الذي قارب 100 عام.

عندما التقيت بوريس طوليدان، قبل أربع سنوات، محملا بأسئلة الدخول المدرسي عند اليهود المغاربة المقيمين في المغرب، كنت أختلس النظر إلى صورة كبيرة تجثم في ركن من مكتبه. إنها صورة تؤرخ لحدث توشيحه من طرف ملك البلاد محمد السادس سنة 2006 بوسام علوي، وهو الوسام الأقرب إلى وجدانه من كل الأوسمة والنياشين.

 وحين اكتشف تركيزي على هذه الصورة التفت إليها وحاول تقريبي من أسباب النزول، قبل أن ينخرط في الحديث عن تعايش اليهود المغاربة مع المسلمين ووقوفهم إلى جانب الحركة الوطنية ومطالبتهم بتدريس اللغة العربية في مدارسهم إلى جانب العبرية والفرنسية، ثم يعبر للحديث عن دور الملوك الثلاث في صيانة الموروث اليهودي وحمايته.

لم يكن الرجل يجد حرجا في تسمية الأشياء بمسمياتها، فيرفض أن يتحول الحوار إلى فضاء يغمره غبار لغة الخشب، مع الحرص على إسناد الإنجازات لأصحابها بعيدا عن هواية كثير من المسؤولين الذين يركبون صهوة الجواد بعد أن يتخطى الحواجز.

وحين سألت توليدانو عن القضية التي تقلقه في نضاله من أجل التعايش، أطلق زفيرا من الأعماق وقال إن التاريخ الذي يدرس للمغاربة يقفز على حقيقة تاريخية هامة ويتنكر لها: "لا يمكننا أن نعلم تاريخ المغرب دون الإشارة إلى اليهود لأن يهود المغرب لعبوا دورا كبيرا في تاريخه قبل قرنين أو أكثر، لكن الكتاب المدرسي الذي تعتمده وزارة التعليم المغربية لا يتطرق لهذا الدور ولا يعيره أي اهتمام".

أعترف أنه انتابني وقتها شعور بالذنب حين ارتفعت نبرة الحوار، وحاولت سل شعرة الجدل من عجين النقاش الحاد مع توليدانو، الذي كان يتوقف بين الفينة والأخرى ليبلل ريقه بالماء، ثم يهرب نحو عوالم أخرى أكثر هدوءا من الحديث عن إقصاء اليهود من المناهج الدراسية، لكنه أصر على مفاتحة وزير التعليم في الموضوع، قبل أن يحمل قلما ويدون رؤوس أقلام باللغة الفرنسية.

بدا لي أن مسطرة طلب موعد مع رئيس الطائفة اليهودية أصعب من لقائه، فالرجل يمزج بين الجد والهزل، وبين الفينة والأخرى يصر على خلق "فاصل" قبل أن يواصل، وهو يسألك عن تاريخ ميلادك وأصولك والصورة الراسخة في ذهنك عن اليهود.

وأتذكر أني قررت حينها أن أنصح زملائي الصحافيين بالاطلاع على تاريخ الوجود اليهودي في المغرب قبل التفكير في محاورة رئيس الطائفة.

في العاشر من غشت الماضي، أعلنت الطائفة اليهودية وفاة رئيسها بوريس طوليدانو. مات الرحل وهو يعانق القرن من الزمن قضى حيزه الأكبر في النضال على أكثر من واجهة.

توليدانو بكاه المسلمون واليهود وأصروا على أن يكون دفن جثمانه في المقبرة اليهودية بشارع الحزام الكبير وفق طقوس دفن "أكابر" رجال الدولة، وقيل في تأبينه كلام امتزج بالدمع والصوت المبحوح، لكنه ترجم حجم الخسارة التي ضربت الوطن بكل دياناته بفقدان "ولد الناس" كما كان يلقبه المقربون منه.

وحسب الوثائق الرسمية، فإن طوليدانو قد رأى النور سنة 1921، بمدينة العرائش شمال المغرب، من أب يحمل قبعتين، رجل دين وموثق معتمد من طرف محاكم اليهود، وأم إسبانية الأصول نزحت عائلتها إلى المغرب إبان سقوط الأندلس في أواخر القرن الخامس عشر. 

ظلت جسور أسرة طوليدانو ممتدة بين العرائش وأليكانتي، واضطر الفتى وهو في سن المراهقة إلى ركوب البحر والاستقرار بعاصمة البرتقال جنوب إسبانيا من أجل متابعة دراسته بدعم من الرابطة التعليمية اليهودية التي لمست فيه نبوغا مبكرا.

 وخلال مقامه في إسبانيا عاش الفتى تجربة حمل الكتاب والبندقية، حين جندته كتائب الجنيرال فرانكو سنة 1936 إثر تمرده على الحكومة الشرعية. ولم يكن الانتماء للعسكر مجرد تجنيد إلزامي عابر لشاب ظل يتأبط الكتب في خنادق المواجهة خلف المتاريس غير عابئ برائحة البارود، بل تحول إلى عنصر أساسي في تشكيلة الفيلق الخامس لجيش الديكتاتور الذي اتخذ من مدينة سراغوسة قاعدة له، ومنها انتقل إلى قلعة في برشلونة قبل أن يسيطر عليه هاجس الانفلات من قبضة جيش مكون من ثالوث الشر: موسولني وفرانكو ثم هتلر، الذي قرر الدخول في حرب هجينة ضد الحلفاء.

آمن الشاب بوريس وقتها أن أصوله الإسبانية لا تشفع له في دخول حرب غير مقتنع بأهدافها، وحين تلقى أمرا عسكريا بالسفر إلى المكسيك رفقة تجريدة مختلطة، لوقف تمرد شعب "الأزتيك" ضد فرانكو، قرر التمرد والهروب إلى المغرب، وهو المخطط الذي كاد أن يكلفه غاليا لولا نباهته ومعرفته بتضاريس شبه الجزيرة الإيبيرية. 

حين عاد إلى المغرب، قرر بوريس القطع مع المنطقة الموجودة تحت النفوذ الإسباني، بل وتخلص من البذلة العسكرية، دون أن يتمكن من التخلص من ضوابط القواعد العسكرية التي تضفي على حياته جرعات جدية زائدة عن اللزوم.

واحد من رفاقه قاد توليدانو إلى عالم الورق، حين ساعده على الالتحاق بمصنع للكارطون في الدار البيضاء، لكن طموحاته تجاوزت حدود مستخدم ينتظر نهاية اليوم للحصول على "الجورني"، إلى حد التفكير في صيغة جديدة لقطاع ظل تحت سيطرة المستعمر، قبل أن يخطط لتحويل الورق المستعمل إلى "كارطون" ضاربا سرب عصافير بحجر واحد.

وهكذا ساهم توليدانو في خدمة البيئة وتشغيل شباب بأقل مستوى معرفي، والحد من استيراد حاجيات المصانع المغربية من الورق. 

اختار الرجل عالم التلفيف وقرر بتوجيهات من "ماركس" خلق شركة "ماكاربا" التي ستصبح رائدة في عالم الورق. وليس المقصود بماركس الفيلسوف الألماني مؤسس الفكر الاشتراكي، بل المقصود هنا كولونيل بريطاني متقاعد تعرف عليه طوليدانو تحت القصف واستعان به حين صمت البارود.

كانت نقطة التحول في حياة الرجل، هو لقاءه بشابة تدعى إيناس بنعزرا، تنحدر عائلتها من أصول إيطالية، وكأن قدر موسوليني وفرانكو يطارده. حصل هذا في إحدى المناسبات اليهودية حين لفتت نظره بهدوئها، فأرسل لها على الهواء مباشرة ابتسامة ظلت دون رد، قبل أن تتحول إلى موعد فلقاء ثم زفاف في سنة 1947، بالرغم من حالة الاحتقان التي عاشتها الطائفة اليهودية بعد الإعلان في نفس العام عن قياد دولة إسرائيل.

 كان عمر بوريس وقتها 26 سنة، لكنه بدأ يصطف في طابور رجال الأعمال الشباب ويبحث لنفسه عن موقع قدم داخل عالم المال والأعمال في الدار البيضاء.

رزق بوريس بثلاثة أبناء كان سيدني المولود سنة 1951 الأكثر تأثرا بوالده، لكنه اختار الاستثمار خارج مجال تلفيف السلع، وفضل تلفيف الأجساد من خلال إشرافه على إحدى أكبر دور تصميم الملابس "كريستيان ديور".

 لكن سعادة الأسرة سرعان ما ضربتها رياح الأسى، حيث توفيت فجأة الزوجة إيناس، وخيمت سحابة الحزن طويلا على أسرة طوليدانو، ولم تنتشله من "الآهات" سوى سيدة تدعى يولوند التي عرفت في وسط الطائفة بـ"فاعلة الخير" التي طردت عنه رداء الحداد الذي لازمه، ودفعته للاستثمار في مجال العمل الخيري، من خلال مؤسسة دار للمسنين اليهود بالدار البيضاء.

 وهي الفكرة التي طورها بوريس حين استبدل دار الرعاية التقليدية بتخصيص 25 "استوديو" مجهزا بكل الضروريات لإيواء هذه الفئة، حتى لا تتحول دار العجزة إلى مزار للراغبين في توزيع الشفقة العلنية. 

ظل توليدانو يقدم لأهله وأقاربه ورفاقه، "نشرة الخير"، ويدعوهم إلى الاكتتاب في أكثر من عملية تضامنية يراد بها صون كرامة اليهود الذي تمسكوا بالبقاء في المغرب، ورفضوا التهجير الجماعي إلى إسرائيل.

 وحين تصل مواكب اليهود المغاربة القادمين من مختلف بقاع العالم لزيارة أضرحة أوليائهم الصالحين هنا بالمغرب، يعيد بوريس التذكير بنشرة التضامن ويعرض أمام كبار الضيوف وضعية هذه الأضرحة التي تسيء للوجود اليهودي في المغرب. وبفضل مبادرات مبادرات توليدانو تم ترميم وصيانة العديد من الأضرحة والمقابر وتم إنقاذ الكثير من بني جلدته من الضياع.

ما يجهله القائمون على الشأن المحلي لمدينة الدار البيضاء، هو أن طوليدانو قضى ثمان سنوات في منصب المسؤولية بالمجموعة الحضرية للدار البيضاء، وظل حريصا على تمثيل المسلمين واليهود والمسيحيين داخل المجلس.

 وبفضل مداخلاته ومقترحاته تعلم ساسة المدينة السابقون أبجديات التعايش بين الأديان، وفهموا المعنى الحقيقي لتعايش الثقافات أيضا.

 لم يكن بوريس رجل سياسة بقدر ما كان رجل "سوسيال" إلا أنه ظل ينهل التجربة السياسية من قريبه ليون بنزاكين الذي شغل منصب وزير للبريد في أول حكومة للراحل محمد الخامس.

حين داهم توليدانو المرض بدأ يفضل قضاء لحظات هادئة في المسكن الصيفي لابنه سيدني بمنتجع ماربيا في الديار الفرنسية. هناك يتذكر شبابه حين كان يجوب الأندلس طولا وعرضا بحثا عن موطئ قدم بين الإسبان.

 وكانت آخر اتصالاته الهاتفية قبل الوفاة مع رفيق دربه جورج بيرديغو، حيث تناولا قضايا الوجود اليهودي في المغرب، فيما كان ابنه جاك يلح على مرافقته إلى ماربيا حين شعر بأن والده في حاجة إلى الاسترخاء بعيدا عن صخب الطائفة ووضع هاتفه النقال خارج الخدمة للضرورة المرضية.

يحكى عن الراحل توليدانو أنه واجه موقفا طريفا مفاده أن سيدة متسولة اعترضت سبيله حين كان يهم بدخول مقر الطائفة اليهودية بالدار البيضاء، في زقاق متفرع عن شارع بوردو، وطالبته بمساعدة مالية قبل أن يتدخل شرطي يحرس مقر الطائفة ليبعدها بطريقة غير لائقة، حينها قرر توليدانو التوقف والإنصات إليها.

وكم كان مفاجئا عندما قالت هذه السيدة لتوليدانو وهي تشتكي من هذا الشرطي: "راه ديما كيجري علي واش أنا يهودية حشاك". ابتسم توليدانو ولم يعقب على كلامها لأن القضية لها صلة بمخزون ثقافي ينبغي تنقيته من مثل هذه الشوائب العالقة التي تتعامل مع الناس بناء على الانتماء الديني عوض الانتماء إلى الوطن.