غير بالفن

ماذا فعل مزوار حتى يستحق كل هذا "العنف" من الدولة؟

14/10/2019 10:55
مصطفى الفن
لا أعتقد أن صلاح الدين مزوار الوزير السابق للخارجية المغربية قال كلاما خطيرا يستحق هذه "الإقالة" الفورية من رئاسة "الباطرونا" وهذا الرد الرسمي "العنيف": 
 
"أنت أرعن ومتهور وغير مسؤول"، وفق ما جاء في بلاغ ناري وغير مسبوق للخارجية المغربية نفسها.
 
شخصيا، لا أرى أن الرجل ارتكب كبيرة من الكبائر الموجبة للطرد من رحمة الله. 
 
لأن مزوار لا يشغل حاليا أي منصب رسمي اللهم إلا إذا اعتبرنا وجوده، على رأس أكبر تكتل اقتصادي مغربي، هو مجرد "هبة مخزنية" تفرض عليه واجب التحفظ والتزام الصمت إلى يوم يبعثون.
 
ثم ماذا قال مزوار في خرجته الإعلامية الأخيرة أمام ضيوفه بمؤتمر دولي بمراكش حتى تنهال عليه الضربات من كل جانب وحتى تقطع يداه ورجلاه من خلاف؟ 
 
كل ما فعله مزوار هو أنه عبر، بطريقة سلمية وأنيقة، عن رأي شخصي في بلد ينبغي ألا يتضايق من آراء مواطنيه خاصة مع دستور "جديد" يعتبر الخيار الديمقراطي خيارا لا رجعة فيه.
 
والواقع أن مزوار دق، في خرجته الإعلامية بمراكش، ناقوس الخطر واختار ربما أن يتكلم بصوت مرتفع في قضايا حساسة جرت العادة أن تتكلم فيها علية القوم بصوت خافت أو بصوت غير مسموع.
 
وفعلا، ينبغي الاعتراف أن مزوار قدم توصيفا دقيقا لما يجري في دول المنطقة المغاربية من تحولات عميقة عنوانها العريض هو هذا الفراغ ونهاية الأحزاب التقليدية وهيمنة التيارات الإسلامية على الساحة السياسية.
 
وهذا ليس جديدا يكتشفه مزوار لأول مرة. هذا ربما واقع لا يرتفع ويقوله حتى زعماء ورؤساء دول وديبلوماسيون حاليون وسابقون في كل أنحاء الدنيا.
 
بل إن ما قاله مزوار عن الشأن الداخلي بالجزائر هو ليس شيئا لم يقل به أحد من المسؤولين المغاربة في تاريخ الديبلوماسية المغربية.
 
أبدا.
 
ما قاله مزوار اليوم عن الشقيقة الجزائر هو ربما امتداد لما سبق أن قاله الراحل الحسن الثاني بالأمس عندما فازت الجبهة الإسلامية للإنقاذ بالانتخابات في سنة 90.
 
وأقصد هنا عندما دعا الحسن الثاني رحمه الله المسؤولين الجزائريين إلى ترك إسلاميي الجبهة ليجربوا حظهم في إدارة شؤون البلاد ليختبرهم المواطن الجزائري عن قرب في تدبير الشأن العام.   
 
واعتقادي أن تصريحات مزوار بمراكش ما كان لها أن تحدث اليوم كل هذا الزلزال الشديد وسط أجهزة الدولة بكاملها لولا أن الرجل ذهب أبعد من ذلك بكثير وسمى الأشياء بمسمياتها.
 
مزوار لم يكتف بدعوة الجيش الجزائري إلى تقاسم السلطة مع قادة الاحتجاجات الشعبية، الذين يوجدون في الشارع منذ أكثر من ثمانية أشهر.
 
بل إن الأمين العام السابق لحزب التجمع الوطني للأحرار رفع سقف توقعاته عاليا وتحدث بلغة الواثق عن كون الحكم وتدبير الشأن العام، بدول المنطقة المغاربية بما فيها المغرب، سيؤول مستقبلا لا محالة إلى الحركات الإسلامية.
 
وهذا الأمر بالنسبة إلى مزوار هو محسوم وهو من باب السماء فوقنا لأن الحركات الإسلامية، في نظره، هي الحركات الوحيدة المنظمة بشكل جيد ولها تجذر وامتداد وسط المجتمع.
 
وهذه "النبوؤة المرة" حول "أهلية" للإسلاميين لتدبير شؤون الدولة في المستقبل، هي التي جرت ربما على مزوار غضب الدنيا والآخرة وربما سيعيش الرجل، على إثرها، عيشة "البعير المعبد" أبد الدهر ما لم يقع شيء ما أو ما لم تجر مياه أخرى تحت الجسر.
 
ومع ذلك، أستبعد أن يكون مزوار قال ما قاله عن الجيش الجزائري أو عن الإسلاميين أو عن الاحتجاجات والتحولات بالمنطقة المغاربية بناء على استنتاج شخصي كفاعل اقتصادي أو كدبلوماسي سابق.
 
نعم، أستبعد ذلك.
 
وظني أن مزوار اختار ربما توقيتا غير مناسب ليتحدث عن أسرار جلسات خاصة قد يكون تردد فيها مثل هذا الكلام حول التعامل مع حركات الإسلام السياسي وحول أكثر  من قضية ذات حسية خاصة.
 
أظن أن الأمر كان كذلك لأن بعض الجهات المحسوبة على الأجنحة المحافظة في الدولة بالمغرب لم تعد ربما تتردد مؤخرا في طرح مثل هذا السؤال:
 
ما الجدوى اليوم من هذه "الحرب الشاملة" على الإسلاميين إذا كانت هذه الحرب لا تعطي، على أرض الواقع، سوى نتائج  عكسية تعزز القوة الانتخابية للفاعل الإسلامي (البيجيدي نموذجا) وترسخ شعبيته وعمقه السوسيولوجي وسط المجتمع؟
 
وطبيعي أن يطرح مثل هذا السؤال خلف أسوار الصالونات المغلقة لأنه بقدر ما اتسعت دائرة "استهداف" هذا الفاعل الإسلامي، فإن هذا "الاستهداف" سرعان ما يتحول في رصيد مناضليه الى مراتب أولى وإلى أصوات انتخابية كاسحة والى مقاعد وثيرة في كل استحقاق تشريعي أو جماعي.
 
فماذا يعني هذا؟
 
هذا معناه أن خطة "الحرب الشاملة" للقضاء على  "الوحش"، أو في شتى الأحوال إضعافه وشل حركته، لم تعد ربما تعطي أكلها..
 
لأن هذه الخطة لم تزد  المارد الإسلامي أو هذا "الوحش" إلا قوة وعمرا طويلا وتمددا مطردا في دواليب الدولة ومفاصلها ومؤسساتها.
 
فهل دخلت جهات محسوبة على الدولة في "مراجعة" مواقفها المتشددة من الإسلاميين؟
 
 ليست لي أي معلومة دقيقة، والله على ما أقول شهيد.
 
لكن ما هو مؤكد هو أن خطة الحرب على الفاعل الإسلامي لم تعد اليوم خيارا ناجعا بعد تجريبها لسنوات طويلة من الزمن بلا جدوى سوى تضييع الوقت والجهد والمال..
 
الأخطر من ذلك أن هذا الخيار جعل من إسلاميين كثرا، بعضهم بدون كفاءة أو ربما بكفاءات عادية أو متواضعة، "أبطالا" و"مظلومين" و"ضحايا" في وجدان ناخب ب"ابسيكولوجية" متوترة شعارها الدائم هو "إنا عكسنا" ضد أي شيء جاء من السلطة سواء كان خيرا أو شرا.
 
"إذن لماذا لا نجرب خطة أخرى بديلة تقوم على السلم وخفض الجناح في التعامل مع الفاعل الإسلامي ما دامت خطة الحرب مكلفة كثيرا وأينما وجهت مدفعيتها لا تأتي بخير"؟ 
 
وهذا السؤال هو، بدوره، طرح من طرف كثيرين وعلى أكثر من مستوى والهدف من طرحه بالطبع هو دفع "العدو" إلى أن يموت ميتته الطبيعية بدل قتله ليموت "شهيدا" مثلما مات أصحاب "الأخدود".
 
وأنا لا أقول هنا إن الحرب بين جزء من الدولة وبين العدالة والتنمية وضعت أوزارها وأصبحت جزءا من الماضي.
 
لا.
 
بل أقول إن هذه الحرب ستظل بدون شك متواصلة لكنها قد تتخذ ربما مستقبلا شكلا آخر هذا عنوانه: "وريونا حنة إيديكم".
 
أي ماذا يمكن للإسلاميين أن يقدموا للمغاربة على مستوى التعليم وعلى مستوى السكن وعلى مستوى الصحة وعلى مستوى خلق مناصب الشغل وعلى مستوى فتح أوراش التنمية؟
 
ثم ماذا يملك هؤلاء، الذين يتخذون من الإسلام مرجعية لهم، من كفاءات وطاقات ومواهب لترجمة انتظارات الناس إلى واقع ملموس؟ 
 
كل هذه الأسئلة أصبحت اليوم مشروعة، لدى أكثر من جهة، في مرحلة سياسية ينبغي ربما أن يكون شعارها في التعامل مع الإسلاميين هو "دعهم يمرون.. دعهم يعملون"، أو بصيغة أخرى: "وصل الكذاب حتى لباب الدار"، كما يقول المغاربة. 
 
وربما لهذا السبب أيضا لاحظنا كيف أن النسخة الثانية من حكومة العثماني تشكلت بسلاسة وبلا "بلوكاج" كانت كل شروطه متوفرة وزيادة خاصة بعد رفض استوزار أسماء اقترحها عزيز أخنوش نفسه.
 
أكثر من هذا، لقد تم الاعتراض أيضا حتى على استوزار رؤساء أحزاب مثل لشكر وساجد دون أن تصدر عنهما أي عرقلة أو أي احتجاج ولو بسيط.
 
إذن لماذا عوقب مزوار بكل هذه القسوة المبالغ فيها؟
 
ربما لأنه تحدث في "الوقت الخطأ" أو ربما لأنه "اعتقد" أنه يرسم لبلده صورة مشرقة في التعامل مع إسلامييه.
 
وربما لأنه نسي أنه كان رياضيا وكان عليه أن يستشير حكم المباراة قبل أن يرمي الكرة في السلة. 
 
ومع ذلك فإن هذا "العنف" اللفظي غير مبرر من طرف دولة في حق رجل وهب لها حياته وروحه ولم يقل لها سوى نعم تلو نعم طيلة مشواره السياسي والمهني.