غير بالفن

اعتقال صحافية في قضية حب.. من يريد "إجهاض" تجربتنا الديمقراطية؟

03/09/2019 13:16
مصطفى الفن

قرأنا، مساء أمس، الرواية الرسمية في خبر حزين حول اعتقال صحافية من "أخبار اليوم" تحمل اسما عائليا، يبقى مجرد النطق به هو في حد ذاته ظرف تشديد.

 أقصد هنا اسم الريسوني.

شخصيا لن أصدق أبدا أن هاجر اعتقلت في قضية لها علاقة بالأخلاق والجنس غير الشرعي والإجهاض..

لماذ؟

لأن ما هو واقع على الأرض حول الأخلاق والجنس والإجهاض وسط المغاربة تجاوز بكثير ترسانتنا القانونية العتيقة

اعتقال زميلتنا هاجر هو بلا شك رسالة إلى العمين معا: الأول هو أحمد الريسوني الرئيس السابق لحركة التوحيد والإصلاح والثاني هو سليمان الريسوني آخر صحافي مستقل بالمغرب.

وحتى هاجر ولو أنها شابة في أول العمر وفي أول المشوار لكنها ليست بلا "سوابق" في هذا المسار العائلي من العناد ومناهضة أعطاب السلطة مع نفس نقدي وأسلوب لاذع لا تخطئه العين.

ويكفي أن يتصفح القارئ صفحة هاجر بالفيسبوك ليخرج بهذه الحقيقة: هاجر ليست إلا غصنا أصيلا ومورقا من شجرة عائلية "حرونة" ومعروفة بالشغب..

لكنه شغب مسؤول ومؤطر بالدستور والقانون وله أفق واحد هو الانتصار للوطن وليس للأجندات الصغيرة.

ولو كان الأمر غير ذلك ما كان عقلاء البلد وحكماؤه أن يرشحوا اسم الفقيه المقاصدي أحمد الريسوني ليلقي درسا حسنيا بين يدي الملك محمد السادس.

أكثر من هذا، لقد سمعت من ينسب لأحمد الريسوني قوله، عقب رواج أنباء تتحدث عن إمكانية استقراره بقطر:

 "أنا جد مرتاح هنا في بلدي المغرب وأنا أشعر بالأمن والأمان ولا أشعر بأي مضايقات...".

حدث هذا عقب انتخاب الريسوني رئيسا للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.

دعونا نتكلم بالصراحة اللازمة. هاجر اعتقلت ليس لأنها تورطت في عملية إجهاض، وإلا لماذا اعتقلت هي لوحدها دون غيرها من آلاف حالات الإجهاض التي تقع بالمغرب؟!.

وبالفعل، من منا لم يسمع أخبارا كثيرة عن تلك الأرقام المخيفة المتعلقة بآلاف العمليات السرية والعلنية التي تهم الإجهاض دون أن تقابلها السلطات المختصة بأي تشدد.

وظني أن هاجر اعتقلت لأن هناك ربما من يريد أن يجهض أي تجربة وأي انتقال نحو الديمقراطية ونحو وطن يتعايش تحت سقفه الجميع.

لا أعرف تفاصيل كل شيء في هذا الملف لكن ما هو مؤكد هو أن قضية هاجر هي في نهاية المطاف قضية حياة خاصة وقضية حب لا غير.

والحياة الخاصة سميت كذلك لأنها لا تستدعي الاعتقال ولا السجن ولا هذه الحالة من الاستنفار القصوى لأنها لا تهدد السلم الاجتماعي ولا الأمن القومي للبلد..

 لكنها مدمرة للعش وللأسرة وللأطفال في مجتمع "محافظ" لا يجد أي حرج في "وأد" فتياته ونسائه.   

ثم علينا ألا ننسى أننا في دولة بواجهة مدنية وعصرية تستوعب كل تجاوزاتنا وأخطائنا ولسنا في دولة دينية تراقب أخلاق الناس وتصرفاتهم ومدى تطابقها أو تعارضها مع ما جاء في الكتاب والسنة..

مهام الدولة المدنية والحديثة هي توفير الأمن والشغل والتعليم والصحة والقضاء النزيه والبنيات التحية الجيدة وليس إحصاء عدد العمليات الجنسية خارج مؤسسة الزواج التي تقع كل يوم بين المواطنين والمواطنات.

أقول هذا وأنا أعي جيدا أن العلاقة بين الخالق والمخلوق لا دخل فيها للنيابة العامة ولا للدولة ولا لأي جهة أخرى.

العلاقة بين الخالق والمخلوق لا يعلمها إلا الخالق، وينبغي أن تظل كذلك لأن دخول أي طرف ثالث في هذه العلاقة هو "اعتداء" قسري على الدين لخدمة سياسة قائمة.

ثم إننا بشر..

ولأننا بشر فنحن نأكل الطعام ونمشي في الأسواق ونصيب ونخطئ وقد تأتي علينا لحظات من الضعف حتى لنكاد نلتصق بالأرض..

وقد لا أبالغ إذا قلت إن اعتقال هاجر سيضبب الرؤية حول السمعة الحقوقية للبلد لأننا أمام حدث محرج ليس لآل الريسوني لأن أفراد هذه العائلة لهم استعداد نفسي وفطري لاستيعاب المحن وتجاوزها..

 ولكنه حدث محرج لنقابة الصحافيين تحديدا ومعها بالطبع كل الأصوات المدافعة عن الحرية وعما هو أهم من الحرية وهو الحب.

وفعلا، إن القضية قضية حب لا غير في مغرب قيل إنه ماض بخطى ثابتة نحو الملكية البرلمانية.