الرأي

سياسات الكراهية

21/12/2018 12:03
حسن طارق

في حراك السترات الصفراء شيء أكبر قليلا من الغضب الشعبي ومن التمرد على السياسات. يبدو ذلك بطريقة مشهدية في تصريحات الفرنسيين البسطاء وهم يقولون كلماتهم المنفعلة و المختلفة في حرارة المضمون و بناء اللغة عما تعودت عليه استوديوهات التلفزة و أعمدة الصحافة ،حيث تخرج الجمل كقذائف عارية،بلا أدنى زخارف البلاغة، بدون استعارات ولا شاعرية .

شيء أكبر من الغضب ،لأنه يذهب بلا مواربة إلى الرئيس ،ليس كرمز مؤسساتي و مسؤول أول عن السياسات والبرامج ،ولكن و أساسا كشخص ، حيث الانتقادات توجه إلى عجرفته أكثر من مما توجه إلى قراراته ،و حيث يتهم في جوانب من سلوكه بالقدر ذاته الذي يحاسب على أداءه العمومي. 

الشيء الأكبر من الغضب ،ليس سوى الكراهية!.  نعم عرف رؤساء فرنسيون سابقون أدنى عتبات انحدار مؤشرات الشعبية، لكن الأمر مختلف مع حالة ماكرون. إنه لا يواجه هبوطا حادا في معدلات التعاطف والشعبية، بل يواجه ما هو أكبر: مزاجا عاما يكاد يجعل من كراهية الرئيس عقيدة مشتركة لهذا الحراك الاجتماعي غير المسبوق، تتفوق على ما دونها من قضايا القدرة الشرائية والعدالة الجبائية والإصلاح الاجتماعي .

الصحافة التقطت من قلب يوميات الحراك مفارقة محيرة ،ذلك أن الحشود المحتجة لا تعترف داخل الهندسة المؤسساتية المعقدة للجمهورية الخامسة سوى بقاطن قصر الاليزيه كمخاطب وحيد و ممكن ،في الوقت ذاته الذي تضعه هو نفسه في فوهة بركان غضبها و في البؤرة المركزية لخطابها الذي لا يحمل مجرد دفتر مطالب نقابية أو سياسية ،بل يعلن في شعاراته و مفردات تواصله و نمط حضوره داخل الإعلام و الوسائط الاجتماعية الجديدة ،عن انزياح واضح نحو استهداف ممنهج لشخص الرئيس ،من خلال ما لا يحصى من الشتائم المباشرة و العنف اللفظي و الازدراء المعلن والتعبيرات المشينة التي تمتح من قاموس بعيد عن مشمولات النقاش السياسي حتى في أقصى حالات سجاليته وحدته. 

جزء من المتابعات الإعلامية لهذا الحراك انتبه إلى التصاعد المثير للكراهية المناهضة لماكرون ،والتي تعلن نفسها في ما يعبر عنه حاملو السترات الصفراء من شحنات  العاطفة السلبية و الاستهجان و التذمر ،تجاه شخص الرئيس، وهو ما جعل العديد من البرامج التلفزية تخصص محاورا لهذه الظاهرة ،كما دفع أسبوعية مثل ليكسبريس لتخصيص غلافها الرئيسي لمحاولة تفكيك وتحليل و فهم خلفيات هذا الطلاق العاطفي و النفسي بين الرئيس و قطاعات واسعة من الرأي العام. 

في قراءة العناصر المغذية لهذه الحالة ، يورد المتتبعون قائمة من الفرضيات المفسرة ، تتوزع بين الإحالة على تاريخ عميق و تراكم سابق عن العهدة الانتخابية الحالية مليء بسوء الفهم و غياب الثقة و اتساع القطيعة بين النخب و الشعب ، وبين التركيز على الطريقة التي تمثل بها ماكرون الوظيفة الرئاسية ،مما جعله يبني بشكل إرادي و مفكر فيه حجابا جليديا بينه وبينه الناس ،ويحول فضاء الحكم إلى مكان منزوع من العاطفة ،مما أسهم في غلق ممرات القرب الإنساني التي ظلت تحمل تيارا من الانفعالات المتبادلة بين حكام الجمهورية وشعبها ،سواء من خلال رؤساء احتفظوا بعفوية كرمهم الإنساني وهم يعبرون أقسى جغرافيات العزلة الحديدية التي تفرضها الجدران العالية للسلطة، أو من خلال من اختار فعلا أن يكون "رئيسا عاديا".

في بيان الأسباب ، يميل بعض المحللين كذلك إلى التفكير في موجة الكراهية المناهضة لماكرون ،كأثر معكوس للعبة "الجمل القصيرة" التي ظل الرئيس الشاب مفتونا بها  كجزء من حضوره العمومي و التواصلي ،والتي كثيرا ما كانت تقرأ في الأوساط الشعبية كتعبير عن الاستعلاء و غياب الإحساس بالهموم الصغيرة للبسطاء .

ما يبدو كراهية فاقعة بالملاحظة المباشرة التي لا تحتاج إلى عين خبيرة ، قد يتحول في خطابات بعض السياسيين من أقصى تيارات اليسار و اليمين ، إلى مواقف شعبية من الظاهرة "الماكرونية" وليس من ماكرون نفسه، بما تمثله هذه الظاهرة من تعال إيديولوجي و مقاربة مقاولاتية للحكم تجعل السلطة في خدمة الأقوياء والسياسات في خدمة الأثرياء .

لكن الواقع ،أن محاولات أدلجة موجات الكراهية المعلنة لا تبدو موفقة دائما ، فالاختلافات بين التعبير عن الموقف السياسي المناهض لتجربة التدبير الحكومي ،وبين حالة انتشار الكراهية المعممة في الأوساط الشعبية و داخل حراك الاحتجاجات ،هي اختلافات فارقة في من حيث الدرجة و الطبيعة ،بل وفي السجل أيضا . 

يحيل التفكير في موقع الكراهية ضمن العملية السياسية ،إلى ما أسماه عالم السياسي المغربي عبد الحي المودن ، في مناسبة ثقافية حديثة ، بسياسات المشاعر ،حيث ظلت العواطف و الانفعالات و الأحاسيس جزءا أساسيا من الفعل السياسي والتعبئة و رهانات السلطة واستراتيجيات التواصل  ،وحيث "المواطن العاطفي" يجاور دائما "المواطن العقلاني"  .

استحضار أثر المشاعر في بناء العالم السياسي منذ زمن قديم ، لا يجب أن يحجب في نفس الوقت تصاعدا ملحوظا ،في سياقنا المعاصر ، لخطابات الكراهية بأبعادها العنصرية والاجتماعية و الجنسية والدينية والشوفينية ، على النحو غير المسبوق الذي تصفه الصحفية والمفكرة الألمانية " كارولين ايمكي" ،بأنه عصر الافتخار بالإعلان عن كراهية الآخر وباستعراض القسوة والاستياء ،حيث تحولت الكراهية إلى أمر طبيعي و شائع ،ولم تعد محتاجة إلى أقنعة للاختباء ورائها . ان ما يخيف في مشاعر الكره ليس تحولها إلى عادة عمومية ،بل ارتقائها إلى رتبة الرأي والعقيدة  ،يخلص الفيلسوف التونسي فتحي المسكيني .

إقرأ أيضا