ابراهيم النعناعي يكتب: انتخابات 2026.. انتخابات برهان ملكي
مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية لسنة 2026، يدخل المغرب مرحلة سياسية دقيقة وحاسمة، في ظل تحولات دولية وإقليمية متسارعة، ورهانات وطنية كبرى تتطلب تعبئة جماعية ونخبا سياسية قادرة على مواكبة حجم التحديات والطموحات التي يقودها صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله. فالمملكة اليوم ليست أمام محطة انتخابية عادية، بل أمام “رهان ملكي” حقيقي يروم تعزيز البناء الديمقراطي، وتجديد الثقة في المؤسسات، وإعادة الاعتبار للعمل السياسي الجاد والمسؤول.
لقد أكد جلالة الملك في أكثر من مناسبة على ضرورة انخراط الشباب في العمل السياسي والحزبي، باعتبارهم قوة اقتراحية ورافعة أساسية لبناء مغرب المستقبل. فالتحديات التي تواجه المملكة اليوم، سواء المرتبطة بالتنمية أو بالتحولات الجيوسياسية، لم تعد تسمح باستمرار نفس الأساليب التقليدية أو النخب المستهلكة، بل تفرض فتح المجال أمام كفاءات جديدة قادرة على التفاعل مع انتظارات المواطنين والدفاع عن المصالح العليا للوطن.
وتأتي هذه المرحلة في سياق وطني يتسم بإطلاق أوراش استراتيجية ضخمة تمتد إلى غاية سنة 2032، رُصدت لها ميزانيات ضخمة تناهز مئات المليارات من الدراهم، بهدف تحقيق العدالة المجالية وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، وتعزيز الحماية الاجتماعية، وتأهيل البنيات التحتية، وتحسين الخدمات الصحية والتعليمية، وخلق فرص الشغل لفائدة الشباب. كما يستعد المغرب لاحتضان كأس العالم 2030، في مشروع وطني كبير سيشكل فرصة تاريخية لتعزيز إشعاع المملكة دوليا وتسريع وتيرة التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
وفي موازاة هذه الأوراش الكبرى، تواصل المملكة بقيادة جلالة الملك تحقيق انتصارات دبلوماسية متتالية في قضية الوحدة الترابية، من خلال تنامي الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الحل الواقعي والجاد والوحيد لإنهاء النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية. وهو ما يفرض وجود جبهة داخلية قوية ومؤسسات منتخبة ذات مصداقية ونخب سياسية قادرة على الدفاع عن القضايا الوطنية الكبرى بنفس وطني ومسؤول.
غير أن هذه المرحلة تطرح في المقابل أسئلة سياسية جوهرية حول ضرورة تقوية الأحزاب السياسية وتجديد نخبها حتى تكون قادرة على مواكبة هذه التحولات الكبرى، لأن الديمقراطية السليمة لا يمكن أن تقوم فقط على الإدارة والمؤسسات التقنية، بل تحتاج أيضا إلى أحزاب قوية ونخب قادرة على التأطير والترافع وإنتاج الأفكار والحلول.
ومن هنا تبرز أهمية القطع مع عدد من الممارسات البائدة التي ساهمت في إضعاف ثقة المواطن في السياسة والعمل الحزبي، وتعويضها بثقافة سياسية جديدة تقوم على الكفاءة والنزاهة وربط المسؤولية بالمحاسبة وخدمة المواطن. فالمغاربة اليوم ينتظرون خطابا سياسيا واقعيا ومسؤولا، يضع المصلحة الوطنية فوق الحسابات الضيقة، ويعيد الثقة في المؤسسات المنتخبة.
كما أن مواجهة خطاب العدمية واليأس أصبح مسؤولية جماعية، لأن العزوف عن المشاركة السياسية لا يخدم إلا الفراغ، بينما تبقى المشاركة الواعية والانخراط الجاد داخل المؤسسات والأحزاب الطريق الحقيقي للمساهمة في صناعة القرار والدفاع عن القضايا الوطنية. فالديمقراطية لا تُبنى بالمقاطعة، بل بالمشاركة الفعالة وتحمل المسؤولية.
إن انتخابات 2026 ليست فقط تنافسا انتخابيا حول المقاعد، بل هي محطة وطنية كبرى لإفراز نخب جديدة قادرة على مواكبة الرهانات الملكية الكبرى، والدفاع عن قضية الصحراء المغربية، وإنجاح مشاريع التنمية والحماية الاجتماعية، والتحضير لمغرب ما بعد 2030، مغرب قوي بمؤسساته، واثق في شبابه، ومؤمن بأن الإصلاح الحقيقي يبدأ بالمشاركة السياسية الجادة والمسؤولة.





