غير بالفن

قضية "فرنسة" التعليم.. لماذا قسا بنكيران على إخوانه وتساهل مع نفسه؟

22/07/2019 8:04
مصطفى الفن
رفع عبد الإله بنكيران منسوب الإحراج عاليا وسط البيجيدي يصعب التكهن بحدود تداعياته على مستقبل علاقة الحزب بالدولة عقب هذا الجدل المشتعل حول "فرنسة" التعليم بالمغرب. 
 
لماذا؟
 
 لأن بنكيران في "لايف" أول أمس حول قانون التعليم لم يعتبر تصويت الحزب بالامتناع على هذا القانون مجرد موقف تحكمت فيه السياسة، وكان لا بد أن نحتكم إلى التصويت عندما نختلف في تأويل المبدأ. 
 
ثم إن السياسة بمنطق البجيدي ليس فيها إما أسود أو أبيض، بل فيها ألوان متعددة وفيها تغيير ما بالأنفس قبل تغيير ما بالقوم وفيها الانسياب اللطيف والتدافع السلمي وفيها الخطأ والصواب وفيها التقدير والترجيح وفيها الاختيار ليس بين الحسن والأحسن وإنما بين السيء والأكثر سوءا.
 
والسياسة بمنطق البيجيدي ليس فيها أخذ بلا عطاء بل فيها أيضا الأخذ والعطاء وفيها التسديد والتقريب وفيها درء المفاسد أولى من جلب المصالح وفيها "قولا له قولا هينا" وفيها التدرج والصبر على أذى الناس وفيها التعاون مع الغير على الخير، أيا كان هذا الغير.
 
بل إن السياسة بمنطق إخوة بنكيران فيها ما هو أهم من ذلك وهو أن الرأي حر والقرار ملزم وفيها احترام مؤسسات الحزب وقرارات الحزب وفيها أيضا الأولوية للتوافق وليس للصراع..
 
 لأن الصراع، في نظرهم، لن يقود إلا إلى "الفشل" و"التفرق" و"ذهاب الريح" وربما الى الاصطدام مع الدولة ومع مؤسساتها وأجهزتها العميقة.
 
وهذه "القواعد الذهبية"، التي ظل العدالة والتنمية يحتكم إليها منذ ميلاد جمعية الجماعة الإسلامية في بداية الثمانينيات، هي التي هزم بها الإسلاميون حزب الدولة وهزموا بها إلياس و"جنوده" وهزموا بها ولد زروال ووزارة الداخلية ونمط اقتراعها..
 
باختصار، إنها القواعد التي كانت وراء هذه "الانتصارات النوعية وغير المسبوقة" التي حققها الحزب في كل الاستحقاقات الانتخابية بزعامة بنكيران نفسه.   
 
وطبعا كان لبنكيران باع طويل وقصب السبق في التقعيد النظري لهذه "القواعد" التي تحولت مع مرور الزمن إلى أسس مرجعية والى منهج في التفكير والى "محجة بيضاء" في السلوك السياسي للحزب.
 
أكثر من هذا، لقد كان لبنكيران الدور الرئيسي في التأسيس، من خلال هذه القواعد، لتدين معتدل أنقذ آلاف الشباب المغاربة من شبكات التطرف والإرهاب والتشدد وإلا لكان بعضهم اليوم موزعين على السجون والمنافي وبؤر القتال وليس خلف المقاعد المكيفة بالوزارات والمؤسسات المنتخبة من برلمان وجماعات ترابية. 
 
فهل استنفذت هذه القواعد المرجعية اليوم أغراضها وصلاحيتها ولم تعد صالحة كمنهج للإصلاح والتغيير في مرحلة ما بعد الإعفاء الملكي لبنكيران؟
 
نعم من الضروري أن نطرح هذا السؤال لأن بنكيران ذهب في "لايف" أول أمس بعيدا عندما أدرج موقف إخوانه من قانون التعليم ليس في منطقة فراغ تشريعي يجري عليه الخطأ والصواب.
 
لا.
 
بنكيران أدرج موقف إخوانه من التعليم في خانة هي أقرب الى "الخيانة العظمى" و"التولي يوم الزحف" الذي يستوجب القصاص في الدنيا قبل الآخرة.
 
وأنا لم أفهم كيف أخرج بنكيران هذا النقاش اللغوي العادي من حقل السياسة والتقدير السياسي والاختلاف البيداغوجي إلى حقل الدين والمعتقد كما لو أن المعركة معركة كفر وإيمان أو معركة خير وشر.
 
وفعلا، فقد بدا العثماني وإخوانه من وزراء البيجيدي وبرلمانييه أجمعين، بعد خرجة بنكيران، كما لو كانوا مجرد "خونة" و"عملاء" لدى الاستعمار الفرنسي  أو "تجار دين" تخلوا عن هويتهم وإسلامهم ومرجعيتهم ومبادئهم.
 
وقع كل هذا فقط لأن العثماني وإخوانه اجتهدوا فوقفوا موقف الامتناع من قانون كان محط توافق وتشاور مع حلفائه الحكوميبن بعد نقاش طويل ساهم في إغنائه إدريس الأزمي المستقيل من رئاسة الفريق النيابي للحزب بالتعديل والاقتراح والاعتراض والقبول.
 
والواقع الذي لا يرتفع أن موقف الامتناع عن التصويت على قانون ما من طرف حزب يقود الحكومة هو في حد ذاته بمثابة تصويت بالرفض كان على البيجيدي أن يقدر هذا الأمر خير قدره ليرد التحية على حلفائه وعلى حكماء الدولة بأحسن منها.
 
وبالتأكيد، لا بد من الاعتراف هنا بأن حلفاء البيجيدي كانوا ربما في منتهى "الحكمة" هم أيضا لأنهم تفهموا موقف حليفهم الإسلامي ولم "يحكوا كثيرا على الدبرة" وتقبلوا، ولوعلى مضض، أن يصوت الحزب الحاكم بالامتناع على قانون.     
 
أما إذا صوت البيجيدي اليوم برفض هذا القانون في الجلسة العامة لمجلس النواب فهذا له معنى واحد لا ثاني له وهو أن هذه الحكومة لم يعد لوجودها أي مبرر وآن لها ان تسقط اليوم قبل الغد.  
 
وأنا أختلف مع السي عبد الإله الذي أقام الدنيا ولم يقعدها في قضية هي ليست بهذه الخطورة على الإطلاق لأن الهوية أكبر من أن تختزل في أي لغة بدليل أن هناك شعوبا كثيرة لا تتحدث العربية لكن هويتها الإسلامية حاضرة بقوة ولم يمسسها أي سوء.
 
ولا أخفي أن لدي احتراما كبيرا لرجل سياسي كبير مثل السي عبد الإله لكني أعاتب عليه أنه يقسو اليوم على إخوانه في أشياء كان هو جد متساهل فيها مع نفسه عندما كان رئيسا للحكومة.
 
فهل ينفي السي عبد الإله أنه كان يسمح لوزرائه بأن يتحدثوا باللغة الفرنسية في المجالس الحكومية التي كان يترأسها هو شخصيا بشحمه ولحمه؟ ألم تكن وقتها اللغة الفرنسية لغة للاستعمار؟
 
بل حتى عندما كان السي عبد الإله يلتقي مسؤولين أجانب بصفته الحكومية كممثل للمغرب والدولة المغربية فإنه كان لا يتحدث إليهم إلا بلغة المستعمر رغم أنه كان بإمكانه ألا يفعل.
 
ولا أريد أن أتحدث عن البرلماني السيد المقرئ الإدريسي أبوزيد لأن الرجل ليس بطلا في شتى الأحوال حتى وإن قدمه السي عبد الإله كذلك، وأقف عند هذا الحد ولا أزيد.
 
أما إدريس الأزمي فكان من الطبيعي أن يقدم استقالته حتى قبل "لايف" بنكيران لأن كل شيء في المسار السياسي لهذا الرجل الخلوق واللطيف بدأ مع بنكيران وأخشى أن تكون نهايته السياسية على يد بنكيران أيضا.
 
 
 
 
إقرأ أيضا