لهذا السبب هيمن “القبح التلفزي”..
وأنت تشاهد هذا “الإنتاج التلفزي” الممل والذي يتكرر كل رمضان، تكاد ربما أن تصاب باليأس والإحباط..
لكن من الطبيعي أن ينتابك ربما هذا الإحساس طالما أن الدولة “نسيت” بعض المسؤولين في منصب المسؤولية بقطاع التلفزيون..
حصل هذا حتى أن قنواتنا التلفزية ارتبطت بأسماء هؤلاء المسؤولين دون غيرهم كما لو أن الوطن مصاب بالعقم وبالاحتباس المنوي..
لكن ماذا كانت النتيجة التي تسبب فيها هذا “النسيان”؟
النتيحة هو سيادة القبح التلفزي و”تغول” شركات إنتاج بعينها وبلد عريق هو اليوم بلا إعلام عمومي حقيقي..
بل أصبحت عندنا خمس أو ست شركات هي التي تحتكر أو بالأحرى هي التي تقتسم “كعكة” وملايير الإنتاج التلفزي منذ أكثر من 20 سنة..
يقع كل هذا في وقت لم يعد ربما للجنة القراءة أي دور أو لها دور شكلي لتلميع وتزيين صورة هذا “القبح” ليس إلا..
وظني أن واقعا تلفزيا بهذه المحددات يطرح أيضا سؤالا آخر له أهمية بمكان:
ما جدوى طلبات العروض إذا كانت نفس شركات الإنتاج “المفششة” هي التي “تفوز ” في نهاية السباق بهذه العروض؟
وقد أذكر ربما هذه الشركات بالاسم في تدوينات لاحقة لأن أصحابها أصبحوا من أثرياء البلد وقد يظهرون قريبا في مجلة فوربس المختصة في تعقب مشاهير المال والأعمال..
وهذا “النسيان” الذي طال مسؤولي التلفزيون أنتج لنا أيضا ظواهر غريبة حتى أصبحنا ننتج مسلسلات وأعمالا تلفزيونية لكن دون أن يتم بثها رغم تكلفتها المالية الباهظة..
أما الهدف من هذا الإنتاج التلفزي دون بثه فهو إرضاء أصحاب هذه الشركات الخمس أو الست خوفا منهم أو خشية أن يخرجوا عن صمتهم ويهدموا الحفلة على من فيها..
أكثر من هذا، فهذا “النسيان” أنتج لنا أيضا ظاهرة أخرى اتخذت شكل إنتاج برامج وأعمال مكلفة ماليا..
لكنها أعمال لا تبث إلا في أوقات متأخرة من الليل أو قبل السابعة صباحا حتى لا يشاهدها الناس..
لأنه إذا شاهدها الناس فأكيد ستتحول هذه الأعمال إلى “فضائح” بسبب “تفاهتها”..
ولن أتحدث عن برنامج تلفزي يحمل رقما من الأرقام..
فهذا البرنامج الذي عمر لأكثر من سبع سنوات يمكن أن ينجزه أي صحافي من صحافيين كثر بإعلامنا العمومي وبالمجان أيضا..
لكن بعض المسؤولين في التلفزيون فضلوا أن يسندوا إنجاز هذا البرنامج إلى شركة “محظوظة” بمبلغ مالي يصل ربما إلى ما يفوق سعر شقتين من شقق السكن الاقتصادي للحلقة الواحدة..
نفس هذا العبث يتكرر مع ذلك البرنامج الكوميدي الذي بدد الكثير من المال العام دون أن يصنع لنا كوميديا واحدا..
سعر إنتاج حلقة واحدة من هذا البرنامج قد يكلف ربما ما يعادل ثمن ثلاث شقق من السكن الاقتصادي..
وليس هذا فحسب، ذلك أنه تم إنتاج برامج وأعمال تلفزية بتكلفة تصل أحيانا إلى مليون سنتيم للدقيقة الواحدة..
كما أن هناك ظاهرة أخرى أنتجها هذا “النسيان”..
وهذه الظاهرة اسمها “الكاميرا الخفية” التي كنا نعتقد أنها “خفية” و”امشينا فيها” فعلا..
غير أننا سنكتشف فيما بعد ان المال العام هو الذي “امشى فيها”..
لماذا؟
لأن هذه الكاميرا هي غير خفية وإنما هي مجرد “مسرحية” تقام بالتواطؤ مع فنانين يعانون من الهشاشة ويتقاضون تعويضا مهينا للكرامة في نهاية “المسرحية” عن أدوار متفق عليها مسبقا..
بمعنى أن كل شيء تقريبا دبر بليل على هذا الشكل:
نفس الكاميرا الخفية ونفس الشركة ونفس مالك الشركة ونفس المضمون ونفس الممثلين ونفس الفنانين وبلا تغيير في أي شيء سوى في بعض العناوين..
لكن مع نفس المبالغ المالية “المحترمة” من المال العام والتي قد لا تخطر على البال كما لو أننا نعيش في دولة نفطية..
حصل هذا على امتداد سنوات سابقة قبل أن يتم تعويض هذه الكاميرا غير الخفية في رمضان الحالي ببرنامج مسابقات لكن ربما بنفس الميزانية وبنفس الشركة وربما بنفس التلاعبات للضحك على الذقون..
لكن المثير في هذا كله ورغم كل هذا الكم الكبير من البرامج ومن الاعمال التلفزيونية فإننا لا نعثر على برنامج تلفزي واحد مخصص للدفاع عن كل قضايانا الوطنية العادلة..
كما أننا لا نعثر على برنامج سياسي واحد على شاكلة برنامج “حوار” الذي كان يدير زميلنا مولاي مصطفى العلوي باقتدار وبحرفية عالية أيضا..
وأقول هذا لأن الدفاع عن الأوطان لا يحتاج فقط إلى أنظمة سياسية وجيوش وحكومات ووزراء خارجية ومؤسسات أمنية ودبابات وطائرات عسكرية..
الدفاع عن الأوطان يحتاج أيضا إلى صحافة قوية وإلى إعلام قوي وحرفي وليس إلى تلفزات كثيرة لكن لا أحد يشاهدها من المغاربة ولا من غير المغاربة..
المغاربة يشاهدون ربما وباللغة العربية قناة فرانس24 ويشاهدون قناة روسيا اليوم ويشاهدون القنوات الخليجية أكثر مما يشاهدون “دوزيم” و”الأولى”..
كما أن الدفاع عن الأوطان يحتاج أيضا إلى مسؤولين في التلفزيون يتحدثون لغة البلد..
شخصيا لا أفهم كيف أن لدينا مسؤولين على رأس التلفزيون المغربي لا يتحدثون إلا اللغة الفرنسية ولا يعرفون من لغة “الضاد” ولو كلمة واحدة..
أضف إلى ذلك أن بعض هؤلاء المسؤولين في التلفزيون مكبلون بفضائحهم ويسهل “ابتزازهم” في وقت كان ينبغي التخلص منهم اليوم قبل الغد..
ثم إن مسؤولين في التلفزيون الرسمي للبلد بهذا المسار هم جزء من المشكل ولن يكونوا أبدًا جزءا من الحل.



