دفاعا عن صحافة مهنية
من الصعب أن نتحدث اليوم عن مقاولة صحفية ناجحة وأخرى فاشلة..
كما أنه من الصعب اليوم أن نتحدث عن مقاولة صحفية كبيرة وأخرى صغيرة..
لماذا؟
بكل بساطة لأن الدولة، جزاها الله خيرا، هي التي تتكلف، ومنذ سنوات، بأداء أجور جميع الصحافيين ومعهم جميع أرباب المقاولات الصحفية الناجحة والفاشلة والصغيرة والكبيرة..
أقصد أن الجميع اليوم في “الهم” شرق ولا داعي ربما لأن نزايد على بعضنا البعض..
بل يمكن القول أيضا إننا جميعا، صحافيين ومقاولين، أصبحنا “تابعين” للوظيفية العمومية ولم تعد تنقصنا سوى أرقام التأجير..
وعبد ربه ليس مقاولا وما خلق لهذا وما ينبغي له..
أنا صحافي لا غير..
وأنا أعتز بهذا الصفة أيما اعتزاز..
وكل أملي هو أن أتمثل أصولها وقواعدها ومحدداتها الأخلاقية والمهنية ولو في الحد الأدنى لأن الكمال لله..
وبصفة الصحافي تحديدا، حضرت أول أمس جمعا عاما للفيدرالية المغربية للإعلام بدعوة كريمة من رئيسها العزيز جدا السي كمال لحلو الذي عاد اليوم أكثر حماسا وأكثر رغبة في العطاء..
وفعلا لقد قيل لهذا الإعلامي الوازن والوقور والخلوق والمحترم وسط “الزحام” في سياق عابر إن “دفن” إطار مهني و”خلق” إطار آخر هو “إرادة عليا” وهو “وحي” نزل من السماء..
حصل هذا رغم “الأنوار” لا تتزاحم ورغم أن القطاع يتسع للجميع ورغم أن زمن الوحي وزمن الأنبياء وزمن المعجزات انتهى إلى الأبد..

وهو ما سيتضح على الأرض فيما بعد مع مرور الأيام ومع عنصر الزمن ومع تعاقب الليل والنهار..
وأنا حضرت هذا الجمع العام للفيدرالية لأني كنت دائما مع السي كمال “ظالما أو مظلوما”..
وما أكثر المناسبات التي تعرض فيها السي كمال إلى الظلم..
وأنا فعلت هذا لأن السي كمال هو واحد من الآباء المؤسسين للإعلام وللمهنة وأعطى، كثيرا، للإعلام وللمهنة وللوطن أيضا..
ثم إن السي كمال هو أيضا بمثابة أخ أكبر وهرم إعلامي كبير وله أفضال كثيرة على الكثير من الناس ومن المنتمين لهذا القطاع..
وأنا واحد منهم..
أو دعوني أقول أيضا بصيغة أخرى:
لم أحضر هذا الجمع العام للفيدرالية لأدعم طرفا ضد آخر أو لأغازل جمعية مهنية وأهاجم أخرى..
أبدًا والله يشهد..
والواقع أني حضرت هذا الجمع العام لأدعم خطا ثالثا ينتصر للمهنة ولأخلاقيات المهنة ول”الاعتدال” أيضا..
كما حضرت أيضا لأدعم الحق في الاختلاف..
ولأدعم الحق في الكلام..
ولأدعم حق “الأقلية” في العيش وفي الحياة..
ولأدعم حق المواطن في أن يكون أو لا يكون ضد مشروع حكومي..
وهذا لا يعني أني ضد أي “أغلبية” تعتبر نفسها هي الممثل الشرعي والوحيد للمهنة و”للشعب الفلسطيني” أيضا..
حصل هذا حتى أن هذه “الأغلبية” أصبحت تستكثر على الزملاء وعلى “اللأقلية” حتى مجرد الحق في الصراخ من شدة الألم..
بل إنها استكثرت حتى على حزب سياسي أن يقول من موقع المعارضة إنه مع القانون ومع الدستور وضد إحداث لجنة حكومية..
أقول هذا وأنا أعي جيدا أن “الأغلبية” التي تقصي الأقلية وتصادر حقها في الكلام وتطلق عليها الحملات.. فهذه أغلبية هي ربما غير واثقة من خطواتها..
ثم إن “حكماء” المهنة أو الذين يريدون قيادة صحافة البلد مطالبون بالصبر وبالتعقل وبالحكمة أكثر من غيرهم لأنهم أكبر من يسبوا زملاءهم من خلف الشاشات بأسماء مستعارة..
كما أني مع التوافق ومع التنازل المتبادل بين أبناء المهنة الواحدة ومع الأيادي الممدودة لبعضنا البعض..
وهذا هو الأصل لأننا نستقل نفس القارب في وطن يواجه اليوم تحديات كبرى وهو في حاجة إلى هيئات مهنية محصنة بالشرعية وبالقانون وبالدستور..
وهو أيضا في حاجة إلى صحافة مهنية مسؤولة وتحظى بثقة المجتمع وبثقة النخب وبثقة الدولة أيضا..
وكم هو مؤلم أن نستيقظ اليوم على واقع مر بعد أن انشغل الجميع بالدعم ولا شيء غير الدعم عوض الانشغال بصورة بلد وجد نفسه خلف جزر القمر وخلف موريتانيا وخلف الصومال وخلف الجزائر على مستوى مؤشر حرية الصحافة.



