الخبر من زاوية أخرى

الوطن أكبر من الأشخاص ومن أخطاىهم وخطاياهم..

الوطن أكبر من الأشخاص ومن أخطاىهم وخطاياهم..
مصطفى الفنمصطفى الفن

وأنا أقرأ نص البلاغ الذي أصدرته وزارة العدل حول العفو الملكي الذي شمل أكثر من 1500 شخص بمناسبة عيد الفطر، وجدت أن لائحة العفو تضمنت حتى أسماء “إرهابيين” أجرموا في حق الوطن وأرادوا به شرا وسوءا في سياق مضى..

وكم تأثرت شخصيا بهذه الالتفاتة الإنسانية والنبيلة من طرف أعلى سلطة في البلاد..

لأنه على الرغم من خطورة الجرائم ومن خطورة التهم الثقيلة التي وجهت إلى هذه الفئة من الناس إلا أن الوطن تصرف بمنطق الرحمة وفضل الإدماج والاستيعاب والاحتضان عوض الإقصاء والقسوة والإبعاد..

حصل هذا طبعا بعد أن قام هؤلاء الأشخاص بمراجعات وطووا صفحة ماضيهم الإرهابي وأعلنوا ولاءهم للوطن..

وأنا أقرأ هذا البلاغ، لا بأس أن أشرككم فيما اختلج الفؤاد من هواجس ومن خواطر لها خيط ناظم واحد وهو الحس الوطني وهو الحس الإنساني لا غير..

وأنا لا أعطي هنا دروسا في معنى “الوطنية” أو دروسا في معنى “الإنسانية”، وما ينبغي لي..

ثم إني أصغر من أحشر نفسي في قضايا هي أكبر مني ولها ربما رجالاتها وساداتها وناسها..

أما أنا فمجرد صحافي في زمن لم تعد ربما للصحافة أنياب..

بل لم يعد لها ربما حتى مجلس أو هيبة أو سلطة معنوية..

لكن هذا لا يمنع من طرق كل الأبواب بالكلمة الطيبة وبالقلب السليم..

وكل أملي هو أن تعلو البسمة وجوه أطفال أبرياء ابيضت أعينهم من الحزن وربما جفت من الدمع أيضا..

أقول هذا وأنا أعي جيدا أن “الوطنية” ليست محل مزايدة أو “متاجرة” بين أبناء الوطن الواحد..

والواقع أن “الوطنية” هي أكبر من مجرد أوراق ثبوتية وأكبر من جواز سفر وأكبر من انتماء جغرافي..

“الوطنية” هي ربما “مكتوب رباني” تقذفه السماء في القلب وفي الكيان وفي النفس وفي الروح وفي الوجدان أيضا..

وبهذا الداعي تحديدا، أستأذن العقلاء والحكماء في قول بضع كلمات قد يكون السياق يسمح ربما بقولها الآن..

وهذه الكلمات لا تخرج عن “استعطاف” إنساني وتلقائي وعفوي خاصة ونحن نعيش هذه الأيام المباركة وأجواء فرحة العيد..

أو دعوني أقول أيضا بصيغة أخرى:

إن اللحظة ليست ربما لحظة صرامة لم يعد لها اليوم ما يبررها..

اللحظة اليوم هي لحظة تجاوز..

ولحظة عطف..

ولحظة عفو..

ولحظة رحمة..

ولحظة إنسانية..

ولحظة صفاء..

ولحظة تسامح..

ولحظة لم الشمل..

بل إنها أيضا لحظة سمو تكاد “تعرج” بالأجساد والأرواح معا إلى الملأ الأعلى لتصافح أسرار الغيب..

كما أن هذه اللحظة هي أيضا لحظة “تصوف” تنتصر فيها النفوس الكبيرة إلى المعنى وإلى الوطن..

وهذا هو الأصل في وطن قد يحتاج بين الفينة والأخرى إلى صفح جميل يحمل كل هذه المعاني العميقة والنبيلة أيضا..

والصفح الجميل هو المنتظر وهو المأمول من كبار الوطن ومن عقلاء الوطن في وطن عريق كان دائما “غفورا رحيما” مع كل أبنائه..

وكلنا يتذكر كيف حصل هذا الصفح الجميل حتى في عز اللحظات العصيبة التي كانت فيها الأخطاء والخطايا بحجم الجبال..

وفعلا هكذا عاش الوطن.. وهكذا سيظل.. وهكذا سيبعث حيا..

أتدرون لماذا؟

بكل بساطة لأن الوطن هو الملاذ الأول والأخير في أوقات التيه..

والوطن بهذا المعنى هو أكبر من الأشخاص وأكبر من الأخطاء وأكبر من الخطايا أيضا.