مصطفى الفن يكتب عن “الأعطاب” التي تفتح الباب على المجهول
هل نحن فعلا مقبلون، لا قدر الله، على أيام سوداء وعلى احتقان اجتماعي غير مسبوق بسبب هذا الغلاء الذي اكتسح كل شيء في هذه الأجواء الرمضانية الصعبة؟
سؤال لم تجب عنه الحكومة ولا ناطقها الرسمي الذي كاد أن يقول اليوم في ندوته الصحفية “نعم إننا فشلنا فعلا في مهمة خفض الأسعار”..
الناطق الرسمي باسم الحكومة قال أيضا في الندوة نفسها إنه لا يعرف المضاربين ولا الشناقة المتسببين في هذا الغلاء الذي هلك الحرث والنسل ومعه الزرع والضرع..
ومثل هذا الكلام الذي يصدر عن مسؤول حكومي هو كلام في منتهى الخطورة لأنه يقتل الأمل ويزرع اليأس ويوسع رقعة الإحباط..
ثم إن هذا الكلام يفرض بالتبع طرح سؤال آخر:
إذا كانت الحكومة لا تعرف المضاربين ولا تعرف الشناقة ولا تعرف أسباب الغلاء، فما الجدوى أصلا وفصلا من وجود هذه الحكومات ولا من الانتخابات أيضا؟..
وظني أن الحكومات وجدت لتمارس صلاحياتها ولتبدع الحلول لمشاكل الناس لا لتشكي هي أيضا للمواطنين من غلاء الأسعار..
أقول هذا ولو أن الشناقة والمضاربين يوجدون في كل مكان وربما يوجد بعضهم حتى داخل هذه الحكومة التي من المفترض أن تحارب المضاربة و”تشناقت”..
وفعلا فعندما تصبح عندنا حكومة على شكل “شبح” ولا تهش ولا تنش ولا تعرف سبب الغلاء ولا ماذا تقدم ولا ماذا تؤخر كما لو أنها مكبلة المعصمين وبلا صلاحيات..
وعندما يصبح أيضا عندنا رئيس مجلس المنافسة للبلد مع الظلم ومع الغلاء ومع سحق الفئات الهشة من الناس ومع المنافسة غير الشريفة..
وعندما يصبح عندنا الرجل الرابع في هرم الدولة يتحدث كأي معارض للدولة ويتحدث عن “الصبر اللي كيدبر” وعن “السكين اللي وصلت لعظم”..
يحدث هذا في وقت يكلف المعني بالأمر سنويا ميزانية الدولة 200 مليون سنتيم كمصروف للجيب مع راتب شهري يعادل راتب رئيس حكومة..
دون أن ننسى بالطبع تعويضات أخرى بلا سقف عن المازوط..
وتعويضات عن المبيت في الفنادق الفخمة..
وتعويضات عن الأكل في المطاعم الفخمة..
وتعويضات عن الأسفار.
وتعويضات عن أي تحرك صغير أو كبير زائد سيارة شخصية وسيارة للأبناء كما لو أننا في دولة بيترولية..
وعندما يصبح عندنا “زعماء نقابات” أغنى من الباطرونات وفي صف الحكومة وضد الشعب وضد الفئات المسحوقة وضد المواطنين الذين يكتوون بنار الغلاء..
وعندما تصبح عندنا نخب مختصة في أعطاب المجتمع وفي تشوهات المجتمع عوض التخصص في أعطاب السلطة لأن السلطة نفسها في حاجة إلى من يهدي لها عيوبها وأعطابها..
عندما يصبح عندنا كل هذا وزيادة، فما علينا سوى أن ننتظر المجهول حتى لا أقول شيئا آخر.



