جائحة “كورونا”: تعبئتنا الجماعية.. دروسنا المستخلصة والحاجة إلى ترتيب الأولويات
في غفلة من كل الآليات التي تتوفر عليها المنظومة الصحية العالمية، انطلقت الشرارة الأولى لجائحة (كوفيد 19) في شهر دجنبر 2019 في مدينة ووهان، عاصمة مقاطعة هوبي في وسط الصين التي تداوي جراحها بصبر وثقة، وتقاوم حتى الآن بنجاح.
بعدها تمدد الفيروس في كل جغرافية العالم، ولم يستثن لا دولة غنية ولا دولة فقيرة ولا مواطنا عاديا ولا مسؤولا رفيعا، وفرض على أكثر من نصف سكان العالم الحجر الصحي المنزلي، لأنه حتى الآن لم يتم العثور على لقاح يهزم الوباء.
الغرض من الحجر الصحي، كما تشدد السلطات الصحية الوطنية ومنظمة الصحة العالمية، هو الحد من التمدد الكارثي لتفشي (كورونا)، حيث ثبت أن الإصابة تحدث فقط من خلال الإتصال المباشر بين الناس أو عن طريق لمس شيء ملوث بالفيروس.
* جلالة الملك: حماية صحة المغاربة إختيار إستراتيحي
لحسن الحظ، يعد المغرب من البلدان الأقل تأثراً حتى الآن بالوباء مقارنة بالولايات المتحدة الأمريكية وإيطاليا وإسبانيا وفرنسا والصين وإيران وبريطانيا وبلجيكا… في هذه الدول لا يتوقف العداد عن إحصاء الضحايا والإصابات المؤكدة بالفيروس، ولا نعلم متى يتعب العداد من عملية ترقيم عشرات الآلاف من الموتى؟
لا يسعنا، كمغاربة، إلا أن نثمن عاليا الإستراتيجية الإستثنائية التي اعتمدتها المملكة، بفضل القيادة الحكيمة والحازمة لجلالة الملك محمد السادس، لمحاصرة ومكافحة هذا الفيروس الشرس وغير المرئي.
وعلينا أن نقر بأن جميع أجهزة الدولة والجهات الرسمية، مركزيا وجهويا ومحليا، تؤدي أدوارها المنوطة بها بكل مسؤولية وإخلاص وحس مهني عال… فكل من هم في خط الدفاع الأول عن أمننا الصحي القومي يضحون ليل نهار، وفي مقدمتهم أطقم المنظومة الصحية بشقيها المدني والعسكري، وقوات الأمن الوطني والقوات المسلحة الملكية والوقاية المدنية…
إن كل الإجراءات التي اتخذت تروم، أولاً وقبل كل شيء، التنظيم الفعال لجهود احتواء تفشي (coronavirus)، ورفع مستوى الوعي الجمعي بضرورة الإلتزام بالإجراءات الوقائية والإحترازية.
ومن أجل مواكبة التطور الطارئ للإنفاق الصحي، ولمساعدة كل من يواجهون صعوبات حقيقية من شركات بمختلف أحجامها وموظفين ومستخدمين في القطاع الخاص، تم بتعليمات ملكية إنشاء "الصندوق الخاص بتدبير جائحة فيروس (كورونا)"، وهو الصندوق الذي ساهم فيه الجميع بحس وطني وتضامني رفيع، كل حسب إمكانياته المتاحة، وجمع أموالا إستثنائية فاقت حتى التوقعات الأكثر تفاؤلا.
كذلك، وجب التنويه بالدور المهني الكبير الذي تلعبه وسائل الإعلام السمعية والبصرية العمومية والصحافة الوطنية بمختلف ألوانها وأطيافها، من خلال بث وإذاعة ونشر تقارير وروبرتاجات ومعلومات إخبارية ومعطيات مستمرة على مدار الساعة حول تطور الوباء، مع التركيز على رفع مستوى وعي المجتمع بالتدابير الوقائية.
ورغم بعض السلوكات المدانة والمعزولة هنا في هذه المدينة وهناك في تلك المدينة على مستوى عدم إحترام تدابير الحجر الصحي المنزلي، يمكن القول إن الشعب المغربي أبان عن سلوك مدني رائع جدير بالإحترام وبالإشادة في هذا التوقيت الوبائي الطارئ وغير المسبوق في تاريخ البشرية.
ومن باب الموضوعية، يمكن القول إن جميع القرارات التي أمر جلالة الملك باتخاذها تؤكد، بما لا يدع مجالا للشك، أن جلالته يمسك بحزم ورزانة وتبصر زمام القيادة العليا بهدف وقاية المغاربة والأجانب المقيمين في بلادنا من خطورة هذا الفيروس، واحتواء تداعياته… مقدما بذلك، كما هي دائما خصاله القيادية، نموذجا وطنيا رفيعا للمسؤولية الإجتماعية والحس الوطني الإستثنائي.
فعندما يأمر جلالة الملك أطباء القوات المسلحة الملكية والدرك الملكي بالعمل سوية مع نظرائهم المدنيين في عمليات مكافحة الفيروس، فهو يلح على أنه لا مجال للتهاون في التعامل مع الوباء، هذا مع العلم أن الحجر الصحي المنزلي هو الدواء الوحيد المتاح حالياً في كل دول العالم.
إنها قرارات ملكية تحفز قدراتنا الجماعية على التأقلم الفعال مع مختلف التحديات المطروحة في ظل هذه الأزمة الحادة، وتسلح منظومتنا الطبية العسكرية والمدنية بالإمكانيات الضرورية لمواكبة كافة المستجدات بأنجع الطرق وبأقل الخسائر الممكنة.
وبالتالي، يطمئن جلالة الملك جميع المواطنين والمقيمين الأجانب على أرض المملكة بأن حماية صحة المجتمع هي الإختيار الإستراتيحي الأول عند اتخاذ كافة القرارات ذات الصلة المباشرة بالجهود الوطنية لمكافحة الفيروس.
إن المواجهة الفعالة لهذه الجائحة تتطلب تعبئة مغربية عامة، واستجابة وطنية شاملة، ووعيا كاملا، وتعاونا جادا بين مختلف القطاعات الحكومية والعسكرية والأمنية لهزم تمدد وباء فتاك، والإمتحان الحالي يؤكد قدرتنا على البناء الصلب لهذه التعبئة الوطنية العالية.
الحقائق على الأرض توضح أن ما حل ببعض الدول المتطورة كفرنسا وإيطاليا وإسبانيا وبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية… تفرض علينا، في المغرب، الوقوف المسؤول وراء جلالة الملك في قيادته الرشيدة للجهود الوطنية لمواجهة هذه الجائحة؛ فنحن نشاهد يوميا وعلى مدار الساعة، عبر الشاشة، بأم أعيننا ما يحل ببلدان متقدمة جدا في منظوماتها الصحية… من صور مؤلمة/مبكية ومشاهد محزنة/مرعبة أنتجها هذا الوباء بسبب التراخي والتهاون وعدم إحترام والتقيد بالإجراءات الوقائية.
إن كل القرارات الإستراتيجية المتخذة، حتى الآن، تبرز أن المغرب يخوض معركة واسعة النطاق ضد عدو قاتل، وهي معركة جميع المغاربة. ولذلك، ومن أجل كسب المعركة، ينبغي الإلتزام التام والصارم بتعليمات السلطات الصحية، وأهمها الحجر المنزلي، وتجنب التجمعات وأسباب العدوى… فهي الوقود الذي يذكي نار الوباء وينعشها في مسار التمدد لا قدر الله.
ولذلك، فإن هذه الظرفية الخطيرة تقتضي منا جميعا، وخاصة في أوساط عموم وبسطاء الشعب، أولا عدم الإلتفات إلى خبث بعض "التحاليل المريضة" التي تكتب من وراء البحار، وعدم السقوط في فخ الإشاعات المغرضة والأخبار الزائفة الضارة التي تؤدي إلى إضعاف جهود الدولة وتشويهها، وثانيا الإنخراط في دعم جهود السلطات المعنية باتخاذ كل ما يتطلبه الأمر من تدابير لضمان التطبيق الكامل للإجراءات الصحية لمكافحة الوباء بأقل كلفة بشرية ومادية ممكنة.
في هذه المرحلة الخطيرة من حياة المغرب والعالم، يركز جلالة الملك بخطواته الرشيدة، على احتواء تداعيات الوباء، وإنقاذ الأرواح وشفاء المصابين كأولوية قصوى تتجاوز كل الإنشغالات والإهتمامات… ولا تلغيها ما يستوجب المبادرة إلى إتخاذ كل التدابير لمواجهة التداعيات والآثار الإجتماعية والإقتصادية والتعليمية التي ترتبت على الإجراءات الإستثنائية المتخذة مؤخرا بقصد إيجاد المعالجات اللازمة لكل منها، وتجنب آثارها السلبية لصالح مغرب قوي بأمنه القومي في مختلف أبعاده الإستراتيحية، ومنها البعد الصحي القومي.
* تداعيات سلبية كبيرة على أداء الإقتصاد المغربي
حالياً، من الصعب جدا على وزارة الإقتصاد والمالية تقييم كل التداعيات السلبية لهذا الوباء على الإقتصاد المغربي، لأن لا أحد يعرف متى سينتهي؟ وكيف سينتهي؟ وما هو حجم الخسائر المتوقعة؟ لكن، بالفعل، يمكننا أن نتوقع انخفاضا حادا في الناتج المحلي الإجمالي( PIB) لعام 2020.
في الواقع، فإن العديد من الشركات المتوسطة والصغرى التي تنشط في قطاعات إنتاجية مهمة ذات بعد تصديري، وكثير من المقاولات المتخصصة في مهن الخدمات، هي الآن في حالة توقف: إما بشكل كلي أو بشكل جزئي.
كما أن الموسم الفلاحي لن يجود بالمحاصيل الزراعية المرجوة (الحبوب والقطاني) بسبب قلة التساقطات المطرية، وستعاني احتياطاتنا من العملات الأجنبية (الأورو، الدولار) من جراء الإنخفاض الكبير الذي سيسجل على مستوى كل من الصادرات إلى الأسواق الكبرى وعلى رأسها سوق الإتحاد الأوروبي، وتحويلات المغاربة المقيمين بالخارج، والإستثمارات الأجنبية المباشرة.
صحيح، وباعتراف الجميع، اتخذت "لجنة اليقظة الإقتصادية" تدابير طارئة على درجة عالية من الأهمية لمساعدة الشركات ولا سيما المتوسطة والصغرى، والمستخدمين والعمال الذين يعانون من صعوبات واضحة فرضها الفيروس.
ولكن، يبدو من الضروري العمل، بطريقة عقلانية، على وضع قانون مالي معدل ل(قانون مالية 2020) في أقرب وقت ممكن، مع مراعاة المعايير الجديدة التي يتسبب الوباء في ظهورها بشكل متسارع وغير متوقع.
ولأننا نعيش وقت شدة حارقة وأزمة خانقة في جميع أنحاء العالم، فإن اتخاذ تدابير إضافية قوية يفرض نفسه على السلطات العمومية مثل التقييد المؤقت على مستوى وارداتنا من المنتجات غير الضرورية للدورة الإقتصادية التي يجب حمايتها في الأمدين المتوسط والبعيد.
نعم سيختفي الوباء، ولكن آثاره الكارثية لن تختفي في غضون سنوات قليلة بحسب توقعات كبار الخبراء الدوليين. إنه فيروس أخطر بكثير من حدة الأزمة الإقتصادية العالمية لسنة 1929.
* ضرورة إعادة بناء قطاعي الصحة العمومية والتعليم
في هذا السياق الوطني والعالمي الطارئ بتداعياته الكارثية على الأمدين المتوسط والبعيد، يفترض أن تغير عديد من اللجان الإستشارية التي تعمل تحت إشراف فعلي لجلالة الملك، أسلوب وطريقة اشتغالها بشكل عميق. والمقصود، في هذا الصدد، اللجنة الخاصة المعنية بصياغة "النموذج التنموي المغربي الجديد"، والتي يجب أن تأخذ بعين الإعتبار كل المستجدات والمعايير الجديدة الناتجة عن (coronavirus)، مع إعطاء الأولوية القصوى لإعادة بناء ناجع ومستدام لقطاعي الصحة العمومية والتعليم لصالح كل الفئات المجتمعية، ودمج القطاع غير المهيكل في الدورة الإقتصادية المنظمة، والحد من التفاوتات الإجتماعية والمجالية الصارخة وما أكثرها.
من المحقق أن هذه الأزمة الوبائية ستعيد، لا محالة، ترتيب الأولويات الحيوية وفق منطق حماية الأمن الصحي القومي
للمملكة، وهو الترتيب الذي سيطال كل الدول التي تحترم الحق المشروع لشعوبها في العيش الكريم والرعاية الإجتماعية والصحية اللائقة بكل ما تحمله كلمة "رعاية" من معنى إستراتيجي.
كل التحاليل العلمية الرصينة تذهب في خلاصاتها إلى نتيجة واحدة: جائحة (كوفيد 19) ستفرض على الولايات المتحدة الأمريكية والإتحاد الأوروبي وكبريات الدول كروسيا والصين وباقي دول العالم، الخضوع لتغييرات حاسمة ومؤلمة على مدى العقود الثلاثة المقبلة على الأقل.
نعم، ستكون التحولات مؤلمة جداً. لقد سلطت جائحة (كورونا) الأضواء على الآثار الكارثية لمنظومة العولمة. وكمثال على هذه التداعيات، يمكننا أن نذكر النقص الكارثي في الأقنعة الوقائية التي جعل إنتاجها غير الكافي في فرنسا وفي الولايات المتحدة الأمريكية من الضروري إستيراد كميات كبيرة منها من الصين ومن كوريا الجنوبية.
ومن المؤكد أن الضعف الهائل المسجل على مستوى إنتاج الأقنعة في الدول الغربية التي تقود العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وهو مثال فقط وسط بحر من عيوب العولمة، سيدفع بالدول إلى تغيير فهمها الإستراتيجي لما يجب أن تكون عليه آلتها الصناعية وحجمها كما وكيفا، بحيث ستعتمد بشكل أقل على التبعية الخارجية في كل ما له علاقة مباشرة بالأمن الصحي القومي للبلاد والعباد.
وسيتبع ذلك، تلقائيا، ارتفاع تدريجي في منسوب القواعد الحمائية مع حركة أقل سهولة للبضائع والأشخاص وخاصة في فضاء "شنغن" الأوروبي الذي يعاني الأمرين منذ بدء تفشي الوباء.
حاليا، بات واضحا أن القيادة العالمية تختبر سباقا محموما بين الولايات المتحدة والصين وروسيا، في حين أن الإتحاد الأوروبي، إذا لم يسع جديا إلى توطيد وحدته في خضم هذه الأزمة الوبائية، فهو مهدد بمواجهة خطر التفكك كما تهدد بذلك إيطاليا وصربيا، وهما بلدان نددا صراحة بتخلي صناع القرار في بروكسيل، عاصمة القرار الأوروبي، عن دعمهما في التصدي لمحنة "كورونا".
في المحصلة: سلط الفيروس، في المغرب كما في جل بلدان المعمور، الضوء على الدور الحيوي للدولة في الحماية الإجتماعية لمواطنيها وخاصة في أوساط الفئات الأكثر فقرا وهشاشة.
ومن هنا، تبرز الحاجة الملحة إلى العودة إلى "الدولة الراعية والضامنة" للحقوق الأساسية كالتأمين الصحي الشامل والتقاعد المريح للجميع بدون إستثناء. وبالتالي، سيكون مفروضا على مهندسي السياسات العمومية في بلادنا إستخلاص الدروس الضرورية في أبعادها الوطنية والجهوية والعالمية، بما يعطي الأولوية لكل ما هو إجتماعي حتى ولو تكون في بعض الأحيان على حساب السياسات الإقتصادية.
* صحافي وباحث في العلاقات الدولية




