حزب الاستقلال والريف.. التخريف في البكاء على الأرشيف
أعلن حزب الاستقلال عن تشكيل لجنة لجمع المعطيات التاريخية حول أحداث الريف عامي 1958 ـ 1959. بعضهم وصف تلك الخطوة بالجريئة. لو اكتفى الحزب بتلك التصريحات في الحسيمة والناظور لكان أفضل، بدل الدخول في قضية لن تكون نتيجتها سوى المزايدة السياسية.
هناك قضية أكبر حصلت قبل تلك الأحداث بعامين. إنها مذبحة سوق أربعاء الغرب عام 1956 التي كان طرفاها حزب الاستقلال وحزب الشورى والاستقلال(روايتي "زمن الخوف" الصادرة عام 2015 و2016 في طبعتين تطرقت إلى هذه الحادثة في أول عمل روائي مغربي).
إذا كان الحزب يريد فعلا ـ لوجه الله تعالى ـ فتح صفحات الماضي فليكن ذلك من البداية.
جمع حزب الاستقلال للمعطيات التاريخية حول أحداث الريف مثل جمع الاتحاد الاشتراكي المعطيات حول اغتيال المهدي بن بركة.
الميزان هو شعار الحزب، لكن الميزان سيكون بكفة واحدة. كفة واحدة لن تزن شيئا.
لقد مضت 52 سنة على أحداث سوق أربعاء الغرب، و50 سنة على أحداث الريف.
اليوم هناك جيل جديد يتراوح عمره ما بين 20 و 36 سنة، ولدوا بعد تلك المرحلة بأكثر من عشرين عاما، لديهم مطالب واحتياجات وأسئلة يريدون الإجابة عنها ولا يريد النبش في ماضي الأجداد. هناك جيل يريد التوجه إلى المستقبل، يريد مقعدا تحت الشمس، ولا يريد إضاعة زمن آخر قد يطول في تشخيص الأوضاع وتحديد المسؤوليات.
المسؤوليات متقاسمة بين الجميع، كل من كان يعيش ويتنفس ويأكل الخبز في تلك المرحلة مسؤول، أينما وجد.
لذلك الأفضل نسيان الماضي والاستفادة منه بدل إخراج الصور والبصق على الوجوه التي ماتت. ثم إن المغرب أطلق مبادرة الإنصاف والمصالحة وطوى حقبة الماضي.
وحزب الاستقلال يعرف هذا، أو على الأقل الحكماء فيه.
لذلك البكاء على الماضي، والتباكي على إيكس ليبان، ورثاء الريف وسوق الأربعاء والشوريين لن يفيد أبدا. هذا سيحيي الأوجاع من جديد.
نعم، مبادرة حزب الاستقلال جيدة وتستحق التنويه ولكن سيكون الحزب حزبا حقيقيا وجريئا لو أخرج الوثائق التي يتوفر عليها والشهادات وقدمها إلى الباحثين والمؤرخين، ونأى بنفسه عن الخوض مباشرة في الموضوع، لأن حزبا سياسيا في قضية سياسية لا يمكن إلا أن يكون ذا أهداف سياسية.
يمكن لحزب الاستقلال أن يتموقع بطريقة نبيلة ووطنية بدون أرشيفات. في المغرب ما يكفي من المشكلات، وفي عيون الجيل الجديد من المغاربة من الأحزان ما يكفي للتعامل مع الحاضر ورفع الغمة.
الهمة في رفع الغمة، والتخريف في البكاء على الأرشيف.




