الخبر من زاوية أخرى

احتفاء ونداء.. إلى متى سيظل شبح الإصلاح جاثما يقض منا المضاجع؟

Avatarحسن بنعدي


   عندما طلب مني بعض الأصدقاء المساهمة في تكريم الأستاذ محمد الحلوي من خلال المشاركة في إصدار بالمناسبة، يشرف عليه مركز  المقاوم محمد بنسعيد أيت إيدر، تحمست تلقائيا للمشروع، لما أكنه للأستاذ محمد الحلوي أول رئيس للإتحاد الوطني لطلبة المغرب تعرفت عليه  وأنا طالب بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط في مستهل الستينات، تحمست تلقائيا ثم فكرت بعد الحماس، في ما يمكن به أن تكون مساهمتي المتواضعة مضيفة لشيء يخرج عن المعتاد في هذه المناسبات   

عادة ما نتحدث عن المحتفى به وعن مناقبه، وكثيرا ما يمزج المتحدثون الكلام عن المعني بالأمر بالكلام عن ذواتهم، ويمتزج الثناء بالاعتزاز والتذكر بالحنين. ولعل إحدى طرق الخروج عن المعتاد، وليست الوحيدة بالطبع، تمر عبر تجاوز الشخصنة ومحاولة تناول المشترك، في تجربة يجسد الأستاذ محمد الحلوي أحد رموزها الذين لزموا الصمت بعد ذلك عندما طغى اللغو، وعادوا بهدوء خطوة إلى الخلف بعد أن جن جنون المتهافتين 

   ينتمي الأستاذ محمد الحلوي إلى جيل النضال من أجل بناء المغرب المستقل بعطاءاته النيرة، وكذلك بما شاب تجربة ذلك الجيل أحيانا من التردي والتردد وما نالها من الانكسارات والإحباط والانحراف احيانا.

 اعتقد أن قراءة نقدية لتجربة هذا الجيل الذي أسميه جيل المخضرمين، الذين تربوا وهم يافعين بالكاد في أحضان الحركة الوطنية، وفي أحضان ما تفرع عنها من تنظيمات حزبية ونقابية. أعتقد أن تلك القراءة النقدية هي السبيل الوحيد المتاح، لحفظ التراكم الايجابي في ظل ما يكتنف أوضاعنا الراهنة من علامات التخبط والشك وانسداد الآفاق، أقول حفظ التراكم الايجابي مثلما يحتفظ تحت الرماد بجميرات تنفع في إحياء جدوات لاحقة. ذلك الجيل الذي أسس الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، ليضيف فيلقا منظما للحركة التقدمية داخل صفوف  الحركة الوطنية، والذي رفع شعارات المناداة لإعطاء الاستقلال الوطني والدولة الوطنية المتجددة توجها تحرريا حقيقيا، لا على مستوى بناء  المؤسسات وتنظيم السلط، وإنما أيضا على مستوى الاختيارات الكبرى المطلوب آنذاك أن  تأطر السياسات  العمومية على كل الواجهات  لتكون فعلا في صالح  الجماهير الشعبية، تلك الجماهير التي تعبأت بثقة وإيمان من أجل استقلال البلاد وإعادة الملك الشرعي  إلى العرش.   

  لا يتسع المجال للتفصيل  في كل الملابسات التي أفضت في نهاية المطاف إلى سلسلة من التصدعات التي حولت انتصارات الاستقلال إلى مسلسل من الانكسارات والفجوات المتلاحقة، امتدت تقريبا لما يزيد على عقد من الزمن من نهاية الخمسينات إلى مطلع السبعينات، كانت مرحلة التصدع والاصطدام، أو ما سماه تقرير الخمسينية، بتعبير فيه كثير من المجاز البلاغي، مرحلة التنازع حول السلطة، وسماه آخرون سنوات الرصاص؛ نعم لا يتسع المجال هنا للتفصيل في تقلبات و ملابسات تلك السنوات، الأهم هو التأكيد على ما آل إليه التنازع المقصود  في نهاية المطاف. لقد آلت تلك المعارك إلى إنهاك المعسكرين معا وفي الختام إلى إنهاك المغرب      

  ولعل التاريخ سيذكر للملك الراحل الحسن الثاني كيف، أفلح في اقتحام العقبة من جديد، انطلاقا من بداية السبعينات، أي بعد انهيار النظام القمعي في محاولتين انقلابيتين داميتين فاشلتين، لقد دشن بعد ذلك مرحلة جديدة للتصالح، انتهت مع ما تخللها  من تردد ومناورات وتلكآت، إلى تأسيس المصالحة وتدشين مرحلة الانتقال الديمقراطي الحقيقي، وذلك بتأسيس حكومة التناوب التوافقي.                                                           لقد وقف عبد الكبير الخطيبي، في إحدى دراساته خصصها لتجربة حكومة اليوسفي، عند الصورة التي جمعت فريق الحكومة الجديدة بالملك الحسن الثاني وهو يتوسط أعضاءها،  يلاحظ الخطيبي كيف أن الصورة تعبير قوي على لحظة تاريخية تختزل في الحقيقة ما عرفه مغرب الاستقلال من مخاض عسير، لتلمس طريقه نحو الإصلاح.                    

كانت الصورة تضم وجوها من جيل محمد الحلوي وحتى من بعض من يصغرونه بقليل، إلى جانب رجال المعسكر المقابل. كانت الصورة تجسد بالفعل ما عبر عنه عبد الله العروي في كتابه "المغرب والحسن الثاني" ، كيف أن الملك عندما شاءت الظروف أن يتخلص من جبة رئيس لفئة في مواجهة فئة أخرى، أصبح بالفعل ملكا لكل المغاربة.

 أقول طريق الإصلاح لأنني أعتقد بأن الكلمة بالنسبة للمغرب الحديث تكاد تتجاوز حدود المفهوم اللفظي لتصبح كائنا شبه أسطوري يقظ مضجع المغرب وملوكه ونخبه، منذ منتصف القرن التاسع عشر إلى اليوم.       

  الإصلاح بالنسبة للمغرب هو ذاك الشبح الذي يِؤرق الوعي الوطني المغربي منذ عهد السلطان عبد الرحمان بن هشام إلى اليوم، ونحن نعيش العهد الجديد مع سليل أسرته محمد السادس.                  

  طرح سؤال الإصلاح على ملوك ونخب المغرب منذ سنة 1848 بعد هزيمة الجيش المغربي في إيسلي، أي بعد الاصطدام العسكري مع الاستعمار الأوربي، الفرنسي ثم الاسباني شرقا وشمالا، وبعد ذلك حاول السلاطين المغاربة أن يواجهوا ضرورات التغيير الكبير، الذي كان يفرضه هول وحجم تلك الصدمة، وفشلت كل محاولات الجواب رغم جهد واجتهاد الحسن الأول ورغم محاولات أسلافه.                              

ثم طرح السؤال من جديد على النخبة المغربية عندما أخفقت المقاومة الشعبية في صد الهجوم الاستعماري المباشر فوق التراب الوطني، فانطلقت الحركة الوطنية في مطلع الثلاثينات من القرن الماضي ليكتب لمطالبها النجاح جزئيا، في خضم التحولات الجيوستراتيجية التي شهدها عالم ما بعد الحرب الكبرى الثانية، و تحقق الاستقلال ولكن ظل سؤال الإصلاح مطروحا، يؤثث فكريا وشعاراتيا فضاءات التنازع المتنوعة وتجاوز المغرب كما أسلفنا فترة التنازع المباشر بين النخبة، ودشن عهد جديد عهد التوافق والتناوب نهاية القرن الماضي على يد الملك الحسن الثاني، وطرح سؤال الإصلاح من جديد، ملحا رنانا مدويا، بعد انتقال الملك بسلاسة غير مسبوقة من الحسن الثاني إلى محمد السادس، تبنت الدولة صراحة خطاب الإصلاح بإصرار وحماس على لسان الملك الجديد الذي أراده  فعليا ومتعدد الأبعاد، وفتح لذلك قنوات وفضاءات مختلفة كي تساهم الطاقات المعطلة بالأمس في الأوراش الكبرى مؤسساتيا واجتماعيا وثقافيا واقتصاديا

    وبعد مرور عقدين من الزمن تقريبا على تسلم محمد السادس زمام قيادة المغرب، وعند الرجوع إلى بعض خطب الملك الأخيرة، نجد أن السؤال نفسه، سؤال الإصلاح ما يزال يؤرق وعي المغاربة ويقظ مضاجعهم؛  يترتب عن هذا حتما ضرورة طرح بعض الأسئلة، نحتفظ هنا فقط بالبعض منها، تلك التي تعني مباشرة ذلك الجيل الذي أرادت هذه المساهمة الاحتفاء به  من خلال الاحتفاء بالأستاذ محمد الحلوي؛  فبالنظر إلى الشبح، شبح الإصلاح ،هذه الكلمة  استعملها هنا استعارة عن ما جاء به  الفيلسوف الفرنسي  جاك دريدا في إحدى دراساته حول المفكر كارل ماركس، لما تحدث في كتاب عنونه "بشبح ماركس"، عن المقصود بالفعل وهو ذلك الشبح الذي كان يؤرق مضجع النظام الرأسمالي في نهاية القرن التاسع عشر، إذ يستشهد دريدا بأن أول كلمة افتتح بها انجلس وماركس البيان المشهور، البيان الشيوعي، هي كلمة الشبح ويحيل هنا إلى رواية لشكسبير، لا  يتسع المجال للتفصيل في مبررات المقارنة، الشبح هنا بالمفهوم الموضوعي أي ذلك الحاضر الغائب، سؤال يؤرق المضاجع و يكاد يستعاض عنه برتابة الممارسات اليومية، لكنه يعاود الرجوع بقوة ليقظ المضجع.

   كيف كان  تعامل هذا الجيل، سواء في محطة التنازع أو في محطة التوافق، كيف تعامل هذا الجيل مع تحديات الشبح؟ يطرح أولا سؤال الوضوح النظري أو التفصيل في الرؤية التي هيمنت على المحطات المختلفة،  كيف ترجم جيل الستينات فهمه لضرورات الإصلاح عندما رفع شعارات التغيير الجذري أو الديمقراطية الحقة، أو الثورة الشعبية أو تغيير طبيعة النظام؟ ثم بعد ذلك كيف برر حتمية الانتقال من الاختيار الثوري إلى الاختيار الديمقراطي؟ أو لم يكن الحماس الجارف والخطاب الملتهب، بالإضافة طبعا إلى السياق الخارجي المؤثر، ينم في الحقيقة عن ضبابية  قائمة على مستوى القدرة على التحليل الدقيق والصبر على تحمل مشقاته المضنية، بعيدا من الاقتباس الرخيص والاستنباط السهل، والانفعال الطيع للمؤثرات الواردة؟  ثم بعد توفر فرص التناوب التوافقي  وتأتي الشروط المشاركة الفعلية في ممارسة المسؤولية، ألا يمكن التساؤل على مدى عمق التصورات وقوة الالتزام والقدرة على الانجاز والتحلي بنكران الذات  والتخلص من شياطين التنافر والتشرذم الهجين، وحتى القدرة على الترفع على مغريات وملذات ونشوات الجاه؟ الم تتبعثر أوراق النحن في حسابات الأنا التافهة؟ وخاصة عند انطلاق المحطة الثانية بعد أن عبد مسلسل الإنصاف والمصالحة طريق الانخراط بالنسبة للعديد من الوجوه والفعاليات التي دفعت بالأمس ثمنا باهظا في خضم ملابسات التنازع،   فماذا كانت الحصيلة عندما أتيحت الفرص؟ ألم تطغى هنا أيضا حسابات الذات وهواجس الأنا على متطلبات الانخراط الجماعي في مواجهات تحديات الشبح؟ ألم يكن مؤلما رصد مشهد الانشقاقات والتناحر والتنافي والتلاغي، الذي ظهرت به الفعاليات الحزبية والنقابية المنحدرة في أغلبيتها من ذلك الجيل؛ وحتى الحقوقية والثقافية أحيانا أعطت نفس المشهد المؤلم. هذا في الوقت الذي  اشرعت فيه أبواب التسلق والانخراط السهل! ألم يكن ذلك ناتجا عن غياب أية قراءة نقدية جادة لمنطلقات التجربة وللممارسات التي حكمتها في مهدها؟ بدون نقد ذاتي علمي صريح ،ألا تتحول المراجعات إلى تدليس ويتحول التنازل الضروري في بعض الأحيان إلى ردة؟  تلك الردة القاتلة التي تجعل كل واحد منا يحمل في الداخل ضده كما يقول الشاعر مظفر النواب. وإلا كيف نفهم شكوك اليوم وضعف المردود واستفحال المعضلات المختلفة وتفاقم الاختلالات، في الوقت الذي تقف فيه  كل الفصائل تقريبا مجمعة على كل شيء، على مستوى الخطاب والشعارات وإعلانات النوايا

   وبعد الربيع العربي وبعد تجديد الدستور الذي كان لبعض رموز الجيل المحتفى به الباع الطويل في صياغة فصوله، لماذا يقف المغرب دائما ويطول وقوفه في مفترق الطرق؟ يجمع الكثير من الملاحظين أن للمغرب اليوم فرصا تاريخية لم تتح له من ذي قبل، وذلك بالنظر إلى معطيات ومؤهلات ذاتية وموضوعية، وبالنظر أيضا إلى شروط التحولات الجيوستراتيجية من حوله. ويتفق الكل على أن الفرص السانحة لا تظل قائمة دائما وأبدا،  وأن عدم الانخراط فيما يتطلب اقتناصها من سياسات ومبادرات حازمة وجدية ومثابرة، يجعلها تضيع إلى الأبد، ليبقى الشبح مهيمنا جاثما على وعينا المنهك.

   إن كان من فائدة في مثل هذه المناسبات فهي فائدة المكاشفة، أو على الأقل الهم بها، بين أبناء جيل تقع على عاتقهم مسؤولية جسيمة في نظري المتواضع، أن يحافظوا بكل ما يبقي لهم من قدرة على تلك الجميرات التي يمكنها إشعال  الجدوات اللاحقة.

     من هذا الجيل المفصلي، وهذا ليس احتفاء بل نداء، يمكن أن تنبري عناصر تشكيل تلك الصفوة، ذلك الفصيل المتقدم من النخبة، القادر على أخذ النخبة المغربية نفسها كمجال للدراسة والتحليل قصد بناء الشروط الصحيحة لتأهيلها، كي تصبح في نهاية المطاف قادرة على تحمل مسؤولياتها في تأطير الشعب وتربيته وتعبئته وتحرير طاقاته وذكائه الجماعي، ليستطيع المغرب مواجهة تحديات شبح الإصلاح وينخرط في التاريخ مجددا ويصبح فاعلا مؤثرا في مصيره لا مجرد موضوع للتاريخ .

 

* أمين عام سابق لحزب الإصالة والمعاصرة