الكنبوري: المغاربة الذين يدعمون أردوغان يحلمون بالأمة مثل الجهاديين
فاز الرئيس التركي أردوغان بأغلبية مريحة في الانتخابات الرئاسية التي أجريت أمس وتأكدت النتائج النهائية اليوم (حوالي 53 في المائة من الأصوات). ومنذ أمس دخلت تركيا مرحلة جديدة هي مرحلة الحكم الشمولي، إذ سيحكم أردوغان باعتباره رئيس الحزب الحاكم ورئيس الدولة.
تدوينتي السابقة أمس تعليقا على الانتخابات أثارت الكثير من الانتقادات، كثير منها يهاجمني. لكن وراء تلك الانتقادات مشاعر تستحق الإبراز لأهميتها في التحليل. التعاطف الكبير مع تركيا يفسره الفراغ السياسي وغياب النماذج الحقيقية في المجتمع وفي الحياة السياسية. لذلك فإن هؤلاء يعتبرون أن أردوغان يمثل نموذجا إسلاميا ـ عربيا ليس له قرين.
في اللاشعور الباطني لهؤلاء المنتقدين يرقد ماضي الخلافة العثمانية وصورة الأمة والرغبة في تحقيق الوحدة الإسلامية في مواجهة التحديات الكبرى، وعلى رأسها التخلف والاستعمار الناعم.
لا يوجد فرق كبير بين شباب يؤيد النظام التركي لهذه الأسباب وشباب آخرين يؤيدون الحركات الجهادية، الجميع لديه حلم، تختلف أشكال التعبير عن هذا الحلم فقط، فدائما نفس اللاشعور الباطني يشتغل.
ولذلك فإن الذين يحاربون فكرة الأمة في وجدان الناس مخطؤون. فالحقيقة هي أن الآخرين يتعاملون مع المسلمين على أساس أنهم أمة، بينما هم يتعاملون مع الآخرين على أساس أنهم دول منفصلة، وبين هذه الفجوة تمر أحلام الناس من طنجة إلى جاكرتا.
القضية الأخرى أن هناك ميلا باطنيا إلى قبول الاستبداد السياسي إذا كان مصحوبا بتحقيق التقدم والنهضة والكفاح ضد الغرب. كثيرون من المنتقدين الذين ردوا على تدوينتي قالوها صراحة: مرحبا بالاستبداد السياسي إذا كان يحقق النجاح الذي حققه حزب العدالة والتنمية في تركيا.
هذا ليس عيبا وليس مخالفا لطبيعة الأشياء في العالم العربي. فنحن حتى الآن نحكي عن تجربة محمد علي في مصر ونعتبره أول من أنجز التقدم والنهضة والدولة الوطنية الحديثة، مع أن محمد علي كان مستبدا غاشما وأول من أنشأ ما يسمى بالدولة العسكرتارية اليوم. وخلال الربيع العربي خرج الآلاف في مصر حاملين صور جمال عبد الناصر الذي ألصقوا به لقب الزعيم الخالد.
ولكن عبد الناصر كان مستبدا وكان نموذجا عربيا لأردوغان التركي: الكفاح ضد الغرب وبناء السد العالي وقتل الإسلاميين والشيوعيين والاشتراكيين. الآن إذا تحدث أحد عن عبد الناصر يذكر السد العالي، لكنه لا يذكر السجون التي مات فيها الناس.
وليس غريبا أن يكون بين هؤلاء المؤيدين لحزب العدالة والتنمية التركي إسلاميين، لأن هؤلاء يفكرون باطنيا في صورة المستبد العادل الذي يحقق العدل بين الناس ويوفر لهم الطعام واللباس لكنه يقودهم بالكرباج.
لذلك عندما يوضع الناس أمام خيارات صعبة لن يختاروا الديمقراطية التي هي أن توفر للناس الطعام والكساء وفي الوقت نفسه "تعطيهم" حرية الكلام والنقد. تحقيق هذه المعادلة صعب في العالم العربي حيث لا يوفر للناس الطعام والكساء ولا حرية الكلام والنقد، ولذلك من الطبيعي أن يصفقوا لنموذج آخر يوفر على الأقل الطعام والكساء ويقدم لهم حلما قوميا هم في أمس الحاجة إليه.
بالنسبة للمغاربة مثلا هناك النموذج الإسباني، وهو نموذج أوروبي حقق معادلة التنمية مع الحرية والديمقراطية، ولكن هؤلاء لا يصفقون لهذا النموذج القريب جدا منا ويصفقون للنموذج التركي البعيد عنا في آسيا، والسبب هو أن النموذج التركي يمثل نموذجا للأمة وهو ما لا تمثله إسبانيا.
هذا التوجه اللاشعوري نحو الكفر بالديمقراطية مقابل تحقيق الرفاه يعززه أن "الديمقراطية" في العالم العربي لديها سمعة سيئة جدا عند الناس.
الديمقراطية تعني كثرة الأحزاب وكثرة الأحزاب تعني تعدد المصالح الحزبية والتداول على السلطة لا يعني تغيير قواعد السياسة والاقتصاد بل شرعنة هذه القواعد، لذلك من حق الناس أن ينفروا من ديمقراطية يسمعون عنها كل يوم ويرون نخبا فاسدة تهمها مصالحها فقط.




