الخبر من زاوية أخرى

أية سياسة لدعم قدرات الشباب في مغرب اليوم والغد؟

Avatarلحسن حداد


السياسة الاجتماعية للمغرب هي في غالبيتها متشرذمة وغير مركزة وتتميز بتعدد المتدخلين وتضارب المقاربات والآراء وغياب التتبع وعدم تحديد المسؤوليات. وكما رأينا ذلك في مناسبات سابقة، فالمقاربة الاجتماعية لم تركز على دعم القدرات والكفايات ولكن على مقاربة إحسانية وخيرية محدودة الأثر على المدى البعيد. لهذا غابت عن المقاربة الاجتماعية  النجاعة والفعالية؛ ولهذا تم إنفاق الملايير على مر السنوات دون التغلب على الفقر والهشاشة. التقارير الدولية الأخيرة حول الموصوع تؤكد ذلك. 
 
المعضلة المجتمعية التي تشكل تحديا بنيويا يجب تخطيه هو انسداد الآفاق أمام شبابنا. الإشكالية معقدة وتستوجب عملا مضنيا وطويل النفس. هذا ليس قدر ولكن نتيجة قصر نظر تدبيري وتراكم تجارب فاشلة لم نستفد منها وغياب رؤيا واضحة. لم نتوقف يوما ونقول ماذا نريد؟ أي جيل ناشيء نريد؟ لم نسأل الشباب أنفسهم ماذا يريدون. لو فعلنا لوجدنا أن الكل يريد "شبابا متعلما، له من القدرات والكفايات والقيم ما يؤهله أن يكون نشيطا اقتصاديا، عبر عمله أو مقاولته أو انخراطه الاجتماعي والثقافي، ومساهما في قضايا محيطه القريب والبعيد عبر أفكاره وأعماله ومعرفته ونتائج تجنده من أجل نفسه وذويه وبيئته الاجتماعية والاقتصادية." العديد من شبابنا لهم هذا الإحساس بأنهم بؤسسون يوما بعد يوم لكي  يصلوا يوما ما إلى هذا الهدف الأسمى. ولكن الكثير منهم كذلك يحس بالإحباط والفشل والتهميش والفقر…
 
أي سياسة يجب وضعها لتجاوز أزمة الشباب في المغرب؟ هناك نوعان من التدخل: أولا، سياسة إدماجية ناجعة للشباب المهدد. ثانيا، سياسة لدعم كفايات وقدرات الشباب من جهة و خلق البيئة الاقتصادية والاجتماعية المناسبة لاستعمال هذه الكفاءات من جهة أخرى. الكثير من شبابنا مهدد بآفات العنف والتشرد والمخدرات والإجرام والتطرف. الفقر والحرمان وتفكك البنية الأسرية وتراجع دور العائلة والمدرسة في التكوين والتأطير يولد ثقافة رفض المجتمع، قيمه وقواعده وقوانينه من طرف شريحة عريضة من الشباب تجد ضالتها في عالم فانطازي هامشي مبني على "قيم جديدة" قوامها التلاحم والتعاضد في ثقافة مجموعات هامشية أو ثائرة أو ساخطة تعيش على العنف والاغتصاب والسرقة والسكر وتخدير العقل…
 
هذه المجموعات تبقى بعيدة وغير مهتمة ولا تعترف بجدوى المقاربات التي تعتمد التحسيس والتكوين  ورفع القدرات أساسا لها. إنها مجموعات تعيش على الهامش القيمي والمفاهيمي والشعوري للمجتمع ككل. ولهذا فهي تحتاج لمقاربات من نوع جديد. أبانت التجارب الدولية على أن إدماج المهمش يتطلب مقاربات مبنية على دعم قدرات وكفايات الحياة من صمود في وجه الصدمات الاجتماعية، القدرة على التحليل وحل المشاكل، الصبر، وضع الأهداف والعمل على تحقيقها، فض النزاعات بطريقة سلمية، احترام الرأي الآخر وغيرها. منظمة "مايندليبس" اشتغلت على هذه القدرات مع الشباب الذين عايشوا الإبادة الجماعية للتوتسي في رواندا أو عمليات التطهير العرقي في البوسنة والهرسك وحاولت تلقينها بنجاح باهر عبر الرقص. وهي الآن بصدد تعميم المقاربة في غينيا وموريطانيا وأوغندا. المؤسسة العالمية للشباب قامت بنفس الشيء ولكن عبر الرياضة في أمريكا الوسطى ودول إفريقية كالموزامبيق وكينيا وغيرها. الكفايات الحياتية أساسية لخلق التمكين والقوة النفسية والقدرة على الصمود عند شبابنا وهي التي ستعطيه الرغبة في الاندماج  والمرور إلى كفايات تمكنه من التشغيل والانخراط في المجتمع.  
 
حتى على مستوى دعم الشباب الغير مهدد اجتماعيا ونفسيا فإن الجانب النقدي والتواصلي والنفسي للكفايات الحياتية أساسي لصقل المهارات وتهيئة كفايات التقاول كتسطير الأهداف، والبحث عن المعلومة، والريادة، والمغامرة المدروسة، والإقناع، والإصرار، والتشبت بالالتزامات وغيرها. وهذه مهارات يجب تعليمها منذ البداية في المدرسة والبيت ووسائل الإعلام وعلى مستوى الثقافة العامة. علينا أن ننشيء ما يسميه ماكلالاند المجتمع القادر على الإنجاز. المجتمع المقاول أساسي لنهضة الأمم ولكن وجوده يتطلب ثورة ذهنية وثقافية عارمة تتمثل في تغيير المناهج وفلسفة التربية السائدة والنظرة المجتمعية لللمقاولة والتقاول والمغامرة 
ودعم تجدر قيم التنافس والخلق والإبداع والمبادرة الفردية والجماعية. 
 
لا سياسة شبابية بدون تشغيل. نعم الشباب المؤهل والقادر والمغامر (بالمعنى الإيجابي للمغامرة) سيساهم في تنشيط الدورة الاقتصادية ودعم الطلب على الشغل. لكن لا يمكن لأي سياسة شبابية مهما كانت ذكية ومتطورة أن تكون ناجعة وفعالة بدون سياسة إرادية طويلة الأمد لتمكين وتشغيل الشباب. وهذا يقتضي دعم وتنويع العرض والعمل على الاستثمار في القطاعات المشغلة. 
 
هناك بلدان وضعت منحا للبحث عن عمل، وتعويضات عن فقدان الشغل، وإطار قانوني للتشغيل المؤقت والغير القار، وميكانيزمات لتسهيل التحول من التكوين إلى الشغل، ووضع مصالح داخل المدارس والجامعات ومراكز التكوين لدعم تطوير المشوار المهني لدى المتخرجين، والتركيز على مكامن القوة (لا مكامن الضعف لدى الشباب)، ودعم كفايات وقدرات المكونين خصوصا فيما يتعلق بسوق الشغل، وإشراك الشباب في القرارات الخاصة بهم، وخلق تحالف محلي مكون من القطاع الخاص والمنتخبين والمجتمع المدني والسلطة المحلية والشباب والآباء من أجل دعم الشغل والتشغيل، وغيرها. كل هذه أفكار جيدة وعلى الكل أن يبدع من أجل خلق مبادرات متعددة ومتنوعة وناجعة لإدماج الشباب في سوق الشغل. 
 
الاستثمار يجب أن يكون كذلك مركزا على قطاعات مشغلة. الصناعة في الوقت الحالي تتجه نحو استعمال متزايد للربوتات ووسائل الذكاء الاصطناعي وهي وإن كانت في حد ذاتها قطاع خالق للقيمة المضافة ولقيمة تصديرية ضرورية للتوازنات التجارية وتوازنات الأداءات، فهي لن تفيد كثيرا في خلق مناصب للشغل. مناصب الشغل التي تخلقها الفلاحة هي في مجملها قروية والكثير منها موسمي وغير قار. هذا لا يعني أنه لا يجب الاستمرار في دعم تطور الفلاحة والرفع من إنتاجيتها. على العكس من ذلك. ولكن من أجل خلق اقتصاد مشغل وجب التفكير في قطاعات أخرى تحتاج إلى اليد العاملة المتعلمة والمكونة.  والتجربة على المستوى الدولي أثبتت أن الخدمات، والتكنولوجيا، والتجارة الإلكترونية، والصناعة الفنية، وصناعة الترفيه، والتقاول الخاص والاجتماعي ، والفن والغناء، والسياحة، والنقل، والطاقات المتجددة، والاقتصاد الأخضر، والتدوير، والصناعة الرياضية، والبناء، والمطعمة، والانتاج الفكري والأدبي ذي الاستعمال التجاري، والخدمات المالية والقانونية والمحاسباتية والإصلاحات المنزلية كلها قطاعات تشغل بشكل كبير. على الحكومات أن تدعم تطوير هذه القطاعات عبر تسهيلات جبائية وتمويلية ودعم الحصول على عقار ودعم الولوج إلى الاسواق…
هذه القطاعات سوف لن تصل إلى استعمال الربوتات إلا على المستوى المتوسط والبعيد. في انتظار ذلك فهي ملاذ الكثير من الدول فيما يخص سياساتها التشغيلية. 
 
انتفاخ شريحة الشباب (كما كانت المنظمات الدولية تسميه) هي ما أدى إلى انفجار ثورات الربيع العربي. والدول التي تعتمد سياسة ناجعة وناجحة في هذا المجال هي دول لا تتجنب انفجارات اجتماعية عنيفة روادها شباب فحسب ولكنها تستعمل أقوى وأنشط شريحة اجتماعية لديها. المغرب تأخر كثيرا في وضع سياسة شبابية ناجعة. ولهذا فهو لم يبدأ بعد في الاستفادة من النافذة الديمغرافية التي يتيحها له كون شريحة عريضة ممن تتراوح أعمارهم ما بين 15 و 59 سنة يشكلون قاعدة الهرم السكاني لفترة ما بين 2015 و 2035. أقل من عشرين سنة للإقلاع الحقيقي (قبل شيخوخة المجتمع). إن لم نستفد من هذه الفرصة فسوف نضيع موعدا آخر مع التاريخ. وإن استفدنا فسنكون روادا في وضع الأسس لمغرب مزدهر ومتطور يحلم به الجميع، وتصبو له كل الأجيال.