قضية بوعشرين.. خطر “الترهيب” على “قرينة البراءة”
يقال إن البراءة هي الأصل ويقال أيضا إن المتهم بريىء حتى تثبت إدانته.
وهذا معناه بصيغة أخرى أن القضاء يبقى هو صاحب الكلمة الأخيرة في تثبيت الحق وإزهاق الباطل.
وبالتأكيد، لا خيار لنا إلا أن نثق في قضائنا وفي قضاتنا دون أن يعني ذلك أن سفينة القضاء ببلادنا قطعت الوادي واستوت على الجودي ببر الأمان.
نعم قطعنا أشواطا مهمة في إصلاح منظومة العدالة والقضاء ولازالت أمامنا أشواط أخرى ينبغي أن نقطعها بسلام.
وبلا شك يبقى ملف الصحافي توفيق بوعشرين تحديا حقيقيا أمام القضاء المغربي لكي يثبت أننا فعلا "اسثتثناء" بالمعنى الإيجابي في المنطقة المغاربية والعربية.
لكن يبدو أن ثمة نقاشا مغلوطا حول "قرينة البراءة" حتى أن هناك من كاد أن يجرم أي حديث عن قضية الصحافي بوعشرين بدعوى أن هذا الملف بيد القضاء.
ولاحظوا كيف أن الجميع يتحدث عن وجود ملف بوعشرين بيد القضاء كما لو أن هذا الملف ينبعي أن يكون بيد وزارة النقل أو السياحة.
يا سادة، قرينة البراءة من عدمها هي إجراء مسطري ملزم للمحكمة وملزم للقاضي لكي يبت في الملف المعروض أمامه بناء على ما تجمع لديه من معطيات.
أما الصحافيون والكتاب والمهتمون والمتتبعون والمحللون فمن حقهم أن يناقشوا أي شيء لأن كلامهم سيظل مجرد "كلام ناس" لا يقدم ولا يؤخر.
وأنا لا أرى عيبا في يصطف البعض مع المشتكيات والمصرحات أو يعلن التضامن معهن في عرائض أو ينتدب المحامين للترافع عنهن مجانا أو يعتبرهن ضحايا حتى قبل أن يصدر القضاء حكمه في هذا الملف.
وفي الوقت نفسه، لا أرى عيبا في أن يصطف آخرون مع بوعشرين ليعتبروا ملفه أخلاقيا ببعد سياسي يضرب عصافير كثيرة بحجرة واحدة.
فكل هذه الآراء والآراء المضادة لن تغير من جوهر الأشياء ومن قناعات القاضي لأنها مجرد آراء لا غير.
لكن أنا أختلف مع بعض الأصدقاء والزملاء الذين قادوا حملة "ترهيب" واسعة واعتبروا مجرد اتصال زوجة بوعشرين بمسؤول رسمي أو بمشتكية أو بمصرحة أو بمحام هو جريمة لا تغتفر.
والواقع أن من حق زوجة بوعشرين أن تتصل بمن تشاء ومتى تشاء، ومن حقها أن تبحث لزوجها عن أحسن المحامين لإخراجه من هذا المأزق بأقل الأضرار.
لماذا يحق لها ذلك؟
لأنها زوجة وينبغي أن تدافع عن زوجها وعن حقه في محاكمة عادلة لا يظلم فيها أحد.
وغير خاف على الجميع أن المحاكمة العادلة هي المقوم المحوري الذي يقاس به منسوب الديمقراطية في الدول والمجتمعات.
عدا ذلك، فإننا نرسم لبلد عريق اسمه المغرب صورة بلد مخيف عندما "نرهب" امرأة ونمنعها حتى من حقها في اختيار محام للدفاع عن زوج مكبل المعصمين لا يستطيع الدفاع عن نفسه.
بكلمة واحدة. "الترهيب" لا يمس بـ"قرينة البراءة" فحسب، بل إنه "يرهب" المتهم وأهله و"يرهب" المشتكيات والمصرحات وعائلاتهن و"يرهب"، وهذا الاخطر، القضاة أنفسهم.




