الخبر من زاوية أخرى

مصطفى الفن يكتب عن معنى “قرينة البراءة” في ملف التازي

مصطفى الفن يكتب عن معنى “قرينة البراءة” في ملف التازي
مصطفى الفنمصطفى الفن

سألت يوما ما صديقا حقوقيا بخبرة قانونية واسعة وقلت له:

“هل من حق الصحافيين أن ينتقدوا حكما قضائيا..؟”..

وكان جواب الحقوقي من غير تردد أنه من العادي أن ينتقد الصحافيون قرارا قضائيا إذا كان هناك ما يدعو إلى هذا النقد والانتقاد..

وفعلا فالعصمة لله وحده لا شريك لله، والخطأ لازمة بشرية وقل من لا يخطئ..

ومع ذلك كان من الضروري أن أطرح سؤالا آخر على صديقي الحقوقي:

“لكن ألا يسقطنا هذا النقد فيما يسمى “تحقير” مقرر قضائي؟”..

فكان جواب صديقي أن تحقير مقرر قضائي لا يعني عدم انتقاد هذا المقرر..

تحقير مقرر قضائي معناه عدم تنفيذ المقرر من طرف الشخص المعني به لا غير..

وربما حتى مسؤول قضائي كبير قال ما يشبه هذا الكلام في خرجة إعلامية على شاشة التلفزيون..

وأنا أذكر بهذا لأن بعض الأصدقاء الصحافيين اعتبروا مجرد تسريب وثيقة في قضية طبيب التجميل الحسن التازي فيها مس بقرينة البراءة..

وفيها تأثير على القضاء..

وفيها ما لا عين رأت ولا خطر على قلب بشر..

والواقع أن هذه الوثيقة عادية جدا جدا وليس فيها ولو خبر واحد له حساسية خاصة أو من شأنه أن يهدد الأمن القومي للبلد..

ثم إني لا أفهم كيف أننا كصحافيين ومع ذلك لا نجد أي حرج في أن نطالب باعتقال من سرب وثيقة حتى وإن كانت هذه الوثيقة لا ترقى إلى حمل هذا الاسم..

فيما جوهر مهنة الصحافة هو التسريب..

لأن التسريب هو الجنس الصحفي الوحيد الذي لا يدرس في معاهد الصحافة..

والصحافي هو بالضرورة مدافع شرس عن التسريب وعن حلف المسربين..

والصحافي هو بالضرورة ضد التعتيم وضد السرية وضد سرية الوثائق وضد سرية الجلسات حتى لا تنتشر الإشاعات..

واستند هؤلاء الزملاء، الذين يتذكرون بين الفينة والأخرى أن لهذه المهنة أخلاقيات، إلى تلك القاعدة المعروفة التي تقول:

“إن المتهم بريء حتى تثبت إدانته..”..

صحيح أن البعض يردد هذه المقولة التقليدية بحسن نية لكن هناك آخرين يرددونها بخلفية أخرى تطول وتقصر مثل “سروال علي”..

لكن ما المقصود بمقولة “المتهم بريء حتى تثبت إدانته”؟

ليس المقصود بهذه المقولة هو أن يلتزم الصحافيون الصمت وألا يتحدثوا في أي قضية معروضة أمام القضاء إلى أن تنتهي كل مراحل التقاضي..

كما ليس المقصود أيضا بهذه المقولة هو أن تتوقف الجرائد عن الكتابة وتكتفي فقط بنشر البلاغات الرسمية التي تصدر عن المؤسسات الرسمية..

وليس المقصود بهذه المقولة أيضا هو أن تحتجب المواقع الإلكترونية وأن يكسر الصحافيون أقلامهم إلى أن يصبح القرار القضائي في هذه القضية أو تلك حائزا على قوة الشيء المقضي به..

هذا غير ممكن وغير معقول وليس له أي نظير في أي دولة في العالم..

ثم إن الصحافة سلطة مضادة وليست سلطة رابعة أو تابعة لما عداها من السلط..

ورأيي أن المعني رقم واحد باستحضار قاعدة “المتهم بريء حتى تثبت إدانته” هو قاضي الحكم ولا أحد غيره..

لماذا؟

لأن المفترض في قاضي الحكم هو أنه لا يتأثر بكلام أحد ولا بكلام صحافي ولا بكلام غير الصحافي..

قاضي الحكم لا يستمع إلا إلى “ضميره المسؤول” لا غير ولا يصدر حكمه إلا بناء على الاقتناع الذي تشكل عنده داخل قاعة الجلسات..

وحتى محاضر الأمن أو قرارات قضاء التحقيق أو ملتمسات النيابة العامة هي، في نظر قاضي الحكم، تبقى للاستئناس لا غير..

لكن المحاضر الأمنية وأقوال المتهمين أو اعترافاتهم أو عدم اعترافهم ورواية النيابة العامة وقرارات قضاء التحقيق، بالنسبة إلى الصحافي، هي أخبار وهي معلومات وربما هي “قنابل إعلامية” ينبغي أن تصل بأمانة إلى القارئ قبل أن ترفع عنها السرية..

مع شرط واحد عنوانه العريض هو التوازن الذي يعني عدم تغليب طرف على طرف أو رواية على أخرى..

فعندما يكتب صحافي مثلا استنادا إلى مصادره أنه تم الاستماع في ملف التازي إلى مستخدم لدى سيدة تحمل نفس الاسم العائلي لمسؤول حكومي كبير..

وأن هذا المستخدم أكد أن مشغلته تبرعت لمرضى بمصحة الشفاء المملوكة للتازي وأنه هو من تكفل بإيصال هذه التبرعات إلى المصحة..

أو عندما يكتب صحافي آخر أن السيدة التي كانت مكلفة بالتواصل مع المحسنين بمصحة التازي كانت تأخذ 20 في المائة من أي مبلغ متبرع به..

أو عندما يكتب صحافي ثالث أن زوجة التازي نفت المنسوب إليها ثم عادت واعترفت..

عندما يكتب الصحافي مثل كل هذا الكلام فهذا ليس إدانة للطبيب ولا تبرئة له وإنما هي “معلومات” قد تهم الرأي العام لا أقل ولا أكثر..

وما يعاب على الصحافي، والحالة هذه، هو أن تكون معلوماته خاطئة وغير صحيحة..

بقي فقط أن أقول:

يا لحظنا العاثر نحن الصحافيين لأنه مر علينا حين من الدهر حتى أصبح خطاب المؤسسات الرسمية، المطوقة بواجب التحفظ، جد متقدم مقارنة مع خطابنا نحن المنتمين لهذه المهنة رغم أننا غير مطوقين بواجب التحفظ ولا هم يحزنون..