رحيل اليوسفي.. المسكوت عنه في رسالة التعزية الملكية
لم توجه رسالة التعزية الملكية في وفاة الزعيم الاتحادي عبد الرحمن اليوسفي إلى الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية أو إلى الكاتب الأول للحزب الذي لم يطلب هو بدوره أن يلقي كلمة تأبينية أثناء مراسيم الدفن.
بل كاد أن يقع المكروه لأن الجهات المنظمة لمراسيم جنازة اليوسفي تساءلت أصلا عن الجدوى من حضور الكاتب الأول للاتحاد لولا أنه كان رفقة الرجل الثالث في هرم الدولة الحبيب المالكي.
رسالة التعزية الملكية وجهت أساسا وتحديدا الى أرملة اليوسفي، هيلين ماري ولم تذكر العائلة السياسية للراحل إلا في سياق "عرضي" بعد أن تم ذكر الأصدقاء والمحبين أولا.
وهذا التفصيل الصغير هو في حد ذاته رسالة أخرى مسكوت عنها تضمنتها رسالة التعزية الملكية:
"الراحل اليوسفي هو أكبر من أن يختزل مساره في حزب".
وبالطبع، ثمة من دفع في هذا الاتجاه لأن "اعتزال" اليوسفي للسياسة، عقب الاستغناء عنه سنة 2002، كان في جوهره "غضبة" موجهة ضد إخوته في الاتحاد وليست موجهة ضد المخزن.
وطبيعي أن "يغضب" السي عبد الرحمن من رفاق الطريق وهو يرى كيف أنهم صاغوا معه ليلا بيان الخروج عن المنهجية الديمقراطية لكنهم انقلبوا على مضمون هذا البيان في نهار اليوم الموالي مقابل الدخول الى حكومة جطو بحقائب بعضها فارغ كفؤاد أم موسى.
المهم لقد رحل اليوسفي ورحلت معه الكثير من الأسرار والمغاربة يقولون "البكاء من ورا الميت خسارة.."..
لكن على بعض الاتحاديين، الذين يبكون رحيل اليوسفي ويبالغون في البكاء، أن يشعروا ببعض تأنيب الضمير لأنهم اصطفوا خلف السراب في الوقت الذي كان عليهم أن يصطفوا خلف زعيم كبير.
أكثر من هذا، فقد انشغل الاتحاديون بتصفية بعضهم البعض وتركوا رجلا بثقله الرمزي والروحي والنضالي يموت "وحيدا" وببطء وفي صمت أيضا.
وحده محام شاب اسمه يوسف الشهبي كان خير "ابن" وخير سند وخير مؤنس وخير معين على أعباء وتصاريف هذه "الوحدة" التي عاشها اليوسفي منذ أن "غادر" السياسة.
يوسف الشهبي، الذي كان ضمن الشخصيات العشر التي حضرت مراسيم تشييع جنازة اليوسفي، لم يكن "متأثرا" بهذا المصاب الجلل.
لماذا؟
لأن هذا الشاب ابن الراحلة أسية الوديع وحفيد الراحل الوديع الآسفي الذي ربطته "صداقة تاريخية" باليوسفي أحس أنه قام بالواجب وزيادة وظل في خدمة السي عبد الرحمن بوفاء وفي أي وقت عندما انفض من حوله الجميع.
ويروي يوسف الشهبي لموقع "آذار" تفاصيل نادرة عن الأيام الأخيرة من حياة زعيم سياسي كان له دور في انتقال الحكم من ملك الى ملك.
وفعلا فكثير من الناس لا يعرفون مثلا أي شيء عن علاقة اليوسفي بالغيب وبالروح وبالسماء عندما كان يخلو لنفسه استعدادا لرحلة ذهاب أبدي بلا إياب.
نعم كان السي عبد الرحمن يناجي ربه من فوق سرير المرض وكان يذكر الله ويتضرع إليه في صمت ودون أن يثير انتباه أحد عدا رفيقة العمر هيلين ماري التي كانت على علم بكل شيء.
ولازال يوسف الشهبي يتذكر أيضا كيف أن السي عبد الرحمن كان يتصل به بين الفينة والأخرى لقضاء غرض إداري أو إصلاح صنبور ماء أو إصلاح عطب طال أنترنيت المنزل.
بل لازال الشهبي يتذكر أيضا يوم اتصل به السي عبد الرحمن من خارج المغرب ليخبره أن التيار الكهربائي انقطع عن شقته بالدار البيضاء وأن روائح كريهة انبعثت من قطعة لحم نسيها رئيس حكومة التناوب التوافقي بالثلاجة.
وأنا لا أريد أن أروي مزيدا من هذه الحكايات على لسان يوسف الشهبي خشية أن يقال إنني أنسج الأساطير أو أستصنم رجلا كان له ما له وعليه ما عليه..
لكن من المهم جدا أن نسلط الضوء على هذه الجوانب من حياة العفة والبساطة لزعيم كان ممكنا أن يعيش حياة البذخ والترف من السياسة لكنه لم يفعل.
رحم الله اليوسفي وكان الله في عون أرملته هيلين التي لم تعد تعرف الى أي قبلة تتجه حتى أنها رفضت العودة الى شقتها بالدار البيضاء لأن السي عبد الرحمن غادر هذه الشقة.
هيلين، التي كانت تمسك يد السي عبد الرحمن وهو يسلم الروح الى بارئها، رفضت أن تعود الى شقة لا يوجد فيها رفيق عمر تجاوز 70 سنة وفضلت أن تقيم عند عائلة بالرباط في انتظار أن يقضي الله أمرا كان مفعولا.






