الخبر من زاوية أخرى

تفجيرات 16 ماي.. حتى لا ننسى “وباء” الإرهاب

مصطفى الفنمصطفى الفن


رغم أن تفجيرات "16 ماي"، التي هزت الدار البيضاء مرت عليها الآن 17 سنة بالتمام والكمال إلا أن شبح هذا الحدث الإرهابي الجبان لازال حاضرا بقوة فوق سماء المملكة ولازالت جراحه لم تندمل بعد

بل إن هذا الحدث الإرهابي لازال حيا يرزق ولازال يرعب أيضا قلوب أسر وعائلات فقدت ذويها وأهلها في ليلة دامية باسم دين جاء ليتم مكارم الأخلاق وليس لقطع الأعناق.

وطبيعي أن يظل شبح هذه التفجيرات حاضرا بقوة بيننا في شكل حزن جماعي لأن ما وقع في تلك الليلة الدامية بأكبر مدينة بالمغرب كان يستهدف الوطن واستقرار الوطن ووحدة الوطن.

فماذا يعني هذا كله؟

هذا له معنى واحد وهو أن هذه الأحداث الإرهابية ستظل دائما عنصرا مشوشا على هذه الذكرى ما لم نسارع آلى طرح الأسئلة الحقيقية حول تقييم سياسة الدولة في محاربة الإرهاب.

ويفرض هذا التقييم أن نشيد ابتداءا بالاستراتيجية الاستباقية للأجهزة الأمنية وأيضا بالدور الريادي الذي لعبته مديرية مراقبة التراب الوطني في مواجهة وباء الإرهاب خاصة بعد رحيل حميدو لعنيكري ومجيء عبد اللطيف الحموشي الذي يحسب له أيضا أنه "أنسن" هذا الجهاز وطور أداءه مما اضطرت معه دول كثيرة الى الاستعانة بالتجربة المغربية في تفكيك خلايا الإرهاب.

وهذه الاستراتيجية الاستباقية تقوم أساسا على تعقب الخلايا الإرهابية وتفكيكها حتى قبل أن تبلغ أشدها أو تصل إلى مستويات متقدمة من التخطيط والتنفيذ.

ولا بأس أن نشير هنا الى أن آخر عملية إرهابية شهدها المغرب كانت سنة 2018 عندما تم ذبح سائحتين إسكندنافيتين بضواحي مراكش.

فيما كانت الفترة العصيبة التي شهدت فيها بلادنا تواتر العمليات الإرهابية هي تلك الفترة الفاصلة بين 2003 و2007، أي عندما كانت وقتها الأجهزة الأمنية حديثة الخبرة والتجربة مع تحدي الإرهاب.

لكن هذا لا يعني أن خطر الإرهاب لم يعد قائما فقط لأن هناك يقظة أمنية استباقية

 لا.

الخطأ صفر لا وجود له مع وباء عابر للقارات اسمه “الإرهاب.

بمعنى أن مسؤولية محاربة الوباء الإرهابي ليست مسؤولية الأجهزة الأمنية لوحدها، بل هي مسؤولية الدولة والمجتمع ومختلف مؤسسات التنشئة الاجتماعية بدون استثناء.

ولا أبالغ إذا قلت إن المؤسسات الدينية معنية بالدرجة الأولى هي أيضا بمحاربة هذا الوباء وذلك من خلال التأسيس والتقعيد النظري والفقهي لخطاب ديني منفتح يعلي من قيمة الحياة لا من قيمة الموت.

أما المستوى الثاني من تقييم سياسة الدولة في محاربة الإرهاب فإنه يقودنا حتما إلى مفارقة دالة تحتاج إلى لحظة تأمل عميق.

دعوني أشرح: فبقدر ما تمكنت الأجهزة الأمنية من تفكيك مئات الخلايا الإرهابية، فإن هذه الخلايا لازالت تتوالد وتتناسل.

أكثر من هذا، لازلنا نقرأ الى حد الإن في وسائل إعلام أجنبية أن هناك شبابا مغاربة إما موجودون في بؤر القتال أو متورطون في بعض الأحداث الإرهابية التي تقع في دول أوربا وغير أوربا.

ماذا نفهم من هذه المفارقة؟

نفهم منها أن ثمة تفاوتا في اشتغال مكونات الاستراتيجية المعتمدة من طرف الدولة في مكافحة الإرهاب. أي في الوقت الذي عرفت فيه الاستراتيحية ألأمنية ذروة نشاطها ونجاعتها وحرفيتها، بقيت المكونات الأخرى الموازية عاجزة عن الاشتغال والأداء الجيد.

وحتى الجهود التي بذلت من أجل إصلاح الحقل الديني ظلت متواضعة ولم تمكث في الأرض ولم تنفع الناس بما فيه الكفاية.

أقصد هنا بالتحديد المجهودات المبذولة في مجال تكوين الأئمة والمرشدين وإعادة هيكلة المجالس العلمية وتوسيع صلاحياتها وإحداث المجلس العلمي الأعلى وتحمله مسؤولية الفتوى، وميلاد قناة وإذاعة محمد السادس للقرآن الكريم.

وليس هذا فحسب، فحتى تغيير مناهج وبرامج التعليم الديني لازال لم يرق إلى المستوى المطلوب ولم يستطع هذا النوع من التعليم أن يوقف تناسل الخلايا الإرهابية.

أما المسجد، الذي يمكن أن يكون له دور هام في مجال التأطير الديني بقراءة وسطية وتنويرية للنصوص، فإنه لم يعد هو الفضاء الوحيد للتأطير ومصدر المعرفة الدينية خاصة إذا علمنا أن العديد من الأئمة لازالوا الى اليوم يتحدثون في خطبهم عن مشاكل القرن الحالي بترسانة فقهية من القرن الثالث الهجري.

كما أن غياب المناعة الفكرية والدينية لدى العديد من شبابنا المحبطين يجعل هؤلاء الشباب فريسة سهلة بيد الشبكات الإرهابية التي تشتغل في مجال الاستقطاب والتجنيد.

ولعل ما يغذي ضعف المناعة الفكرية والدينية لدى بعض شبابنا هو محدودية القدرة التنافسية للإعلام الديني الوسطي في المغرب، خاصة مع تلك “الصورة النمطية" المرسومة في المخيال الجماعي للمغاربة عن علماء الهيئات الدينية الرسمية.