الخبر من زاوية أخرى

من يريد “إرباك” خطة الملك في مواجهة وباء “كورونا”؟

مصطفى الفنمصطفى الفن


المقال الذي نشره مصطفى الرميد الخميس المنصرم على صفحته بالفايسبوك بعنوان لافت "فعلها جلالة الملك فهل نفعلها جميعا" لا ينبغي أن يمر دون تعليق أو دون تفاعل.

وأهمية هذا المقال لا تكمن فقط في كون محرره هو شخصية حكومية وازنة ويشغل منصب وزير دولة وربما هو أيضا مخاطب الدولة نفسها في حزب البيجيدي.

والواقع أن مقال الرميد، حتى وإن أشاد فيه بما بذلته بلادنا من مجهودات وعطاءات ومساهمات للتخفيف من آثار كورونا، إلا أن هذا المقال بدا لي كما لو أنه دق ناقوس الخطر وربما حذرنا بين السطور من أيام عصيبة تنتظرنا في القادم من الأيام.

لماذا؟

لأن الجميع، بمن في ذلك بعض أثرياء البلد، يريدون اليوم أن يمدوا أيديهم إلى الصندوق الملكي الخاص بمكافحة كورونا لينالوا "نصيبهم" منه بأي ثمن.

أكثر من هذا فالجميع اليوم يريد ان يتحول ربما الى عبء على الدولة ولا أحد يريد أن يعلق الجرس في هذه الظرفية الصعبة التي تجتازها بلادنا الحبيبة.

أما المقطع القوي في هذا المقال فهو عندما يقول الرميد إن صندوق مكافحة تفشي وباء كورونا ما يزال في حاجة إلى مساهمات وتبرعات المستثمرين وذوي السعة من المال.

وأعتقد أن الرسالة هنا واضحة وهي أن هذه ال30 مليار درهم التي جمعناها في هذا الصندوق الخاص بمكافحة الوباء هي مبلغ قليل جدا ولن ينقذ سفينة البلد من الغرق خاصة على مستوى التداعيات الاقتصادية والاجتماعية الناجمة عن هذا الوباء.

وربما لهذا السبب بالتحديد اضطر بلدنا إلى أن يداوي نفسه بالتي كانت هي الداء: الاستدانة والاقتراض.

وبالفعل فقد اتجه المغرب مكرها لا بطلا الى تفعيل خطوط الائتمان وإلى الاقتراض من الخارج حتى وإن كان عندنا هنا بالداخل أثرياء كثر ولهم أموال قارون قادرة على أن تحل جميع مشاكل المغرب والمغاربة.

أوليس يمشاعر الناس وضحكا على الذقون أن نسمع مثلا أن صاحب الضحى الذي يملك تقريبا نصف المغرب من أغلى الأراضي وأجودها وصاحب ثروة عابرة لا تغرب عنها الشمس لم يتبرع لفائدة صندوق أحدثه الملك سوى ب20 مليار سنتيم؟.

الأخطر من ذلك فهناك اليوم أكثر من 70  شركة مدرجة ببورصة الدار البيضاء رأسمال كل واحدة منها يتجاوز 15 مليارا.

لكن ما كل هذه الشركات ال70 ساهمت في الصندوق الخاص بمكافحة كورنا حتى لا أقول إن بعض هذه الشركات، ورغم أريحيتها المالية، "رفضت" أن تساهم في هذا الصندوق.

نعم إن بعض هذه الشركات في البورصة لم تعد تخفي بكونها  ترفض أن تساهم في هذا الصندوق ولو بقرش واحد كما لو أن هدف البعض ربما هو "إرباك" خطة الملك الناجحة الى حد الآن في تدبير هذه الجائحة.

ولن أذيع سرا إذا قلت إن بعض رؤوس الأموال في هذه البورصة وحتى خارجها لا يهمها ربما أن يسقط الوطن في هذه الظرفية الصعبة لأن الأهم عندها هو ألا يسقط الدولار والأورو.

إلياس العماري، الذي يزعم أنه كان يغرف كل ما يحتاجه من أموال سائبة مباشرة من دار السكة، توقع هو بدوره أن يسقط أي نظام حاكم يستمد شرعيته من الدين ومن الوراثة بعد كورونا.

إلياس توقع كل هذا ونسي أنه راكم تحت غطاء هذا النظام الديني الوراثي امبراطورية من "الكاش" ومن "الليكيد" لها أول ولا آخر لها.

ولا ينبغي أن ننسى أيضا صنفا آخر من هؤلاء الأثرياء لأن هذا الصنف سيكون ربما "أشد الناس عذابا يوم القيامة".

وأنا هنا أمزح لا غير لأن العذاب والنعيم والقيامة أو الجنة والنار جزء من الغيب، ولا يعلم الغيب إلا علام الغيوب.

 لكن قصدي من هذا المزاح اللفظي مع القارئ العزيز هو التوقف عند هذا الصنف من الأثرياء الذين يشبهون "ملك الموت".

وفعلا إنهم كذلك لأن هذا الصنف من الأثرياء يتصرفون بلا قلب وبلا شفقة ولا يرحمون شيخا ولا أرملة ولا يقدرون طارئا صحيا ولا يرقبون إلا ولا ذمة في بني الإنسان.

إنهم قد يطردونك من منزلك ليلة عيد الأضحى أو ليلة وفاة والدك أو والدتك أو في أي وقت لتجد نفسك في الشارع رفقة أطفالك فقط لأنك لم تؤد لهم تلك "الطريطات" المنفوخة بسعر فائدة عال جدا لا يفهم طلاسيمه حتى أساتذة الرياضيات.

 أتحدث هنا بالطبع عن بعض الجوعى من المستثمرين في قطاع الأبناك الذين ظلوا "يمصون" دماء المغاربة لعقود طويلة من الزمن وجمعوا ثروات طائلة..

وعندما احتاج الوطن اليوم الى قطاع البنكي في هذه الظرفية الصعبة فإن بعض المستثمرين في هذا القطاع تعاملوا بلا مبالاة وبلا جدية وبلا حس وطني كما لو أنهم لا يقاسموننا الانتماء لهذا الوطن.

وعندما أتحدث هنا بهذه الحدة عن الأبناك فلأني صدمت عندما اكتشفت أن بعض مسؤولي هذا القطاع لا زالوا يتصرفون بمنطق الربح المتوحش وبمنطق الجشع الذي كان ما قبل كورونا.

نعم إن الأمر بهذا المشهد الدرامي حتى وإن كانت هناك تعليمات ملكية صارمة  تدعو الأبناك الى الانخراط الجدي والمسؤول في إنجاح المعركة ضد كورونا مع إعمال المرونة والسلاسة والتسهيلات في منح القروض الى المتضررين من هذا الوباء.

لكن يبدو أن هذه السلاسة أو المرونة أو التسهيلات هو مجرد كلام يقال أمام الكاميرات وعلى شاشات التلفزيون ليتلى بلغة خشبية على المغاربة في نشرات الأخبار ليس إلا حتى لا نقول إن هناك استهتارا مقصودا بهذه التعليمات الآتية من فوق.

 ودعوني أروي لكم هنا محنة رجل أعمال بيضاوي مع بنكين.

البنك الأول (البنك الشعبي أو غير الشعبي)  مملوك للدولة والذي كان يرأسه إدارته العامة وزير المالية الحالي بنشعبون، والبنك الثاني مملوك للملياردير عثمان بنجلون.

رجل الأعمال هذا يشغل حاليا على الأقل 140 عاملا برواتب معقولة ومحترمة وساهم بمبلغ مالي في صندوق مكافحة كورونا على الرغم من أن شركته تمر حاليا بضائقة مالية حرجة.

ولأن الزمن زمن كورونا فإن رجل الأعمال المعني بالأمر لم يفعل مثلما فعل صاحب فندق بلاص آنفا بالدا البيضاء أو مثلما فعل الكثير من الأثرياء الذين سرحوا عمالهم أو أرسلوهم الى الصندوق الوطني الوطني للضمان الاجتماعي من أجل استخلاص تلك ال2000 درهم من أموال الدولة.

رجل الأعمال هذا احتفظ بجميع العاملين عنده وذهب الى هذين البنكين من أجل الحصول على قرض حتى لا يضطر الى تسريح جزء من هؤلاء العاملين.

لكن المسؤولين سواء في بنك الدولة أو في بنك عثمان بنجلون رفضوا التفاعل إيجابا مع طلب رجل الأعمال وظلوا يماطلونه ويفتعلون الأعذار الواهية لتفادي لقائه قبل أن يمتنعوا فيما بعد عن الرد على اتصالاته الهاتفية الكثيرة.

المثير أكثر هو أن رجل الأعمال، الذي نتحدث عنه هنا، هو زبون جدي ووفي ويحترم تعهداته والتزاماته مع هذين البنكين خلال "عشرة" طويلة من الزمن قاربت ال30 سنة

ماذا يعني هذا كله؟

هذا له معنى واحد لا ثاني له وهو أن "العدو" رقم واحد للدولة ليس هو العدل والإحسان أو النهج الديمقراطي أو حزب الطليعة أو الجمعية المغربية لحقوق الإنسان أو المعطي منجب.

"العدو" رقم واحد للدولة، وللمجتمع أيضا، هو هؤلاء الأثرياء ومعهم بعض هؤلاء المستثمرين في القطاع البنكي لأن هؤلاء جميعا لا يريدون أن يتنازلوا ولو عن جزء بسيط من أرباحهم وثرواتهم الفلكية كما لو أن تعزيز السلم الاجتماعي والأمن القومي للبلد هو آخر الهم عندهم.