في زمن الكورونا.. إنقاذ سفينة الوطن أولا
لا خلاف أن المغرب بإمكانياته المتواضعة يذل مجهودات هامة واستثنائية في محاصرة وباء الكورونا والتقليل من تداعياته الصحية.
لكن هذا لا ينبغي أن يدفعنا إلى الاطمئنان غير الحذر أو الى التصرف مثل الدب المغرور أو إلى الثقة الزائدة في الذات.
بل على العكس من ذلك.
فكل هذا ينبغي أن يدفعنا الى مضاعفة هذه الجهود وإلى استنفار جماعي لا يستثني أحدا منا دولة ومجتمعا.
لماذا؟
لأن أسوأ الأيام هي تلك التي لم نعشها بعد.
بصيغة أخرى. إن القادم من الأيام سيكون بلا شك صعبا لأن الآثار الاقتصادية والاجتماعية الوخيمة لهذا الفيروس غير المرئي تفوق بكثير آثاره الصحية.
ولا خلاف أيضا أن المغرب، وبتعليمات ملكية، أعطى الأولوية لسلامة وصحة وحياة المواطنين قبل سلامة الاقتصاد الوطني..
لكن هذا لا ينبغي أن يفهم منه أن الدولة ستنوب عن الجميع في إنقاذ سفينة الوطن.
إنقاذ سيفنة الوطن هو معركة حياة أو موت معني بها الجميع وهو أيضا فرض عين على كل مغربي ومغربية مهما كانت ديانته.
بمعنى آخر فاللحظة ليست لحظة تسول أو لحظة لهطة وشح وبخل أو لحظة ابتزاز للاستفادة الحرام من أموال الصندوق الملكي لمكافحة الوباء.
أقول هذا لأن هناك من بعدت عليهم الشفقة واعتقدوا أن هذه ال30 مليار درهم التي جمعناها بهذا الصندوق كافية لحل كل مشاكلنا في الدنيا والآخرة.
والواقع أن 30 مليار درهم لا تساوي جناح بعوضة في إدارة دولة وفي إدارة مجتمع في هذه الظرفية التي توقفت فيها رئة الاقتصاد في البلد بكامله وفي العالم أيضا.
وربما لهذا السبب فهناك حديث اليوم عن بعض الاستياء وسط جهات في الدولة من قيمة هذه التبرعات (30 مليار دهم) التي تبقى بلغة الاقتصاد متواضعة جدا في ميزانية دولة تشكون من الندرة في كل شيء.
وكان المفروض ألا تقف قيمة التبرعات لهذا الصندوق عند 30 مليار درهم..
بل كان المفروض أن تتجاوز قيمة التبرعات 100 مليار درهم خاصة في هذا الزمن الذي لا صوت يعلو فيه على صوت الجائحة.
وبالفعل، فقد كان لافتا للانتباه أن كثيرا من الأثرياء لم يساهموا بأي سنتيم في هذا الصندوق الملكي أو لم يساهموا إلا بالفتات على الرغم من أن هؤلاء الأثرياء راكموا هذه الثروات الكثيرة بفضل "تسامح" الدولة معهم.
والأخطر من ذلك هو أن بعض مصاصي الدماء من القطاع الخاص اعتبروا هذا الوباء فرصة سانحة للمطالبة ب"جطهم" من هذه ال"الجوج فرنك" التي لن تسد بالتأكيد كل الثقوب في ميزانية الدولة.
وبالطبع، فهذه انتهازية مقيتة متوقعة وغير مستغربة من هذا "النوع غير البشري" الذي اعتاد لسنوات طويلة أن يأخذ دون أن يعطي ويريد اليوم ألا يضحي بأي شيء من حياة الترف واللهو والنشاط والليالي الملاح.
أتحدث هنا ليس فقط عن مصاصي الدماء من أصحاب القطاع الخاص وأطباء الخاص والتعليم الخاص.
أنا أتحدث هنا أيضا حتى عن لوبيات العقار من أمثال أنس الصفريوي وعن أمثال عبد العالي برادة وابنه هشام وعن أمثال امرأة من ريع اسمها مريم بنصالح.
صديقتنا مريم بنصالح التي تعتبر مجرد "تبرعها"، بقنينات من ماء "سيدي علي"، الذي هو ملك جماعي للمغاربة، يعفيهاً ربما من التبرع لفائدة صندوق أحدثه ملك البلاد.
فكل هؤلاء الأثرياء جميعا تواروا الى الخلف في هذه المحنة التي تجتازها البلاد ونسوا أنهم ظلوا طيلة سنوات طويلة يأخذون ولا يعطون.
نعم علينا ألا ننسى أن البلاد في عزلة مطلقة وأن حدودنا مغلقة مع كل دول العالم فوق هذه الكرة الأرضية.
وهذا معناه أن مخزوننا واحتياطنا من العملة الصعبة سينفذ ربما خلال أربعة أشهر أو أقل لأننا نستورد كل شيء ولا نصدر أي شيء.
وهذا مأزق في منتهى الخطورة لأن الخروج منه لن يكون إلا عبر خيارات مرة لعلها أولها فرض ضرائب جديدة على فئة ميسورة من المغاربة أو اللجوء الى الاستدانة أو رفع نسبة العجز لنجد أنفسنا أمام اقتصاد هش بأرقام من ورق لا غير.
وأنا لا أستبعد أن يلجأ المغرب الى كل الخيارات لإنقاذ البلد وأيضا للتخفيف من الآثار الاقتصادية والاجتماعية الناجمة عن هذا الوباء غير المحترم حتى لا نقول شيئا آخر.
وفعلا هناك حديث اليوم عن كون بلدنا "قطع" ربما أشواطا متقدمة من أجل تفعيل خط ائتماني بقرض يقارب ثلاثة ملايير دولار كان صندوق النقد الدولي قد وضعه رهن إشارة المغرب قبل سنتين.
إذن كم هو واهم من يعتقد أن كل شيء سيظل على ما يرام وأن الأمر مجرد سحابة صيف وأن الحياة ستستمر كما كانت قبل فيروس الكورونا
هذا من سابع المستحيلات ولا يقول به إلا من سفه نفسه.
والحقيقة أن علينا أن ننتظر أياما صعبة ومعها بعض الخوف والجوع والعطش ونقص من الأموال والأنفس والثمرات..
لكن كلنا أمل في أن ينتصر الوطن في النهاية.






