الخبر من زاوية أخرى

ملك المغرب في زمن الجائحة.. بساطة وحزم

مصطفى الفنمصطفى الفن


صحيح أن بلدنا فيه الكثير من النقائص وفيه الكثير من السلبيات وفيها الكثير من المظالم التي إن أعددنا لا نحصيها.
 
وحتى الدولة نفسها لا تزعم أنها دولة كاملة أو أن كل مسؤوليها بلا استثناء ملائكة يمشون فوق الأرض.
 
ومع ذلك علينا أن نعترف أن بلادنا بذلت مجهودات استثنائية تستحق التنويه والإشادة في محاصرة فيروس الكورونا القاتل.
 
لماذا؟
 
لأن الوقت ليس وقت المحاسبة والمواقف الجذرية أو صلب مسؤولي البلد على جدوع النخل أو زرع اليأس والإحباط في نفوس كل الذين يعملون في الخطوط الأمامية للنار.
 
وأنا لا أقصد هنا فقط العاملين في قطاع الصحة من أطباء وأطر صحية وممرضين وموظفين وإداريين الذين يقومون اليوم بعمل جبار ستذكره الأجيال لبعضها البعض.
 
بل علينا أن نحيي بحرارة أيضا كبار المسؤولين في هرم الدولة ومعهم كل المسؤولين الحكوميين ورجال السلطة ورجال الأمن ورجال الدرك والجيش والكثير من جنود الخفاء الساهرين على أمن وسلام الوطن.
 
نعم علينا أن نفعل ذلك على الرغم من الملاحظات التي قد تكون لدينا حول أداء وتجاوزات بعض رجال السلطة.
 
لأن هذه التجاوزات حتى وإن كانت غير مبررة تحت أي طرف أو مبرر لكنها معزولة ومحدودة وليست هي القاعدة وتم تداركها سريعا.
 
لكن من الضروري أن نرفع همم ومعنويات كل هؤلاء الذين يعرضون حياتهم الى الخطر وإلى الموت من أجل إنقاذ حياتنا نحن الجالسين في بيوتنا.
 
كما أن مكافحة هذا الوباء والقضاء عليه ليس مهمة الدولة لوحدها وإنما هو أيضا مهمة المجتمع ومهمة العادي والبادي من أبناء هذا الشعب العظيم.
 
أقول هذا لأن الدولة مهما كانت جاهزيتها ومهما كانت مجهوداتها فهي لن تسد جميع الثغرات ولن تغلق جميع الثقوب ولن ترضي الخواطر المكسورة لكل الفئات الهشة من المغاربة الراغبة في الدعم.
 
 بمعنى آخر. ما كل شيء ينبغي أن تقوم به الدولة في هذا الزمن من الجائحة وإلا فإننا سنفشل وستذهب ريحنا لأن هذا الوباء هو أكبر من أن تهزمه دولة أو حتى دول عظمى.
 
إذن ما المطلوب منا في هذا الزمن الصعب؟
 
المطلوب هو تفعيل سلاح التضامن بين المواطنين وإحياء العمل الإحساني بل  علينا أن نشتغل جميعا بهذا الشعار الأصيل في تراثنا وثقافتنا؛
 
"ويوثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة..".
 
وفعلا، فمن منا لا يعرف فقراء أو لا يوجد فقراء في شجرته العائلية.
 
بالتأكيد كلنا ذاك الرجل.
 
إذن لنكن "رجالا" مع عائلاتنا ومع أقاربنا ونقتسم معهم مؤونة اليوم وقوت اليوم لنخفف العبء على الدولة على الأقل في الظرفية الحرجة.
 
لا خلاف أن المغاربة أبانوا عن حس وطني وعن حس تضامني عاليين عقب إحداث الصندوق الملكي الخاص بمكافحة وباء كورونا.
 
ولا أدل على ذلك من أن رقم قيمة التبرعات لفائدة هذا الصندوق وصل الى 30 مليار درهم وربما قد نتجاوز هذا الرقم بكثير.
 
لكن ينبغي ألا تتوقف الجهود عند هذا الحد لأنه لا أحد يعرف ماذا تخفيه الأيام القادمة حول تطورات هذا الوباء.
 
كما أن اللحظة تقتضي أيضا أن نشيد في المقام الأول بالدور الريادي الذي قام به ملك البلاد ليس بدافع التملق والتزلف وإنما بدافع الإنصاف لرئيس دولة استشعر الخطر مبكرا..
 
نعم إن جلالته استشعر الخطر ربما حتى  قبل أن تستشعره دول عظمى أقوى منا في كل شيء وأكثر منا مالا وأعز نفرا.
 
وعندما أذكر هنا بالدور الريادي والاستباقي لملك البلاد فلأن جلالته هو الذي يسهر شخصيا على كل شيء له علاقة بإيصال سفينة البلد الى بر الأمان.   
 
أو دعوني أقول بصيغة اخرى. إن الدولة في شخص قائدها ورئيسها هي التي تشتغل اليوم وسط النار المشتعلة في كل أنحاء الدنيا.
 
أما باقي مؤسسات البلد وبدون استثناء بما في ذلك الحكومة فمهمتها اليوم هي تنفيذ وتنزيل القرارات التي تصدر عن أعلى سلطة في البلاد لأننا في حرب.    
 
أيضا ينبغي الاعتراف بأن الدولة في شخص ملك البلاد تجاوبت "تقريبا" بطريقة إيجابية وسريعة مع كل المطالب التي تبدو معقولة حتى قبل أن يطالب بها الناس.
 
الدولة تفاعلت إيجابا في قضية مطلب تعليق الدراسة وتعليق مجمل التظاهرات الرياضية وتفاعلت إيحابا مع مطلب إغلاق المساجد وتعليق المراسم الدينية وتفاعلت إيجابا في مطلب إلغاء دورة موازين.
 
أكثر من هذا، الدولة في شخص الملك ختمت كل هذا بإحداث صندوق ملكي لمكافحة الكورونا وبإغلاق الحدود مع العالم وبإقرار حالة طوارئ صحية.
 
كل هذه القرارات الإيجابية جرت بالتدرج وجرت خطوة خطوة ووفق خارطة طريق فوجئا فيها ببساطة ملك لكن فوجئا أيضا بحزم ملك.
 
ووارد ألا تقف هذه القرارات الملكية المشرقة عند هذا الحد.
 
ليس لي أي معلومات دقيقة لكننا لن نيأس، وربما قد نقول مرة أخرى وبالفم المليان: "شكرا جلالةً الملك".
لأننا في بلد عظيم وشعب عظيم وفي دولة فيها الكثير من الحكماء وفيها الكثير من العقلاء ومن أولاد الناس.
 
 ولأننا في بلد عظيم، فأملنا كبير، وسط هذه الأجواء الحزينة، أن يتلقى العديد من المعتقلين في مختلف السجون المغربية أخبارا سارة حول عفو شامل غير هامل.