قضية “الاعتراض” على الإدريسي.. هواجس الدولة
لماذا "اعترضت" جهات عليا في الدولة على عضوية محامي البيجيدي عبد الصمد الإدريسي بالمجلس الوطني لحقوق الإنسان التي ترأسه الاتحادية أمينة بوعياش؟
ورغم أن موقع "آذار" كان أول من نشر هذا السبق الصحفي إلا أننا لازلنا الى حد الآن لا نعرف أي شيء أو أي معلومة تفسر دواعي هذا الاعتراض على شاب ليس معتدلا فقط بل هو ربما شبه "منبطح" وليس في تاريخه النضالي أي موقف متطرف ضد الدولة أو ضد أي مؤسسة من موسسات الدولة.
الإدريسي اختلفنا أو اتفقنا معه ليس حتى اسما معروفا وسط البيجيدي في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان مقارنة مع أسماء أخرى.
ونحن كصحافيين، لا نسجل في ذاكرتنا أن الإدريسي أعطى تصريحات غير مسؤولة أو تصريحات خرجت عن "التقاليد المرعية" حتى عندما كان رئيسا لجمعية المحامين التابعين للحزب.
وأزعم أن الإدريسي لم يسطع نجمه كمحام لا غير وليس حتى كحقوقي إلا مع اندلاع ملف الصحافي توفيق بوعشرين.
وحتى في هذا الملف الذي تباين فيه الصفان، فقد رسم الإدريسي لنفسه خطا ثالثا وحافظ على مسافة مع جميع الأطراف المتصارعة ولم يشارك في هذا "البيوليميك" الذي رافق هذه المحاكمة التي وصفها هو شخصيا ب"محاكمة القرن".
وربما لهذا السبب أيضا لم يكن الإدريسي من أولئك المحامين الذين يبحثون عن "الميكروفات" مباشرة بعد انتهاء أي جلسة من جلسات المحاكمة كما كان يفعل غيره.
وأكيد أن كل الذين تابعوا محاكمة توفيق يتذكرون أن الرجل كان نادر التصريحات ولا يعطي تصريحا إلا إذا كانت هناك ضرورة ملحة، بل كان يكتفي فقط بمرافعات قوية لكنها معتدلة ورزينة ومسؤولة سواء داخل قاعة المحاكمة أو خارجها ثم يعود من حيث أتى إلى مكناس.
ثم إن الإدريسي لم يتطرف حتى عندما تعرض إلى "سلخة" أمام مقر البرلمان على أيدي القوات العمومية وهو وقتها برلماني بهذه القبة، فكيف يتطرف اليوم بعد أن اختار مبكرا التموقع مع "حمائم" الحزب.
وأنا لا أدافع هنا عن شخص بعينه أو جهة بعينها، وليذهب الجميع إلى الجحيم إذا كانت الدولة تتوفر على معطيات أخرى تستوجب ذلك الاعتراض.
أنا أدافع عن منهج في التفكير لأن التكلفة الباهظة لبعض القرارات لن يؤديها الإدريسي أو حزبه وإما سيؤديها هذا البلد الذي نتقاسم جميعا الانتماء إليه.
صحيح أنه ليست هذه أول مرة يتم فيها الاعتراض على أسماء من البيجيدي أو من هيئات موازية له، لتولي مسؤوليات ببعض المؤسسات الدستورية غير المنتخبة تحديدا.
وأتذكر أن هذا الأمر حدث أيضا في سنة 2011، أي عندما تم الاعتراض على عضوية أسماء معروفة، من منتدى الكرامة لحقوق الإنسان ومنتدى الزهراء النسائي، بالمجلس الوطني لحقوق الإنسان في عهد الناشط اليساري إدريس اليزمي.
نعم حصل هذا رغم أن اليزمي دافع بقوة لتكون بعض الأسماء بعينها ممثلة بالمجلس الوطني الذي كان يرأسه.
لماذا يقع كل هذا؟
ليس لي جواب دقيق، لكن يبدو أن جهة ما داخل السلطة لها ربما تقدير خاص مفاده أن الإسلاميين بمعتدليهم ومتطرفيهم لا ينبغي أن يكونوا فاعلين في مجال حقوق الإنسان أو حتى مدافعين عن حقوق الإنسان.
الإسلاميون، في نظر البعض، ربما ينبغي أن يظلوا فقط مادة أو موضوعا تشتغل عليه المجالس والمنظمات والهيئات الوطنية والدولية العاملة في مجال حقوق الإنسان لا أقل ولا أكثر.
وربما هناك هواجس آخرى هي التي تفسر سياسة الحذر أو سياسة الحزم هذه، والتي تلجأ إليها الدولة في بعض الأحيان لتحجيم نفوذ الفاعل الإسلامي الذي اختار الاشتغال من داخل المؤسسات.
أما مؤدى هذه الهواجس فهو أننا وأمام ساحة سياسية فارغة تحولت فيها حتى وزارة الداخلية الى مجرد "وزارة تجهيز ثانية"..
وأمام غياب أحزاب سياسية قوية قادرة على مواجهة البيجيدي بالمؤسسات المنتخبة، فلا بأس من إحداث بعض التوازن المطلوب عبر تحصين باقي المؤسسات الدستورية غير المنتخبة من هذا الذي يسميه البعض: "الخطر الأخضر".
وهذا في نظري ليس ربما هو الحل الناجع بل إنه "الخطر" بعينه لأننا سوف لن نضع ربما ثابت الخيار الديموقراطي موضع تساؤل فقط..
بل إننا قد ندفع حتى المعتدلين من الشباب المغاربة إلى التطرف وربما إلى طرح حتى سؤال الجدوى من ممارسة السياسة من داخل المؤسسات الرسمية للبلاد.
بقي فقط أن أقول. كم فوجئت وأنا أتحدث أمس في اتصال هاتفي إلى قيادي في البيجيدي عن فوز المنتخب المغربي على ناميبيا في نهائيات "الكان" الجارية حاليا بمصر.
فوجئت لأن مسؤول البيجيدي انتقد خطة رونار، التي ضيعت علينا، في نظره، أهدافا أخرى كان يمكن تسجيلها لو تم إدخال اللاعب سفيان بوفال مبكرا، وعندما قلت لهذا المسؤول مازحا: "لكن أنت سياسي ولا تتدخل في الرياضة..".
أتدرون ماذا كان رده حتى وإن كان هو أيضا يمزح؟
لقد كان رد بهذه الصيغة: "لقد أصبح ممنوعا علينا التدخل حتى في السياسة وليس الرياضة فقط.."
ومع ذلك، وعلى الرغم من كل المؤاخذات التي يمكن أن يسجلها علينا الخصوم أو الأصدقاء، يبقى المغرب هو النقطة المضيئة الوحيدة وسط هذا الظلام العربي الممتد في كل اتجاه.






