الخبر من زاوية أخرى

حميد برادة.. رحيل الصحافي المغربي الوحيد الذي حاور الملك الحسن الثاني..

حميد برادة.. رحيل الصحافي المغربي الوحيد الذي حاور الملك الحسن الثاني..
مصطفى الفنمصطفى الفن

أعترف أني حزنت كثيرا وأنا أتلقى نبأ رحيل الصحافي الكبير حميد برادة، الذي وافته المنية ليلة أمس..

وربما تضاعف هذا الحزن عندما لم يحضر، اليوم، مراسيم تشييع جثمان الراحل سوى بضعة صحافيين وبضعة اتحاديين وبضعة مقربين وبضعة أصدقاء ليس إلا..

ولا أدري لم غابت الدولة وغاب رجال الدولة عن جنازة قامة إعلامية وازنة أعطت كثيرا للمهنة وللوطن وللعهد الجديد أيضا؟!..

طبعا لن أتحدث عن غياب وزراء حكومة السيد أخنوش عن مثل هذه المناسبات لأن معظم هذه العينة من الوزراء لا يعرفون من هو حميد برادة الذي كان ربما الصحافي المغربي الوحيد الذي حاور الراحل الحسن الثاني..

وكان أيضا واحدا من الذين صنعوا المغرب في سياق مضى وفي محطات سياسية كثيرة..

وزراء السيد أخنوش لا يعرفون ربما سوى فنان واحد ووحيد اسمه طوطو..

وتحية خاصة من هذا المنبر للفنان طوطو ومن معه..

وأنا هنا لا أزعم أني أعرف جيدا الراحل حميد برادة..

لكن ما هو مؤكد، وزميلي عبد الحق بلشكر يعرف ربما ذلك، هو التقيت الراحل برادة أكثر من مرة..

وجالسته لساعات مطولة سواء وأنا صحافي بجريدة “المساء” أو حتى بعد أن غادرت هذه الجريدة “الغراء”..

الراحل برادة روى لي أشياء كثيرة وحكايات كثيرة وحتى قنابل إعلامية كثيرة..

صحيح أني لم أعد أتذكر كل شيء مما سمعت على لسان هرم صحافي مارس المهنة بخلفية سياسية ونضالية وملتزمة..

نعم هكذا هو حميد برادة ولو أنه “اختار أن يموت صحافيا” مثلما كتب اليوم صديقنا حميد اجماهري..

لكني أتذكر جيدا أن الراحل روى لي كيف أنه كان أول من استمعت إليهم هيئة الإنصاف والمصالحة حول “مقتل” والده في عز الصراع حول الحكم بين القصر وبين بعض أحزاب الحركة الوطنية..

وكيف أنه رفض التعويض الذي خصصته الدولة لضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان خلال ما أسمي ب”سنوات الجمر والرصاص” في عهد نظام الحسن الثاني..

صحافي “جون أفريك” روى لي أيضا قصة منع هذه المجلة داخل الجزائر سنة 76 لأن السلطات الجزائرية اتهمت مالك المجلة البشير بنيحمد بمغازلة المغرب.

ويحكي الصحافي حميد برادة في هذا المنحى كيف أنه هو من قاد “المصالحة بين المجلة الفرنسية وبين السلطات المغربية..

جرى هذا عبر صديقه الراحل حميدو لعنيكري الذي التقاه برادة، وقتها، على رأس بعثة عسكرية مغربية إلى الزايير أو الكونغو حاليا..

ولست في حاجة هنا أن أذكر أيضا بالدور الذي لعبه حميد برادة في واقعة تسهيل مأمورية الصحافية الفرنسية سارة دانييل في ذلك اللقاء الذي قادها إلى بيت لعنيكري.

وهو اللقاء الذي كاد أن يكون له ما بعده خاصة عندما نسبت سارة دانييل ابنة جون دانييل مالك مجلة “لونوفيل أوبسيرفاتور” تصريحات مثيرة إلى الجنيرال لعنيكري..

وقد جاء في بعض هذه التصريحات المنسوبة إلى العنيكرى مثلما قرأنا صحف كمال لحلو حينها ما يلي:

“إن الجيش في المغرب قد يتدخل لوقف زحف الإسلاميين على السلطة لأن…”.

وأتذكر هنا أيضا أن حميد برادة روى لي كيف أنه ندم ندما شديدا لأنه رتب هذا اللقاء الذي جمع العنيكري بالصحافية سارة دانييل حتى أنه قال:

“اللي اتسحر مع الدراري.. يصبح فاطر”..

ولعل الراحل حميد برادة يلمح من خلال هذا المثل الدارجي إلى صغر سن الصحافية سارة دانييل وقلة تجربتها..

والسبب هو أنها لم تميز ما بين الأشياء التي تنشر وما بين الأشياء التي لا تنشر وهي تجالس شخصية رفيعة مثل الجنيرال حميدو لعنيكري..

وكم ازداد غضب حميد برادة عندما علم، مثلما قال لي، إن الأمير مولاي هشام قد التقى الصحافية سارة دانييل قبل نشر هذا المقال في مجلة والدها..

وزاد أيضا: وربما كانت للأمير الأحمر “لمسة خاصة” في هذا المقال الذي أحرج مؤسسات صامتة مع جهات عليا في البلد..

المهم في هذا كله، لقد رحل حميد برادة ورحلت معه أسرار كثيرة مثلما لمح إلى ذلك زميلنا وصديقنا لحسن العسيبي..

وهذه مناسبة لأقول على سبيل الختم:

عزاؤنا واحد في هذا الرزء الفادح عقب وفاة صحافي كبير عاش بسيطا وعاش عفيفا إلى أن لقي الله وهو كذلك..

بل إن كبرياءه منعه حتى من المطالبة بحقوقة المالية والاجتماعية المشروعة من تلك المجلة الجشعة التي أعطاها حياته كلها دون أن تعطيه أي قرش: “جون أفريك”..

رحم الله الفقيد.. وإلى جنة الخلد بإذن الله..