; تطورات الحجر الصحي.. وهبي يعقب على رئيس الحكومة بالبرلمان – الخبر من زاوية أخرى | آذار – adare.ma
الخبر من زاوية أخرى

تطورات الحجر الصحي.. وهبي يعقب على رئيس الحكومة بالبرلمان

عبد اللطيف وهبيعبد اللطيف وهبي


السيد الرئيس المحترم

السيد رئيس الحكومة المحترم

السيدات والسادة الوزراء المحترمون

السيدات والسادة النواب المحترمون

      يشرفني أن أتدخل باسم فريق الأصالة والمعاصرة في هذه الجلسة العامة لمناقشة مضمون عرض السيد رئيس الحكومة في إطار الفصل 68 من الدستور، والذي تمحور حول تقديم بيانات تتعلق "بتطورات تدبير الحجر الصحي ما بعد 20 ماي".

والحقيقة أننا في مأزق دستوري، لكون مقتضيات المادتين 246 و247 من النظام الداخلي لا تنصان على المناقشة، وأجازتهما المحكمة الدستورية، كما أجازت في نفس الوقت موضوع المناقشة في النظام الداخلي لمجلس المستشارين، ومن ثم علينا إعمال النظام الداخلي أمام تضارب المحكمة الدستورية، فأصبحنا نمارس ما ينص عليه مقتضيات الفصل 100 من الدستور في إطار الفصل 68 من الدستور.

سيدي رئيس الحكومة

      اسمحوا لي أن أعبر لكم، باسم فريق الأصالة والمعاصرة، عن امتعاضنا الشديد اتجاه خطابكم، الذي كان يجب أن يكون عبارة عن بيانات واضحة تتعلق بقضية وطنية كبرى هامة هي "تقديم بيانات حول أزمة كورونا"، في حين كان خطابكم السياسي عام لا يقدم أية بيانات، بل كان خطابا فضفاضا مليئا بالمتناقضات والتلوينات، تارة يفيد بأن الحكومة مطمئنة، وهل هذا بيان؟ ومتحكمة في الوضع، وتارة أخرى يؤكد أن الفيروس أكبر من أن تتحكم فيه الحكومة، والنتيجة تمديد الحجر لمدة ثلاثة أسابيع وسط اندهاش الجميع، ويبدو أن هذا القرار هو البيان الوحيد، وكأننا في بداية الأزمة.

السيد الرئيس المحترم

         إن خطابكم جاء مخيفا ومحبطا للآمال، ومخالفا لروح الفصل 68 من الدستور، فنحن اليوم في حاجة لتقديم بيانات حول أزمة كورونا وبيانات حول الوضع الاقتصادي، بدل تقديم بيانات شخصية، والاكتفاء بالإعلان عن شروعكم في إعداد قانون مالي تعديلي، ونعقتد أنه سيكون محدود الآثار، و نتمنى أن يعالج القضايا الاقتصادية الكبرى، كنا نتمنى أن تقدموا لنا تصورا استشرافيا للمستقبل، بإيجابياته وإكراهاته وتحدياته، لمواجهة أثار "كورونا" بالطريقة المناسبة، وبالتصور الشمولي والجرأة الاقتصادية المطلوبةّ، وليس فقط لتدبير الأزمة محاسباتيا ومرحليا.

السيد الرئيس المحترم

اسمحوا لي كذلك أن أذكركم أنه منذ أن حل الوباء ببلادنا، انخرطنا إيجابيا كفريق في المعارضة وكحزب وطني مسؤول في دينامية العمل الجماعي بحس وطني، مغلبين المصلحة العامة على المصلحة الذاتية، ونظرا للقرارات الاستيباقية لجلالة الملك نصره الله، وتضحيات جميع مكونات القوات العمومية و الصحية والتعليمية، إضافة إلى تضامن وتآزر الشعب المغربي في مواجهة هذا الوباء، والتزام المواطنين في أغلبيتهم بالحجر الصحي وغيرها من الخطوات.

كنا نعتقد أننا سنتجاوز هذه الأزمة بأسرع وقت وبأقل الخسائر، غير أننا اصطدمنا بسوء تقدير الحكومة لهذا المجهود الجماعي، سواء أثناء معالجتها لبعض الملفات، أو في تتبعها لبعض القرارات، ويمكن تلخيص ذلك في بعض القضايا كما يلي:

أولا: من حيث مسؤولية مؤسسة رئيس الحكومة:

السيد رئيس الحكومة كنا ننتظر منكم أن تقدموا نظرة استشرافية واضحة للمستقبل، وأن تعلنوا للبرلمان ومن خلاله للرأي العام الوطني، عن الطرق والبرامج والوسائل الممكنة للخروج من الحجر الصحي وحالة الطوارئ، في أقرب الأجال وعن تقييم للكلفة نفسيا واجتماعيا واقتصاديا، مما سيمنح الأمل الإنساني والاقتصادي في حالة تقديم تصورات واضحة حول الإقلاع الاقتصادي لما بعد أزمة كورونا، ومن ثم معالجة إشكالية البطالة التي ارتفعت إلى نسب كبيرة، إضافة إلى دعم القطاع غير المهيكل، وغيرها من التدابير.

في الحقيقة لا نعلم إذا كانت هذه الحكومة تعمل في إطار منسجم ومتناغم بين مكوناتها، فالسيد رئيس الحكومة يقر بتمديد الحجر في وجه جميع المواطنات والمواطنين وفي وجه العاملين في القطاع غير المهيكل لثلاثة أسابيع إضافية، بينما وزير الاقتصاد والمالية يعلن عن رفع الحجر على القطاعات الاقتصادية المهيكلة مباشرة بعد يوم عيد الفطر، مما يكشف التعامل الغير المتكافئ للحكومة مع المواطنات والمواطنين.

وفي هذا الإطار، نتأسف في فريق الأصالة والمعاصرة على كون خطابكم لا تشتمل على الإجراءات والتدابير الدقيقة لمعالجة إشكالية معاناة الكثير من الطبقات الهشة، بسبب عدم استفادتها من عملية الدعم، فعوض أن تذهبوا رأسا وبصورة مستعجلة لمعالجة الاختلالات وتعميم الاستفادة من الدفعة الأولى على جميع المعنيين، شرعتم في تطبيق المرحلة الثانية، مما أجج الاحتقانات وبروز مظاهر السخط والاحتجاج في عدد من المناطق والقرى على سوء تدبير هذا الملف، مما بات يهدد السلم الاجتماعي، وبالتالي الوضع الصحي بشكل عام.

السيد رئيس الحكومة  

لقد مددنا يدنا إليكم منذ الوهلة الأولى، ودعمنا قراراتكم رغم الكثير من الملاحظات حولها، وصوتنا على مشاريع القوانين التي جائت بها حكومتكم بالإيجاب، غير أننا كنا على شبه يقين أن حكومتكم غير قادرة على إدارة هذه الأزمة، من خلال عدم منحها القيمة السياسية والمؤسساتية والدستورية لمؤسسة رئيس الحكومة، واختزال تدبير هذه الجائحة بين وزير الصحة في المجال الصحي، ووزير المالية في إطار لجنة اليقظة، التي أصبحت لها سلطات متعددة وغريبة في بعض الأحيان، وكان من المفروض أن تترأسونها أنتم كمؤسسة رئيس الحكومة تستمدون شرعيتكم من الدستور، لا أن تلقوا عليها عبء إدارة الاقتصاد الوطني وتدبير الملفات الاجتماعية، كل ذلك بدون سند دستوري، علما أنكم أنتم من تفوضون السلطات للوزراء.

وأكثر من ذلك، فقد تألمنا كثيرا حينما حاولتم استغفال المواطنين، وعند توظيف مقيت لحالة الحجر الصحي، من أجل وضع معالم حجر من نوع أخر، يتعلق الأمر هذه المرة بحجر الحريات وتكميم الأفواه، فبأي حق توظفون أزمة الوباء والمرض والتزام المواطنين بالحجر لتطعنوهم من الخلف، وتأتون بقانون ما أنزل به الله من سلطان، تستهدفون من خلاله الحجر على وسائل التواصل الاجتماعي، ضاربين عرض الحائط كل المكتسبات الدستورية ومحو تاريخ نضالي عريق قدمه شرفاء هذا الوطن وتوافقت عليه مؤسسات البلاد.

 وعوض تكفير الحكومة عن ذنبها وسحب هذا المشروع المشؤوم، أرجأتم البت فيه إلى حين، والأغرب أن  هذا المشروع تملصت منه حتى المكونات السياسية للتحالف الحكومي التي صادقت عليه في المجلس الحكومي وتبرأت منه في الجرائد الوطنية.

ثانيا: من حيث الوضع الاقتصادي والاجتماعي:

لقد تفاجئنا من مضمون عرضكم السيد رئيس الحكومة الذي جاء خاليا من البيانات والأرقام والمعطيات حول الكثير من جوانب الأزمة، من قبيل:

حقيقة حجم مدخرات الصندوق الخاص بتدبير الجائحة

حجم ووجهة المبالغ التي صرفت

تصنيف القطاعات المتضررة وغير المتضررة.

معايير صرف الدعم

الجهات التي استفادت من الدعم بدون وجه حق.

عدد الفئات التي لازالت تنتظر نصيبها من الدعم في البوادي والقرى والمداشر، وغيرها من البيانات

         أما في المجال الفلاحي الذي يعتبر قطب الرحى في الاقتصاد الوطني، فقد كنا ننتظر منكم السيد رئيس الحكومة أن تقدموا لنا بيانات بخصوص واقع هذا القطاع، وحول تصوركم لرفع المعاناة المزدوجة "الجفاف والوباء" التي يعانيها الفلاحون والكسابة، جراء تداعيات سنة جافة، غلاء باهظ في الأعلاف، انهيار رهيب في أثمنة الماشية، وأسواق أسبوعية مغلقة مما صدت معها كل الأبواب لتصريف ما تبقى من رصيدهم المعيشي، لسد رمق الجوع.

كان عليكم السيد رئيس الحكومة أيضا أن تقدموا لنا بيانات حول ما قمتم به بخصوص ربط الدعم ببطاقة "الرميد"، خاصة وأننا نجد اليوم مواطنين حاملين لهذه البطاقة وهم في وضعية هشة ولم يستفيدوا من الدعم بمناسبة هذه الجائحة.

كما كنا ننتظر أيضا أن تحددوا لنا في بياناتكم كذلك أولويات سياساتكم العمومية إبان الحجر الصحي وبعد أزمة كوفيد 19، فنحن نعتبر أن القطاعات الاجتماعية، ولاسيما الصحة والتعليم، قطاعين يجب أن يتصدرا اهتماماتنا جميعا، لأنهما مجالين يجب أن نخرجهما من دائرة الحسابات السياسية الضيقة، من أجل كسب رهانات التعلم عن بعد بالمواصفات العلمية الدقيقة، وبتكافؤ الفرص بين جميع أبناء الوطن سواء في المجال الحضري أو القروي.

كما أن النهوض بصحة القرب أصبح أولوية ملحة، والاستثمار في الموارد البشرية الطبية والبحث العلمي في شتى المجالات بات أمرا لا محيد عنه، لأن هذه الموارد البشرية الوطنية اليوم هي التي وجدناها في الصفوف الأمامية تتحمل جزء كبيرا من أعباء هذه الأزمة.

السيد رئيس الحكومة

      إن مجالات اقتصادية متعددة كانت مصدر دخل هام لخزينتكم، اكتشفت نفسها خلال أزمة هذا الوباء أنها وحيدة، وعلى رأسها قطاع السياحة الذي تركته الحكومة وحيدا لمواجهة الوباء، فأضحت استثمارات هذا القطاع مهددة بالإفلاس، وتركت ألاف الأيادي العاملة المؤهلة لمواجهة مصيرها المجهول، علما أن هذا القطاع يشكل نواة أساسية لرؤيتكم الإستراتيجية ل 2030، والتي أصبحت الآن هدفا استراتيجيا لإهمالكم الاقتصادي.

أما المقاولات الصغرى والمتوسطة بما فيها مئات الآلاف من المقاهي والمطاعم، والحمامات والتجار الصغار والحرفيين ومهنيي الصناعة التقليدية وأصحاب النقل العمومي وغيرهم من الفئات والمقاولات، فهي ما زالت تعاني العزلة، منها من أفلس ومنها من ينتظر.

ثالثا: من حيث الأبناك

إن البنوك منذ 60 سنة وهي تراكم الأرباح، وكنا نعتقد أن مرحلة الوباء هته هي فرصة لتؤكد من خلالها هاته الأخيرة أنها ثروة وطنية حقيقية لفائدة الوطن والمواطن، وليست مجرد صناديق حساباتية تراكم الأرباح في الرخاء مقابل تراجعها عن تقديم خدمات لفائدة الاقتصاد الوطني وللمواطنين في فثرة الأزمات.

        فلا يمكن أن تكون هذه الأبناك مؤسسات وطنية إلا إذا أقدمت على خطوات تعبر من خلالها عن الانخراط القوي في توفير الدعم والسيولة للشركات الصغيرة والمتوسطة، وكذلك لفائدة الأفراد.

      ورغم أن البعض يحيطها باستقلالية مبالغ فيها، فإن ذلك لا يعفيها من واجبها الوطني، وأن تكون إلى جانب الحكومة والتوجهات الكبرى للدولة، للمساهمة في الخروج من الأزمة وضمان الإقلاع الاقتصادي وليس البحث عن الربح السريع من خلال التمسك بنسبة الفوائد التي تضاعف مع الرقم الاستدلالي لحجم اللفوائد المحدد من بنك المغرب.

رابعا: ملف المغاربة العالقين بالخارج.

         إن من غير المقبول أن تتخلى الحكومة على مواطنيها العالقين بالخارج، حيث اختارت الحكومة أن يكون نصيبهم من الحجر خارجيا، وتركتهم تحت رحمة حكومات أخرى.

      إن ملف المغاربة العالقين بالخارج سيظل وصمة عار في جبين الحكومة، لعدم تحملها المسؤولية في إرجاع مواطنينا لبلادهم، رغم النداءات  المتكررة من هنا وهناك، والغريب في الأمر أن هذا الموضوع أصبح قضية اتهامات بين وزراء داخل الحكومة، وأنتم كرئيس للحكومة بدون موقف واضح، تاركين مواطنينا يواجهون مصيرهم المجهول، لذلك نؤكد مرة أخرى أن وضعية العالقين بالخارج ليست خطأ سياسيا كبيرا فحسب، بل هي جريمة عدم تقديم مساعدة لمواطنين في حالة خطر.

السيد رئيس الحكومة

      إن حكومتكم التي تعيش تناقضات، بين توجه وزير للصحة الذي يعالج الأزمة من منطق تقنوقراطي صرف يعد القرارات من منطق تحويل الدولة إلى مجرد مصحة تحصي عدد المصابين وتدار بوصفة طبية، أو وزير للمالية أصبح مجرد محاسبا لصندوق، أو وزير للتجارة اختزل المغرب في حجم الكمامات، في حين كان الجميع ينتظر من الحكومة فتح حوار عميق وجريء، وبأجندة زمنية دقيقة حول كذلك مستقبل مسارنا الديمقراطي وطبيعة تعاملنا مع استحقاقاتنا الوطنية، باعتبارها التزام دستوري وتعاقد اجتماعي وثابت من ثوابت الأمة، التي علينا  أن لا نترك مصيرها إلى آخر لحظة زمنية، فالديمقراطية ليست قرارا ظرفيا، ولكنها اختيار واضح لا يتغير مهما تغيرت الظروف الصحية.

السيد الرئيس

إن الوضع الحالي المتسم بالصعوبة والتعقيد يملي علينا أن نفكر بشكل جماعي، بغاية الخروج من هذه الأزمة متعافين صحيا، ومتراصين اجتماعيا، وبأفق اقتصادي واعد، وأن تكون لنا الجرأة السياسية المشتركة لفتح حوار شفاف، نزيه ومسؤول، حول حقيقة وضعنا الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، وحول إمكانيات الفرص المتاحة أمامه آنيا ومستقبلا، ومن تم صياغة جواب جماعي مبني على أسس متينة ومتوافق بشأنها.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته