الرأي

النموذج التنموي الجديد بعد كرونا

09/04/2020 18:45
إدريس العضراوي

 شكل خطاب صاحب الجلالة، بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الثالثة من الولاية التشريعية العاشرة بتاريخ 12 أكتوبر 2018، أرضية لانطلاق نقاش موسع حول النموذج التنموي المغربي، خاصة بعد إقرار فشل النموذج الحالي، مما فرض إعادة النظر في الأسباب المؤدية إلى هذا القصور، ثم الانكباب على تقديم المقترحات الكفيلة بنموذج تنموي قادر على الرفع من الاقتصاد الوطني، في أفق تحقيق تنمية على مستوى باقي المجالات الاقتصادية والاجتماعية.

لقد كان الفاعلين السياسيين والاقتصاديين بالمغرب منكبين على صياغة نموذج تنموي مرحلي يؤهل البلاد من أجل مواجهة تحديات الحاضر والمستقبل في المجالات السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية، لكن سرعان ما توقف كل شيء نتيجة ظهور الفيروس اللعين الذي عطل كل شيء وأصبح الشغل الشاغل للكل هو التفكير والتخطيط لوضع الإجراءات الاحترازية للحد من زحف هذا الوباء.

لعل الوضع الذي نعيشه ببلادنا من جراء تفشي فيروس كرونا على غرار باقي بلدان المعمور، بفتكه بحياة الكثيرين، وضرب اقتصاد البلاد، وشل الأنشطة الحياتية للمواطنين، تجعلنا نقف في لحظة تأمل إلى الأولويات المدرجة ضمن مقترحات الفاعلين السياسيين والمهتمين بالشأن العام في إطار النموذج التنموي.

 بحيث أجمع الكل أن إنجاح هذا الورش المهم هو مسؤولية جماعية، وينبغي تناوله ضمن إصلاح شامل تؤطر الحاجات الحقيقية للفرد والمجتمع، ويحدد الأهداف والغايات، يراعي الهوية الوطنية بجدورها الضاربة في التاريخ، ويحترم روافدها الثقافية والانتماء المغربي إلى إفريقيا، وخلق مناخ اقتصادي عصري محفز على مزيد من الاستثمار وقادر على إعطاء دينامية جديدة فيما يخص جاذبية رؤوس الأموال، عبر تبسيط المساطر الادارية للمقاولة واستكمال إصلاح القضاء نحو إصلاحات عميقة وترسيخ الديمقراطية والحكامة الجيدة ودولة الحق والقانون.

صحيح أن ما أشير إليه يعد من المرتكزات الأساسية والجوهرية لإنجاح هذا الورش التنموي، غير أنه وكما يقال رب ضارة نافعة، فالفيروس المستجد أوضح أن الخوض في موضوع النموذج التنموي، يتجاوز آليات إعداد المخططات القائمة على تشخيص الحالة، و تجميع عناصر القوة والضعف، ومن ثم استشراف الآفاق المستقبلية عبر خطاطة استراتيجية تقوم على أهداف وتضم عدة برامج مع تقسيم البرامج لمشاريع، والمشاريع لأنشطة، فالوضع الراهن أوضح أن الرهان على نموذج تنموي حقيقي، يعتمد على إعطاء الأولوية إلى منظومة التربية والتعليم وتشجيع البحث العلمي، تجويد النظام الصحي وتأمين مستوى معيشي جيد للجميع المغاربة.

إن القطاع التعليمي بالمغرب ظل يراوح مكانه واستمر يتخبط في مشاكل متنوعة من قبيل، ضعف المستوى الدراسي، استمرار الهذر المدرسي، نقص الجودة في المقررات والمناهج التعليمية، إشكالية قلة البنيات التحتية والتجهيزات المدرسية، الاكتظاظ، بطء تعميم تكنولوجيا المعلوميات والاتصال، التباعد بين حاجيات سوق العمل والبرامج التعليمية إضافة أن هناك عدة اختلالات وتعثرات لازالت تعيق تطور المنظومة التربوية ببلادنا، فعلى سبيل المثال لا الحصر أن كثيرا من الأطفال ما يزالون يغادرون المدرسة دون مؤهلات كما هو الشأن بالانقطاع المبكر عن الدراسة للعديد من المتمدرسين، أكثر من نصفهم في سلك التعليم الابتدائي، نتيجة للظروف السوسيو- اقتصادية لأسر المتعلمين، كما أن المدرسة والجامعة لم تتمكنا بعد من توفير تعليم وتكوين بطرق ومضامين وظروف عمل في مستوى المعايير المتعارف عليها دوليا، هذا إلى جانب غياب لسياسة عمومية مندمجة للبحث العلمي، تأخذ بعين الاعتبار مجموعة من المتغيرات الضرورية لكل ارتقاء بالبحث العلمي، منها بالأساس: إحداث مراكز بحوث تتوفر على الموارد المالية والكفاءات البشرية اللازمة، وتستفيد من التقدم الحاصل في مراكز البحوث في البلدان الرائدة؛ وضع إستراتيجية مندمجة لنقل المعارف العلمية إلى اللغة العربية ترعاها مؤسسات الدولة الأكاديمية؛ إدماج القطاع الخاص في تمويل البحث العلمي.. إلخ     

المتتبع للوضعية الصحية ببلادنا لا يمكن له أن ينكر وجود حالة مرضية داخل القطاع تمتد لعقود من الزمن تتحمل فيها الدولة المسؤولية الرئيسية باعتبارها تمتلك من آليات تغيير الوضع المؤسساتية و المالية ما يعني أن المسألة الصحية في حاجة إلى جرأة تنطلق مع لحظة تأمل مع الذات لتشخيص أخطاء سياسات عمومية سمتها النقص وعدم مسايرة الطلب و إكراهات كل مرحلة بمتطلباتها التي أفرزت وضعا متأزما أولى نتائجه البادية بوضوح خصاص في الموارد البشرية اللازمة و المؤهلة لتقديم الخدمة الصحية يقدر بحوالي 7000 طبيب و 9000 ممرض و إطار شبه طبي كمعدل أدنى يضمن السير العادي في أداء المنشئات الصحية التي تعاني هي بدورها من سوء توزيع وطني و جهوي ومحلي و ضعف في وسائل العمل و التجهيزات و يضاعف من صعوبة ولوجها ومحدودية بنيات الاستقبال فيها الأمر الذي يترتب عنه نتائج وخيمة و ضرر بالصحة العامة و تكاليف زائدة تحد من نجاعة برامج التنمية التي تشترط وجود مجتمع بمواصفات صحية جيدة و مقبولة يتجاوب معها و يساهم في تنزيلها.    

ستمر الجائحة ونعود لممارسة حياتنا الطبيعية، و تبقى إشكالية المنظومة التعليمية والصحية بأكملها في حاجة إلى وقفة تأمل و نقاش واسع تغيب فيه الحسابات الضيقة و الأبعاد السياسية وتحضر المصلحة الوطنية ووحدة الصف لمواجهة خصم واحد و خطر يؤرق الجميع، و يكاد يشل قاطرة التنمية و يستنزف المال العام دون تحقيق المردودية المطلوبة، فتخليق الحياة العامة لن تقوم لها قائمة في وسط اجتماعي مريض و بيئة مختلة لا تعطي لكل فاعل حقيقي قيمته الحقيقية.. بإعادة الاعتبار إلى الطبيب، الممرض، الأطر الصحية، رجال ونساء الوزرة البيضاء التي كانت في الصفوف الأمامية متصدية للفيروس اللعين والفتاك. وكذا الأستاذ، المدير، المعلم، وجميع الأطر التعليمية التي كانت في مستوى الحدث بتقديم الدعم للتلاميذ والطلبة اللذين غادروا كرها قاعات الدراسة ومدرجات الكلية، وإلى القوات العمومية بجميع أطيافها التي كانت في الموعد في التوعية والإحساس بخطورة الفيروس الذي لا يرحم فلا أبقاه الله.