غير بالفن

مؤتمر البام.. هل يطوي الحزب صفحة "العداء" مع الإسلاميين؟

04/02/2020 22:27
مصطفى الفن
هل رفعت الدولة يدها على "حزب الدولة" الذي أسسه واحد من أقوى رجالات الدولة نفسها والذي ليس إلا المستشار الملكي فؤاد عالي الهمة؟
 
هذا السؤال لم يعد يطرحه الصحافيون والمتتبعون للشأن السياسي المغربي فحسب.
 
مثل هذا السؤال أصبح يطرحه حتى قادة "البام" أنفسهم وهم على بعد بضعة أيام من مؤتمرهم الوطني الرابع الذي ستحتضنه الجديدة نهاية هذا الأسبوع.
 
أكثر من هذا، الجميع داخل البام أصبح يتساءل اليوم: من هو مرشح الدولة في "حزب الدولة" وسط هؤلاء المرشحين الخمسة لخلافة حكيم بنشماش؟
 
لا جواب نزل من "الفوق". 
 
وربما لهذا السبب أصبح الكل يدعي "وصلا" بهذا "الفوق" الذي ما عاد ربما مسموحا له بالنزول إلى "التحت".
 
ومع ذلك، أرى أنه حان الوقت للخروج عن هذا التحفظ حتى لا يصبح للدولة مبعوثون كثر ومرشحون كثر في حزب واحد.  
 
إذن فالعنوان العريض لمؤتمر البام هو الحيرة وهو الارتباك وهو الترقب وهو الانتظار خشية مفاجآت آخر ساعة.
 
وبالتأكيد فهذا المؤتمر ينبغي أن يشكل مفترق طرق، وعلى الحزب أن يختار بين أن يولد من جديد وبهوية جديدة وبين أن يواصل سيره على نفس النهج السابق. 
 
صحيح أن حزب البام تأسس في الأصل برسالة مقدسة لها بعد واحد وهو محاربة الإسلاميين..
 
 لكن ماذا كانت النتيجة لهذه المعركة؟
 
لقد تقوى الإسلاميون وأصبحوا الحزب رقم واحد في المغرب يسيرون كل مدنه الكبرى، بل أصبحوا يسيرون الشأن العام حتى من الموقع الحكومي.
 
 لكن ظني أن محاربة جزء من المغاربة ليست مشروعا مجتمعيا ولا حداثيا ولا ديمقراطيا إن لم نقل إن الأمر لا يعدو أن يكون عنصر تشويش على الخصوصية و"الاستثناء المغربي".
 
ويبدو أن جزءا من عقلاء الدولة فهم خطورة تأليب المغاربة على بعضهم البعض أو مقلب صناعة خصوم وهميين لتأييد هذا "الستاتيكو" المذر للجاه والسلطة والمال والنفوذ.
 
لأن هذا "الستاتيكو" هو الذي حول بعض اليساريين الذين كانوا، قبل بضعة أسابيع فقط، شبه عراة حفاة، إلى أثرياء كبار وأعيان جدد يتطاولون في البنيان وفي السيارات الفارهة والضيعات الفسيحة وفي تشييد القصور والفيلات داخل المغرب وخارجه.
 
لن نتحدث عن أسماء بعينها في هذا المنحى "لكن 90 من قادة الأصالة والمعاصرة ينبغي أن يكونوا في السجن بتهمة الفساد والإثراء غير المشروع".
 
وهذا الكلام قاله لي واحد من هؤلاء المرشحين الخمسة لكرسي الأمانة العامة للبام عندما سألته عن سبب توقف النقاش حول معركة التخليق داخل الحزب.
 
وهذا معناه أن التخليق ينبغي أن يكون هو التحدي رقم واحد بالنسبة إلى حزب يريد أن يولد ولادة ثانية. أما "انتخاب" عام أمين عام جديد بنفس الأدبيات العتيقة فلن يحل المشكل.
 
لماذا؟
 
لأنه من الصعب أن تطلب من ناخب أن يصوت عليك في انتخابات 2021  وأنت مرشح في حزب يعترف أمينه العام في رسالة من "الإكوادور" بأن قادة كبارا في البام هم مجرد أخطبوط فساد عابر للحدود ولهم يد في تهريب العملة وفي بيع التزكيات وفي التلاعب بالصفقات.
 
والخطير أيضا ليس هو ما قاله بنشماش في هذه الرسالة عن بارونات الفساد والمفسدين داخل الحزب.
 
بل الخطير هو ذلك الصمت الذي أعقب هذه التصريحات كما لو أن الفساد في البام هو القاعدة التي قد تكون لها بعض الاستثناءات القليلة والنادرة جدا. 
 
وفعلا، لقد بدت لي شخصيا تلك "المصالحة، التي جرت بين التيارات المتصارعة داخل البام بعد رسالة "الإكوادور" كما لو أنها مصالحة جرت بين مجموعة من اللصوص في حزب أسسه صديق الملك.
 
وهذا في نظري هو ربما إساءة للمؤسس وإساءة للسياسة وإساءة للحياة السياسية وإساءة للمغاربة وإساءة للبلد ووالد وما ولد
 
لأنه ما معنى أن يتحدث أمين عام في مغرب ما بعد الدستور الجديد عن وجود أخطبوط فساد وعن مفسدين كبار كانوا على رأس الحزب دون أن تعقب هذه التصريحات أي ردة فعل؟
 
إنه العبث بكل أركانه لا أقل ولا أكثر.
 
ومع ذلك، لا زال من الممكن إنقاذ البام لكن ليس بإعادة إنتاج نفس المقدمات التي انتهت بهذه النتيجة: "حزب يتوارى مناضلوه الى الخلف من سوء ما أسسوا سنة 2008".
 
نعم إنقاذ هذا الحزب لا زال ممكنا لكن عملية الإنقاذ تحتاج إلى نفس وإلى وقت ولكنها تحتاج أيضا إلى أمين عام هو جزء من الحل.
 
أو قل إلى أمين عام قادر على أن يخلق حوله الإجماع المطلوب في إدارة حزب وأيضا يستطيع أن يعبر عما يفكر فيه لا إلى أمين عام لا يفكر في أي شيء وينتظر نزول الوحي في كل شيء. 
 
بمعنى أن الحزب مطالب في المرحلة المقبلة بأن يقطع مع أدبيات الماضي التي قادت إلى حاضر بلا طريق سالكة نحو المستقبل.
 
بصيغة أخرى. إذا كان البام جرب، في وقت سابق، الحرب على الإسلاميين التي كادت أن تعصف باستقرار البلاد عقب فوز بنكيران بانتخابات 2016، فلماذا لا يجرب هذه المرة خطة أخرى تقوم على السلم وعلى سياسة اليد الممدودة إلى خصم بمرجعية إسلامية؟  
 
وبالطبع، فعندما نتأمل لائحة المرشحين الخمسة الذين يخوضون سباق خلافة بنشماش، فإننا لا نعثر ربما سوى على مرشح واحد هو عبداللطيف وهبي الذي جاء بعرض جديد وبفكرة جديدة وبرؤية جديدة في العلاقة بالإسلام السياسي.
 
أكثر من هذا، وهبي هو المرشح الوحيد الذي استطاع ربما أن يفك لغز هذه العلاقة بين الدين والسياسة عندما لمح في تصريح صحفي إلى أن الإسلام السياسي ليس عائقا في بناء الوطن لأن إمارة المؤمنين هي نفسها إسلام سياسي.
 
وفعلا إن الأمر كذلك والراحل الحسن الثاني سبق له أن ذهب أبعد من ذلك عندما قال في مناسبة ما: "أنا من يفسر الدين".
 
والتفسير هو وجهة نظر وهو رأي وهو ترجيح خيار على آخر وهو أيضا سلوك سياسي صرف خاصة إذا كان المفسر رئيس دولة يتخذ القرارات ذات الصلة بأرزاق الناس وحياتهم ومصيرهم.
 
نعم قد تصبح علاقة الدين بالسياسة مشكلا وعائقا لكن عندما يسمح الفاعل السياسي لنفسه بقراءة النص الديني قراءة منغلقة تضع الدين والتدين في خانة واحدة ويتحول البشر حينها الى آلهة يعبدون من دون الله.
 
وهناك أيضا مرشح آخر ضمن هؤلاء المرشحين الخمسة بدا لي هو بدوره منظما ومتناسقا في ما يطرحه من أفكار وآراء ولو على استحياء. 
 
وأتحدث هنا عن سمير بالفقيه. إنه شاب بنظافة يد لا يشك فيها أحد. وهو أيضا أستاذ جامعي بدأ مشواره السياسي مع تأسيس البام.
 
صحيح من الصعب أن نعطي تكهنات حول حظوظ سمير بالفقيه في هذا السباق المؤدي الى كرسي الأمانة بالعامة للحزب لكن لدي إحساسا أن هذا الشاب أربك بعض الحسابات وخلق بعض الانزعاج.
 
وأنا أنهي هذا المقال، دعوني أعترف أني فوجئت يترشح الشيخ بيد الله من جديد إلى الأمانة العامة للحزب لأن الرجل قال مرارا وتكرار إنه لن يحضر أبدا إلى مؤتمر يرأس لجنته التحضيرية شخص كان يأتي له بالتقارير عن الأحزاب عندما كان عاملا في آسفي.
 
وحتى بنشماش نفسه فاجأني لأني لم أكن أتوقع أن يجمع السيد أنصاره والمقربين منه ليطلب منهم دعم بيد الله في مواجهة وهبي.
 
بنشماش اختار دعم بيد الله في هذا السباق على الرغم من أن العلاقة بينهما كانت دائمة علاقة "عداء وخصومة وكلاشات وضربات تحت الحزام".
 
بل إن الشجارات والاشتباكات اللفظية والملاسنات الحادة بين الرجلين كادت أن تتطور في بعض الأحيان إلى مستوى اللجوء إلى "شرع اليد".
 
ويسجل التاريخ في هذا السياق أن بنشماش، الذي كان وقتها يشتغل تحت إمرة إلياس، نزع معطفه، ذات اجتماع من اجتماعات المكتب السيلسي، و"قصد" بيد الله وكاد أن "يقجه" أو يطرحه أرضا لولا تدخل بعض الحاضرين.
 
لكن كل هذا الذي تحدثنا عنه يبقى في النهاية مجرد سياسة. وفي السياسة ليست هناك عداوات دائمة ولا صداقات دائمة وإنما هناك مصالح دائمة. 
 
ومع ذلك نتمنى كل التوفيق والنجاح لمناضلي البام في مؤتمرهم المقبل الذي سيحضر جلسته الافتتاحية وفد عن البيجيدي وأيضا ضيوف من داخل المغرب وخارجه.
إقرأ أيضا