غير بالفن

بنموسى ومن معه.. كلما جاءت لجنة "لعنت" أختها...!

13/12/2019 10:34
مصطفى الفن
قد تكون تركيبة لجنة النموذج التنموي، التي تم الإفراج عنها أمس من طرف الملك محمد السادس، ضمت أسماء محترمة ومشهودا لها بالكفاءة والنزاهة والالتزام والاستقامة...
 
وهذا صحيح ولا ينكره إلا "عدمي" أو صحافي مستقل يمتهن زرع التيئيس والتبخيس والتسفيه مثلما يفعل زميلي سليمان الريسوني سامحه الله أو لا سامحه الله.
 
لكن قضية "الالتزام" تبقى، بالنسبة إلي، مجرد تفصيل صغير في مهمة كبيرة لها علاقة بنموذج تنموي لبلد بكامله.
 
لماذا؟
 
لأن بعض هذه الأسماء الملتزمة الموجودة بهذه اللجنة سبق لها أن تحملت أو لازالت تتحمل الى الآن مسؤوليات حساسة في مؤسسات الدولة وحتى في أعلى هرم الدولة. 
 
بل هناك في هذه اللجنة من كان رئيس حكومة ومن كان وزيرا لأم الوزارات ويشتغل تحت امرته كل ولاة وعمال المملكة وفيها من كان رئيسا في أكثر من مؤسسة دستورية وفيها من كان في أكثر من مجلس سيادي؟
 
فماذا ترك كل هؤلاء من بصمات سوف يذكرها لهم التاريخ أو تذكرها لهم الأجيال اللاحقة؟ 
 
لا شيء تقريبا، بل إن بعضهم كان له، مع الأسف، جزء من المسؤولية المباشرة في فشل النموذج التنموي القديم.
 
وحتى الشارع المغربي لا يحتفظ لبعض هؤلاء المعينين في هذه اللجنة بأي ذكرى حانية تشفع لهم بأن يكونوا من جديد في لجنة لنموذج تنموي جديد.
 
صحيح أن التفاؤل هو بداية الحل لأي أزمة..
 
 لكن الإفراط في التفاؤل، وسط نسق سياسي معقد وربما "يفرمل" الإصلاح ولا دور فيه للمنتخب، هو ليس عملية تضليل للناس وتسطيح وعيهم فحسب.
 
بل إن الأمر ربما أكبر من ذلك  بكثير.
 
ولا أبالغ إذا قلت إن هذا النوع من التفاؤل سيقود لا محالة إلى الذي هو أسوأ وهو ربما استنفاد آخر ما تبقى من منسوب الثقة بين مؤسسات الدولة والمجتمع.
 
شخصيا لم أفهم مثلا كيف أن عملية تلميع "بيع العجل"، عقب الإعلان عن ميلاد هذه اللجنة، انخرطت فيها حتى بعض النخب وقشدة المجتمع وزبدته..
 
وقع كل هذا، على الرغم من أن مهمة النخب وأهل العلم والمعرفة هي التساؤل وهي الشك وهي الاستدراك وهي تنسيب الفعل البشري وهي التحفظ وهي التحذير وهي دق ناقوس الخطر..
 
لأننا، والحالة هذه، في لحظة تفكير جماعي في نموذج تنموي جديد لبلد ممتد في الزمن اسمه المغرب ولسنا في حفل زفاف ومصاهرة والعروس بنت الناس والعريس أيضا. 
 
 والواقع الذي لا يرتفع هو أن لجنة شكيب بنموسى لن تكون ربما إلا لجنة ستأتي بعدها لجان كثيرة.
 
وربما قد تتكرر نفس السيناريوهات ونفس اللجان بصيغ أخرى، وكلما جاءت لجنة "لعنت" أختها، وهكذا ذواليك إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا.
 
وأكيد سنسمع لهذه اللجنة جعجعة في البر والبحر لكن لن نرى لها ربما طحينا ينفع الناس ويمكث في الأرض.
 
وبالطبع، ليس عيبا أو عائقا أن تكون لنا لجان بصلاحيات محددة في الزمان والمكان والمهام..
 
 لكن الطريق نحو أي نموذج تنموي "ناجح" يمر بالضرورة عبر مطبخ السياسة وليس عبر قتل رجل السياسة والمشي في جنازته وتقديمه للناس كما لو أنه هو أصل مصائب الدنيا والآخرة.
 
وظني أنه كان ممكنا للمغرب أن يربح كثيرا من الزمن السياسي..
 
 وكان ممكنا أيضا أن نقطع أشواطا بعيدة في معركة التنمية خاصة مع أحزاب الحركة الوطنية مهما كانت مؤاخذاتنا عليها.
 
أي مع الاتحاد الاشتراكي ومع عبد الرحمن الوسفي ومع حزب الاستقلال ومع امحمد بوستة ومع التقدم والاشتراكية ومع كثير من قادته النزهاء بل حتى مع البيجيدي في عهد بنكيران.
 
ويا لهذه المفارقة:
 
إذا كان المغرب فشل بالأمس في كسب رهان التنمية مع أحزاب وطنية من لحم وشحم بأمثال اليوسفي وبوستة وبنكيران..، فكيف سنكسب هذا الرهان مع أحزاب هي اليوم مجرد نباتات بلاستيكية معلقة على جدران السلطة؟
 
لماذا أقول إن أقصر مسافة تؤدي رأسا الى نموذج تنموي "ناجح" هي السياسة وإعادة الاعتبار لرجال السياسة ونساء السياسة؟ 
 
السبب بسيط جدا لأن السياسي هو الفاعل الوحيد الذي يستطيع أن يعلق الجرس في اللحظات الصعبة وفي لحظات الخوف والشدة وفي لحظات التيه والتردد.
 
وعملية "تعليق الجرس" هي رؤية وإلهام و"كاريزما" ودور سياسي من اختصاص السياسي لوحده وليست عملية تقنية يمكن أن يقوم بها أي تكنوقراطي سواء كان بنموسى أو بنعيسى.
 
 أما أعضاء هذه اللجنة فلا أحد منهم يستطيع ربما أن يحمل الهاتف ليتصل بملك البلاد في أي قضية حتى لو كانت هذه القضية تهم مصير البلاد والعباد.
 
بقي فقط أن أقول. كلنا يتذكر، في فترة سياسية ما، كيف أن الأحزاب السياسية كانت تطالب لنفسها بصلاحيات الملك وبصلاحيات المؤسسة الملكية..
 
 أما اليوم فهناك ربما من يدفع في اتجاه أن تأخذ المؤسسة الملكية حتى ما تبقى من صلاحيات الأحزاب السياسية.
 
وهذا المنحى لا يخلو من "مغامرة" لأن المؤسسة الملكية لن تتقوى في مغرب بمشهد سياسي هش وأحزاب ضعيفة وشارع غاضب. 
 
أخشى أن يكون هؤلاء الذين يدفعون في هذا الاتجاه لا يعرفون ربما عن المغرب ولا عن المغاربة ولا حتى عن تاريخ ملوكهم إلا اللمم.
 
آه، نسيت أن أتساءل. إذا كانت لجنة بنموسى قادرة على وضع المغرب على سكة التنمية الصحيحة، فما الجدوى اليوم من استمرار حكومة العثماني؟