غير بالفن

الدولة والبيجيدي.. الحذر متواصل من الحزب "الحاكم" في المغرب

28/11/2019 13:17
مصطفى الفن
قامت الدنيا وسط وزارة الداخلية، وربما حتى وسط بعض الأجنحة العميقة للدولة، دون أن تقعد إلى حد الآن رغم مرور أكثر من 20 يوما على واقعة وقعت  يوم ال8 من نونبر الجاري داخل قبة البرلمان.
 
وجاء في تفاصيل هذه الواقعة أن برلمانيا من البيجيدي طرح سؤالا "سياسيا" على الوزير الثاني في أم الوزارات نور الدين بوطيب وضع هذا الأخير ومعه "ولاة وعمال صاحب الجلالة" في حرج حقيقي.
 
أما برلماني البيجيدي، أو بالأحرى، بطل هذه الواقعة فليس إلا مصطفى الحيا الذي سمى الأشياء بمسمياتها وسأل الوزير بمنسوب عال من السياسة عن الوظيفية الدستورية للولاة والعمال أمام أعضاء لجنة الداخلية أجمعين. 
 
ولم يقف الحيا عند هذا الحد، بل إنه حرك المقص بقوة داخل الجرح وقال أيضا للوزير بوطيب، أمام ذهول الجميع، إن الولاة والعمال أفرغوا السياسة من معناها  وحولوا المنتخب الى مجرد تقني.
 
الحيا لمح أيضا في مداخلة من 10 دقائق إلى أن الولاة والعمال هم أيضا جزء من المشكل لأنهم يبخسون السياسة ويتدخلون في كل شيء ويعرقلون المشاريع ويعرقلون كل شيء. 
 
صحيح أن الحيا لم يقل هنا كلاما خطيرا أو أنه ارتكب أفعالا ذات طابع جنائي تستوجب المتابعة القضائية لأن ما قاله هذا البرلماني عن الولاة والعمال لا يعدو أن يكون كلاما في السياسة لا غير.
 
ثم إن هذا الكلام عن الولاة والعمال قيل داخل قبة البرلمان وداخل لجنة نيابية ومن طرف برلماني يتمتع بالحصانة.
 
بمعنى أن الحيا يمثل جزءا من المواطنين ومن حقه أن بعبر عن آرائه السياسية في القضايا التي تشغل بال الناس.
 
لأن البرلمان هو المكان الطبيعي للنقاش السياسي ولممارسة السياسة المسؤولة والتداول في كل شيء يهم الوطن والناس.
 
أما إذا خلا البرلمان من السياسة فإن المغاربة سيمارسونها في أماكن أخرى وفي أرض الله الواسعة وفي ملاعب الكرة و"في بلادي ظلموني" و"عاش الشعب" مع ولد لكرية ولكناوي ولزعر.
 
لكن ماذا وقع للزغبي مصطفى الحيا بعد هذا الكلام الذي لمح فيه الى "تغول" الولاة والعمال بحضور الوزير بوطيب ومعه الكثير من الولاة والعمال الذين كانوا برفقته؟ 
 
لقد وقع ما لم يكن في الحسبان. 
 
إذ لم تمر سوى 10 أيام، أو أقل، عن مداخلة الحيا بالبرلمان حتى أرسلت وزارة الداخلية لجنة تفتيش إلى مقاطعة مولاي رشيد التي يرأسها الحيا نفسه.
 
 أي أن الداخلية "اختارت" الحيا لوحده من ضمن 16 رئيس مقاطعة يوجدون هنا بالدار البيضاء لكي "تحقق" معه في "اختلالات" المقاطعة التي يدبر شؤونها حتى لا يتجرأ مرة أخرى على طرح مثل هذه الأسئلة المحرجة.
 
وهذه سابقة نادرة أن يرد مسؤولو الداخلية على برلماني طرح سؤالا عاديا بإرسال لجنة غير عادية الى مقاطعته فقط لإظهاره أمام الساكنة وأمام ناخبيه كما لو أنه سارق وجدوا "صواع الملك" المفقود في رحله.
 
المهم في هذا كله هو أن كلام الحيا عن الولاة والعمال لم يعد، وفق ما علم موقع "آذار"، قضية شخص برلماني وإنما تحول الى قضية حزب والى قضية يوليها العثماني شخصيا اهتماما بالغا.
 
بل إن قضية الحيا مع الولاة والعمال ولجنة التفتيش التي حلت بمقاطعة مولاي رشيد نوقشت داخل مختلف الأجهزة القيادية للبيجيدي بما في ذلك أمانته العامة.
 
وكادت هذه القضية أن تعرف تطورات مثيرة لأن الحيا تراجع ربما في اللحظات الأخيرة على تنفيذ شكل احتجاجي نوعي كان متوقعا أن تشهده جلسة برلمانية أمام الكاميرات التلفزية وأمام الصحافة والصحافيين.
 
وكان منتظرا أيضا أن يذهب الحيا الى حد تنظيم ندوة صحفية وربما وضع "كمامة" على فمه احتجاجا على الداخلية وعلى "انتقائيتها" وعلى "مزاجيتها" في التفتيش فقط لأنه عبر عن رأيه.
 
ويبدو أن وزارة عبد الوافي لفتيت لم تنس للحيا بعض "سوابقه" وعناده في الكثير من الملفات ذات الحساسية الخاصة لا سيما أن المعني بالأمر هو واحد من صقور الحزب وهو أيضا محسوب على جناح بنكيران.
 
وربما يعرف الجميع أن الحيا لم يكتف فقط ب"توقيف البيضة في الطاس" في ملفات ليديك والشأن المحلي بالدار البيضاء وإنما ذهب أبعد من ذلك الى درجة أنه أحرج الوزير لفتيت شخصيا أكثر من مرة داخل لجنة الداخلية نفسها.
 
فما أن ينهي لفتيت حديثه عن إنجازات وزارته حتى يرد عليه الحيا بالقول وبغير تردد: "لكن معالي الوزير، لقد نسيت أن مسيرة ولد زروال هي أيضا من إنجازات وزارتكم..".
 
ويحكي بعض الذين حضروا اجتماعات هذه اللجنة النيابية كيف أن الحيا عاتب عبد الوافي لفتيت على إقحام المقدمين والشيوخ ورجال السلطة في تنظيم تلك المسيرة ل"طرد بنكيران من الصحراء".
 
لأن المقدمين والشيوخ ورجال السلطة أجمعين بالنسبة إلى الحيا هم مصدر ثقة المواطنين ولا ينبغي أن تقحمهم الداخلية في مشاريعها وأجنداته لتسفيه عمل السياسيين والمنتخبين.
 
ومع ذلك لا ينبغي أن نفهم من واقعة الحيا مع الولاة والعمال كما لو أنها واقعة معزولة مع برلماني بعينه.
 
وظني أن هذا الذي وقع اليوم مع الحيا ليس حدثا معزولا وإنما هو نقطة في بحر استراتيجية قديمة لدى جزء من الدولة يتوجس ربما من كل الفاعلين السياسيين ويعتبر إضعافهم هو بمثابة تقوية للمؤسسة الملكية.
 
وما الأمر كذلك على الإطلاق لأن إضعاف الفاعل الحزبي والسياسي وإضعاف النقابات وإضعاف الهيئات المدنية والحقوقية الجادة وإضعاف الصحافة المستقلة هو بالتأكيد ليس إلا إضعافا للدولة نفسها ومؤسساتها. 
 
ولا أبالغ إذا قلت إن إضعاف الفاعل السياسي قد يساهم ربما في تسريع وتيرة "الاصطدام" بين الشارع وبين الدولة والمؤسسة الملكية نفسها.
 
نقول هذا رغم أن وظيفة الحزب السياسي ليس هو الوساطة أو لعب دور "البارشوك" بين السلطة والمجتمع فقط، وإنما وظيفته هي الوصول إلى السلطة وممارستها فعليا. 
 
وهذا التوجس والحذر، الذي تبديه الدولة تجاه الفاعل السياسي، وقع أيضا في وقت سابق مع حزب الاستقلال رغم أن حزب "ازدي"علال الفاسي، الذي ارتبط اسمه بتاريخ المغرب، كان جزءا من الدولة وكان امتدادا لبنيتها الإدارية والمخزنية.
 
كما وقع هذا التوجس والحذر أيضا مع الاتحاد الاشتراكي ومع حزب التقدم والاشتراكية ومع مختلف الأحزاب الوطنية المستقلة في قرارها السياسي.
 
أكثر من هذا، لقد لاحظنا كيف أن الدولة لم تعد تثق في الاتحاديين إلا بعد أن أصبح الاتحاد أقرب إلى "نبتة بلاستيكية" بلا روح وبلا حياة وبلا قوات شعبية وبكاتب أول هو اليوم، في نظر الناس، مجرد خادم من خدام الدولة.  
 
ماذا يعني هذا؟
 
هذا معناه أن التوجس والحذر هو ثابت من الثوابت غير المكتوبة في الدستور في علاقة الدولة بالفاعل السياسي.
 
 وهذا معناه أيضا أن مثل هذه الضربات تحت الحزام الموجهة ضد الحزب "الحاكم" في المغرب وضد رموزه وقادته مرشحة للارتفاع والتزايد مع قرب انتخابات 2021.
 
وبالطبع هذا متفهم في ساحة لا يوجد فيها سوى ملياردير يصرف أموالا كثيرة ويتحرك كثيرا ويتحدث كثيرا دون أن يقول شيئا في السياسة ينفع الناس ويمكث في الأرض.