غير بالفن

عاش الشعب أم عاش الملك؟

09/11/2019 22:26
مصطفى الفن
"الراب" والموسيقى والغناء والرقص ومعها باقي الفنون الأخرى تبقى في نهاية المطاف أذواقا وميولات شتى والناس فيما يعشقون مذاهب .
 
وأعترف أن أغاني الراب لا تطربني حتى لا أقول إنها تزعجني و"توترني" وتجعل مني كائنا غاضبا مستعدا للشجار والاشتباك بالأيدي مع أي شخص.
 
وأنا هنا لا أبالغ.
 
والواقع أن عبد ربه ما اعتبر، يوما ما، "الراب" لونا غنائيا أو أن الذي يغني مثل هذه الأغاني المؤذية لطبلة الأذن هو أيضا يمكنه أن يكون فنانا ومبدعا له جماهير ومعجبون ومعجبات.
 
"الراب"، بالنسبة إلي كان ولا يزال، يمكن أن يكون أي شيء آخر إلا أن يكون فنا قائما بذاته.
 
وهذا ليس موقفا أخلاقيا أو عدميا من "الراب" ومن رواد هذا الفن وعشاقه ومحبيه.
 
كل ما في الأمر هو أن فطرتي ترفض الاستماع الى هذا النوع من الغناء دون أن أعرف السبب ودون أن أجد أي تفسير مقنع في مخزوني الثقافي لأبرر به هذا الرفض.
 
التفسير الوحيد الذي وجدت هو أن هذه "العيوط"،   التي أستمع إليها يوميا وفي أي وقت وبلا سياق، هي المسؤولة ربما عن هذا "الانحراف" الذي طال "ذوقي الفني".
 
ثم إن الراب وما شابهه من هذه الأغاني "الخاسرة" لم يكن شيئا مذكورا في المغرب قبل ربما 20 سنة.
 
وربما كان من غير الممكن أن يكون للراب ولهذه الألوان الغنائية موطئ قدم تحت شمس المملكة لولا انفتاح جزء من الدولة على بعض رموز هذا الفن.
 
ولم أخف يوما أني انزعجت من توشيح "رابور" مثل "البيغ" أو غيره من أمثال هؤلاء "الفنانين" وأشباههم بالأوسمة الملكية حتى أن فنانة، ولو أنها ليست "رابورة"، وشحت مرتين في أقل من سنة واحدة.
 
لماذا؟
 
لأن الوسام الملكي، في نظري، تصبح له قيمة مزدوجة من قيمة وهوية الشخص الذي يمنح له وماذا قدم وماذا أعطى وماذا أسدى للبلاد من خدمات وماذا سوق عنها من صور مشرقة؟.
 
 أما أن يمنح هذا الوسام لأي كان ولشخص يطلق على نفسه لقب "الخاسر" ويغني أغاني "خاسرة" وخادشة بالحياء العام أمام أطفال في عمر الزهور فهذا فيه ربما مس بهيبة الرموز المشتركة بين المغاربة.
 
ولازلت الى حد الآن ضد هذا الاحتفاء الرسمي المبالغ فيه بالرداءة وبأشباه الفنانين مقابل هذا التهميش "المنهجي" في حق فنانين ومبدعين كبار أعطوا كثيرا للأغنية المغربية وللمغرب دون أن يأخذوا أي شيء من خيرات الوطن. 
 
وظني أن هذا الاحتفاء الرسمي بالفنانين الوهميين هو الذي يزرع اللبس ويضبب الرؤية لدى الفنانين الحقيقيين ويدفعهم الى التوقف عن العطاء والإبداع.
 
وبالفعل، فنحن اليوم في شبه مأزق اختلطت فيه السياسة بالفن واختلف الناس في الحدود الفاصلة بينهما وبين حرية الإبداع والتعبير وبين الانتقاد المشروع للمؤسسات وبين السب والقذف والشتم.  
 
والسبب هو أن ثلاثة "رابورات" غاضبين (لكناوي ولزعر وولد لكرية) خرجوا بأغنية بمضمون سياسي صادم واختاروا لها عنوانا رفع منسوب الصدمة عاليا:
 "عاش الشعب". 
 
نعم إن الأمر كذلك لأن هذا العنوان له حمولة سياسية قوية ويوصل رسالة بمضمون صدامي يوحي بأن هناك معركة تدور بين طرفين. أحدهما يقول: "عاش الشعب" والأخر يقول "عاش الملك".
 
وهذا غير صحيح على الإطلاق لأن حل هذه المعادلة ليس هو أن يموت طرف ليعيش الآخر.
 
 الحل هو رؤية وهو مشروع وهو وطن واحد يتسع للجميع بهذا الأفق: "عاش الملك وعاش الشعب". 
 
أكثر من هذا، لكناوي ولزعر وولد الكرية لم يعودوا، اليوم، مجرد أراذل أو اشمكارية بادي الرأي بعد هذه الأغنية التي عبروا في بعض مضامينها عن آمال وطموحات ومواقف فئات واسعة من المغاربة ضد تغول الفساد وضد مظاهر التهميش وضد الحكرة. 
 
وأنا أقول هذا لأن هذه الأغنية أثارت، في بعض مضامينها، حقائق سياسية واجتماعية ثابتة فوق الأرض ولا يمكن إخفاؤها بالغربال.
 
وربما لهذا السبب انتشرت الأغنية كالنار في الهشيم وشاهدها تقريبا نصف الشعب بجميع فئاته ونخبه ومسحوقيه ومهمشيه.   
 
صحيح أن هذه الأغنية تضمنت مقاطع هي أقرب بكثير إلى "الوقاحة" منها إلى الجرأة لأن السب والقذف والشتم أفعال تجرمها كل القوانين وكل الدساتير في كل أنحاء الدنيا.
 
وأنا أستنكر، بلا تردد، هذه "الوقاحة" ولن أقبل أبدا بالسب والشتم والقذف خطا تحريريا أو رؤية في التفكير.
 
لكن علينا ألا ننسى أن هؤلاء الشباب هم في الأصل ضحايا دولة قبل أن يكونوا ضحايا لأنفسهم، وهم أيضا ضحايا سياسات عمومية تبدو كما لو أنها وضعت على مقاس بضعة أشخاص لافتراس البسطاء من الناس.
 
وعلينا ألا ننسى أيضا أن هؤلاء الشباب هم أيضا ضحايا لهذه السنوات الطويلة من التهميش والحرمان والعزلة والإقصاء الاجتماعي المدمر للكرامة الإنسانية.
 
لأنه ما معنى أن تتحدث الدولة عن مشاريع التشغيل الذاتي وعن الميزانيات الضخمة المخصصة لمشاريع ملكية هامة مثل المبادرة الوطنية للتنمية البشرية دون أن يستفيد من هذه المشاريع أمثال هؤلاء الشباب المهمشين؟.
 
وما معنى أن يصطدم هذا المشروع الملكي الخاص بالمبادرة الوطنية للتنمية البشرية بالحائط وتتبخر ملاييره في الكثير من المشاريع الفاشلة دون أن نسائل لو واليا أو عاملا واحدا لعلنا نعرف سبب هذا الفشل؟
 
وما معنى أن يستفيد صاحب ثروة لا تغرب عنها الشمس، مثل أنس الصفريوي، الذي شوه جمالية المعمار المغربي، من أراضي الدولة بدرهم رمزي خارج طلبات العروض وخارج القانون المنظم للصفقات العمومية؟
 
وما معنى أن يستفيد ملياردير آخر مثل عزيز أخنوش، كما لو أنه أرملة غلبها الزمان، من أموال الدعم المخصص لصندوق المقاصة بعد أن ربط مشاركته في حكومة بنكيران بضرورة توقيف أي دعم للفئات الهشة من المغاربة؟
 
وأنا أسوق هذه الأمثلة لأذكر فقط بأن ما قاله هذا الثلاثي الشبابي في بعض مضامين أغنيتهم عن الحكرة وعن الفساد وعن التهميش ليس جديدا يقال لأول مرة.
 
بل إن مثل هذا الكلام حول الفساد قيل مبكرا في افتتاحيات جريدتي الاتحاد الاشتراكي وليبراسيون مع عبد الرحيم بوعبيد وعبد الرحمن اليوسفي واليازغي والأشعري والكحص عندما كان الاتحاد اتحادا.
 
كما قيل مثل هذا الكلام في افتتاحيات "العلم" ولوبينيون" مع امحمد بوستة وعبد الكريم غلاب وعبد الجبار السحيمي قبل أن يختطف الحزب وجرائده من أهله ومناضليه ليسلم إلى وافدين جدد لا يعرفون عن تاريخ الحزب أي شيء .
 
ثم جاءت، فيما بعد، "لوجورنال" و"الصحيفة" مع بوبكر الجامعي وجاءت أيضا مجلة "دومان" مع علي المرابط وجاءت مجلة تيل كيل مع أحمد رضى بنشمسي وقالوا  جميعا نفس هذا الكلام وزيادة.
 
صحيح أن كل هؤلاء تحدثوا عن بعض المواضيع الحساسة وعن بنية الفساد وبؤره العميقة بحدة وجرأة عالية لم يتقبلها الوضع المؤسساتي للبلد، لكنهم فعلوا كل هذا بلغة خالية من السب أو الشتم أو القذف.
 
وحتى بنكيران تحدث هو بدوره كثيرا عن "الفساد" وعن مخاطره وهو وقتها رئيس حكومة وحذر من أن يتحول المغرب الى دولتين: "دولة رسمية وأخرى تصدر القرارات والتعيينات".
 
وماذا كانت النتيجة؟
 
لقد تم إعفاء بنكيران ليجد نفسه بلا حزب وبلا أي شيء قبل أن ينفض الجميع من حوله ولم يبق معه سوى سائقه الخاص فريد تيتي.
 
إذن فأغنية "عاش الشعب" لم تحمل أي جديد يكتشفه المغاربة لأول مرة. لكن الجديد هو مسارات وهويات أصحاب هذه الأغنية وانتماءاتهم الاجتماعية.
 
غير أن حدث هذه الأغنية هو مناسبة أيضا للعقل العلمي المغربي لكي يتساءل بهدوء: 
 
هل كان من الممكن أن يصبح ولد الكرية ومعه لزعر ولكناوي نماذج شبابية تقتدى لولا هذا الفراغ القاتل للأحزاب وللنقابات وللصحافيين وللحقوقيين وللفنانين وللكتاب وللمثقفين ولكل الأصوات المستقلة؟
 
وبالفعل، ما كان لولد الكرية أن يصبح "نجما" لو لم تخل الساحات من كل هؤلاء الوسطاء الذين كانوا ينتقدون برزانة وبأدب وبعمق وباحترام للقانون وللمؤسسات سواء اتفقنا أو اختلفنا معهم.
 
ومع استمرار هذا الفراغ القاتل فعلينا أن ننتظر الأسوأ لأن المقاربة الأمنية قد تكون حلا ظرفيا لمشكل أو جرم طارئ ارتكبه شخص ما..
 
 لكنها ليست حلا ناجعا لمشاكل شعب معظم شبابه عاطلون أو معطلون عن العمل ولا يصلهم من ثروة البلد أي سنتيم.
 
وحسنا فعلت النيابة العامة عندما لجأت إلى سلطة الملاءمة في قضية أغنية "عاش الشعب" وتعاملت معها ربما كشكل من أشكال التعببر عن الرأي ولم تأمر باعتقال أصحابها باستثناء واحد منهم هو لكناوي الذي قيل إن اعتقاله كان بسبب قضية أخرى.
 
لكن اللافت في هذا كله ورغم أن هذه الأغنية خلقت الحدث رقم واحد في المغرب ورغم أنها تضمنت مقاطع فيها "سب" وفيها "تطاول" على مؤسسات ورموز تحظى بالوقار والاحترام الواجبين بمقتضى الدستور.
 
رغم كل هذا، إلا أن العديد من الساسة والسياسيين اختاروا صمت القبور و"ضربوها بسكتة" كما لو أنهم غير معنيين بما يقع من حولهم.
 
شخصيا كنت أتمنى ألا يتحدث السي عزيز أخنوش، الذي أطل علينا لأول مرة بفيديو على "الأنسترغرام"، عن برنامجه الحزبي الخاص ب"100 يوم 100 مدينة".
 
كان عليه أن يتحدث عن حدث هذه "الأغنية" ليستنكر مقاطع القبح فيها خاصة أنه يقول إنه صديق للملك أم أن صورته كرئيس حزب هي أولى بالتلميع من صورة رئيس الدولة؟
 
ثم إن أخنوش وأمثاله هم معنيون مباشرة بمضامين الأغنية وبسؤال: "أين ااثروة" ولماذا لم يستفد منها جميع المهمشين"؟ 
 
كما تمنيت أن أقرأ تصريحات وبلاغات لأحزاب ولسياسيين ونقابيين تطمئن الناس وتساعدهم على الفهم وعلى وضع حدث هذه الأغنية في سياقه وحجمه وتطويق تداعياته المحتملة.
 
لأن أغنية "عاش الشعب" غطت على كل الأنشطة الرسمية الخاصة بالصحراء وشوشت على جميع الاحتفالات التي شهدها المغرب يوم 6 نونبر بمناسبة ذكرى المسيرة الخضراء بما فيها الخطاب الملكي.
 
أليست وظيفة الحزب السياسي هي تأطير المواطنين وتوعيتهم ودمجهم في الحياة العامة والمساهمة والتفكير في إيجاد حلول لمشاكلهم وضبط تطلعاتهم لتكون أكثر عقلانية وأكثر تنظيما وأكثر واقعية؟
 
أم أن السياسيين عندنا هم مجرد خدام دولة (لشكر نموذجا) ولا يهمهم من الأحزاب إلا الاستفادة من أراضي الدولة ومن المال العام ومن المناصب ومن الكراسي الوثيرة؟
 
فماذا ينتظر الساسة وأحزابم ونقاباتهم لكي يتحركوا وهم يرون ألسنة النيران تمتد إلى خيمة الوطن لأن سب الملك في أغنية شاهدها ملايين الناس هو منتهى القبح ولم يعد ينقصه سوى إحراق صوره في الساحات العمومية؟
 
صحيح أن هذا "القبح"، الذي أصبح يتجه ليتخذ شكل أفكار وآراء ووجهات نظر، هو أكبر من أن تتحمل مسؤوليته الأحزاب لوحدها أو حتى باقي مؤسسات التنشئة الاجتماعية.
 
لأنه حتى بعض الأجنحة والأصوات المحسوبة على السلطة هي أيضا مسؤولة عن نشر وتمجيد هذه الكراهية الممتدة في كل اتجاه وسط المغاربة.
 
وكلنا يتذكر تلك "الواقعة" التي جيء فيها بتلاميذ أمام البرلمان ليس للاحتجاج المشروع ضد إضافة ساعة الى التوقيت المغربي وإنما لسب سعد العثماني وشتم والدته بكلمات نابية.
 
وعوض أن ننتفص جميعا ضد ذلك السب العلني لأن العثماني مؤسسة والرجل الثاني في هرم الدولة بعد الملك وليس فقط مجرد شخص فإن هناك من فضل المكاسب السياسية الصغيرة وانشرح صدره لما وقع كما لو أن ما وقع هو "نصر مبين".
 
وهذه النظرة الضيقة لماهية السياسة هي التي تقتل السياسة وتقتل الأحزاب وتقتل الأحلام وتقتل كل شيء يتحرك فوق الأرض. 
 
وعندما تموت السياسة تنفتح أبواب جهنم على مصراعيها أمام المجهول وأمام ما هو أسوأ وهو الاصطدام الحتمي بين الشارع والدولة ورموز الدولة وثوابت الدولة.
 
وربما هذا هو واقع الحال في ساحتنا المغربية التي توارت فيها السياسة الى الخلف ولم نعد نرى فيها بالعين المجردة أي حزب عدا وزارة الداخلية وبعض ما تبقى من البيجيدي قبل أن ينضاف إليهم هذه الأيام ولد الكرية ومن معه بأغنية "عاش الشعب".
 
وأنا أنهي هذه المقالة، تذكرت اللحظة أني حضرت قبل بضعة أشهر دردشة جمعت الاستقلالي السي محمد الوفا بمسؤول أمني كبير أثير فيها نقاش حول مدى مسؤولية الدولة في إضعاف الأحزاب.
 
الوفا لمح الى هذه المسؤولية بأناقة وهو يقول لهذا المسؤول الأمني الكبير : 
 
"الدولة يمكنها أن تؤسس حزبا مثل التجمع الوطني للأحرار.
 
 والدولة يمكنها أن تؤسس حزبا مثل الاتحاد الدستوري والدولة يمكنها أن تؤسس حزبا مثل الأصالة والمعاصرة.
 
لكنها لا يمكنها أن تؤسس حزبا مثل حزب الاستقلال أو الاتحاد الاشتراكي أو العدالة والتنمية". 
 
انتهى كلام الوفا ذكره الله بخير لكن الرسالة وصلت بوضوح تام واستيقنها قلب المخاطب جيدا وكاتب هذه السطور أيضا.
إقرأ أيضا