غير بالفن

دردشة في السياسة مع "ولد لعروسية"

26/09/2019 16:35
مصطفى الفن
بقال إن الطبيعة لا تقبل الفراغ لكن علينا ألا ننسى ما هو أهم وهو أن هذا الفراغ صنعناه بأيدينا وليس "عقابا" ربانيا نزل من السماء.
 
وعندما يهيمن الفراغ وتخلو الساحات من الرموز ومن النجوم ومن الزعامات ومن الشخصيات ومن النماذج الملهمة فإن الناس تتشبث بأي شيء لعلها تشعر بالتوازن ولو في واقع مائل.
 
وأعترف أن هذا هو الانطباع الذي عشته شخصيا عقب نزول بلاغ الديون الملكي الأخير الذي استفسر فيه ملك البلاد رئيسنا في الحكومة سعد الدين العثماني حول مصير التعديل الوزاري وحول البحث عن الكفاءات.
 
وفعلا فعندما نزل هذا البلاغ اتصلت بأكثر من مسؤول حكومي وبأكثر من مسؤول سياسي لكني لم أجد أي  معلومة ولم أجد أي جواب لأسئلتي العالقة إلى حد الآن.
 
بل لا أبالغ إذا قلت إني لم أجد سياسيا واحدا يمكنه أن يتحدث بجرأة عبد الرحيم بوعبيد أو امحمد بوستة وبلا تحفظ وبلا خطوط حمراء عن معنى الاستفسار الملكي وعن خلفيات التعديل الحكومي وتوقيته.
 
نعم يوجد حاليا سياسيون كثيرون لا تغرب عنهم الشمس لكن ربما ليست بينهم راحلة واحدة يمكن أن تفي بالغرض وتنتج المعنى وتقول ما ينفع الناس ويمكث في الأرض.
 
وهذا وحده عامل كاف يشعرك بالإحباط وباليأس وبفقدان المناعة والشهية خاصة في هذه الظرفية السياسية الصعبة التي تجتازها بلادنا اليوم.
 
نعم إنها ظرفية صعبة وتحتاج الى الكلام وليس الى الصمت لأن عنوانها العريض هو موت الأحزاب وموت السياسة وموت السياسيين وموت كل شيء كان إلى أمس قريب ينبع بالحياة ولو في حدود متواضعة.
 
ولن أتحدث عن الصحافة لأن جرحي عميق.
 
لكن ولأني ما استسلمت يوما ما لليأس ولا لليائسين، فقد كان لزاما علي أن أداوي ذاتي الجريحة بالتي كانت هي الداء.  
 
أتدرون ماذا فعلت؟
 
لقد اتصلت بالبرلماني السابق نجيب رفوش المعروف ب"ولد العروسية"، الذي كان قبل احتجاجات الربيع العربي هو الحاكم الفعلي لمراكش بلا شواهد وبلا ديبلوم وبلا برنامج سياسي وبلا خط فكري وبلا خلفية إيديولوجية وبلا أي شيء...
 
ويمكن أن أضيف أيضا أن "ولد لعروسية" كان وقتها أكبر  من حزب حتى وإن كان قياديا في الاتحاد الدستوري بل كان أكبر من الأحزاب كلها بمدينة سبعة رجال.
 
وربما لهذا السبب كان الجميع يخطب ود هذا "البارون الانتخابي" بمن في ذلك ورثة حزب المهدي بنبركة وعمر بنجلون رحمهما الله ومعهما الاتحاد أيضا. 
 
بل إن "ولد لعروسية" كان وقتها مركز جذب "تهوي" إليه أفئدة الناس وتقضى على يديه حوائجهم سواء بالحق أو بالباطل.
 
يقع كل هذا  لأننا لازلنا لم نقطع بعد أشواطا متقدمة في ربط صناديق الاقتراع بالقرار السياسي.
 
وبالفعل، فقد ركبت رقم "ولد لعروسية" ورن الهاتف مرة أولى وثانية وثالثة قبل أن يرد علي ولد لعروسية في المرة الرابعة أو الخامسة.  
 
وكم فرحت، والله يشهد، عندما وجدت نفسي في دردشة ونقاش سياسي مباشر مع هذا الذي هزم، في عهده، جميع مرشحي الأحزاب بمن فيهم مرشح "حزب الدولة" في عز قوته مع فؤاد عالي الهمة ومرشح "البيجيدي" مع غول سياسي اسمه بنكيران.
 
المهم لقد وجدت "ولد لعروسبة" بمزاج رائق حتى وهو خارج حديثا من عملية جراحية عقب معاناته مع مرض القصور الكلوي.
 
وبعد أن تمنيت له الشفاء العاجل، سألت الرجل عن الأوضاع في البلد وعن السياسة في البلد وسألته أيضا عن الاتحاد الدستوري وعن قصة انتمائه للاتحاد الاشتراكي وعن قضايا أخرى لكني لا أتذكر الآن "تقريبا" أي شيء من أجوبته المقتضبة والقصيرة جدا.
 
كل ما أتذكره في دردشتي مع "ولد لعروسية" وهو أننا ضحكنا أكثر مما تكلمنا واتفقنا على أن نواصل هذا النقاش بيننا في مكالمات قادمة.
 
نعم لم أعد أتذكر أي شيء من نقاشي مع ولد لعروسية  لأننا قفزنا من قضية إلى أخرى بلا خيط ناظم لكني أتذكر أن هذا "الاتحادي" السابق تحدث إلي بمرارة عن معاناته مع الاتحاديين.
 
وعندما سألته عن السبب؟
 
أجاب دون أن يفكر: "إنهم لا يفهمون السياسة".
 
وقبل أن أختم هذه المقالة، أحببت أن أحكي قصة من الماضي الانتخابي لمراكش لأن مفعولها لازال ممتدا في الحاضر ولأن شهودها لا زالوا أحياء يرزقون ولأن بطلها ليس إلا ولد لعروسية نفسه.
 
وترجع وقائع هذه القصة إلى سنة 2008، أي عندما نزل جزء من الدولة وكل قادة البام ومعهم فؤاد عالي الهمة شخصيا الى المدينة الحمراء لهزم ولد لعروسية في انتخابات جزئية لشغل مقعد برلماني شاغر بكيليز.
 
وكان البام رشح، في تلك "الجزئيات"، قياديا يساريا من الحزب هو لحبيب بلكوش الذي "ناضل في عهد الحسن الثاني ضد القمع وضد الظلم وضد سنوات الرصاص وقضى فترة طويلة في السجن ونجا بأعجوبة من الموت...".
 
نعم هذا هو "السيفي" أو "السيرة الذاتية" التي قدم بها قادة البام مرشحهم بلكوش إلى نساء بسيطات وغير متعلمات ولا يعرفن أي شيء في هذه الحياة سوى أن ولد لعروسية هو "المخزن" و"باغيه المخزن".
 
بل إن مسؤولي البام أوقفوا مجموعة نساء في زقاق شعبي وحاولوا إقناعهن بالتصويت لفائدة معارض سابق لنظام الحسن الثاني "ينتمي، حسب قولهم، إلى نفس الحزب الذي ينتمي إليه هذا الواقف أمامكن". في إشارة الى فؤاد عالي الهمة.
 
وشرح مسؤولو البام لهؤلاء النساء، اللواتي حولهن ولد لعروسية إلى جزء من ماكينته الانتخابية، كيف أن هذا الذي يقف أمامهن هو صديق للملك محمد السادس ودرس معه بالمدرسة المولوية وكان وزيرا في الداخلية...
 
"لكنه ترك كل هذه المناصب وجاء اليوم ليمد الى الجميع يد التعاون من أجل العمل سويا ومن أجل بناء مغرب جديد ومن أجل ممارسة السياسة بشكل مغاير..".
 
هكذا تحدث مسؤولو البام، في تلك الحملة الانتخابية الى نساء بسيطات وشبه أميات، عن الحبس وعن الموت وعن سنوات الرصاص وعن مرشح معارض لنظام الحسن الثاني قبل أن ترد عليهم سيدة من هؤلاء النساء قائلة: 
 
"وهاذ الشي.. واش في راس ولد لعروسية؟".
 
وبالطبع فقد ضحك الجميع وضحكت النساء وضحك فؤاد أيضا وفاز ولد لعروسية بالمقعد البرلماني لأن ولد لعروسية أو عبد الكريم شكري في دار بوعزة أو لمحارشي وبنته في وازن ليسوا مجرد أشخاص.
 
إنهم بلا شك منتوج محلي خالص ل"خروب" البلد ولرؤيتنا للتشريع وللقانون وللحداثة ولمعنى الديمقراطية أيضا.
إقرأ أيضا