غير بالفن

الملك وخلفيات استفسار العثماني

22/09/2019 22:17
مصطفى الفن
قرأنا، أمس السبت في بلاغ للديوان الملكي، أن الملك محمد السادس استقبل رئيس الحكومة سعد الدين العثماني، واستفسره عن مصير التعديل الحكومي.
 
وجاء هذا الإستفسار الملكي بعد قرابة شهرين من خطاب عيد العرش الأخير الذي تحدث فيه الملك عن قضايا ذات أهمية في مقدمتها دعوة العثماني إلى تقديم مقترحات خاصة بتجديد حقيقي وفعال للمناصب الحكومية والإدارية.
 
وكلنا يتذكر كيف أن الملك أعطى عناية خاصة، في ذلك الخطاب، لشرط أساسي في هذه المقترحات والتعيينات المرتقبة ألا وهو شرط الكفاءة والإستحقاق.    
 
فماذا يعني اليوم هذا الإستفسار الملكي للعثماني؟ 
 
فهل معناه أن هناك "بلوكاجا" ظهر في الأفق قد يعيق ميلاد التعديل الحكومي المنتظر، أم أن هذا الإستفسار هو بمثابة خارطة طريق سوف تقود إلى انفراج قريب؟
 
من الصعب إعطاء أجوبة دقيقة عن مثل الأسئلة المرتبطة بفضاء سيادي مغلق، لكن من المؤكد أن مهمة العثماني لن تكون نزهة على الشاطئ وهو يخوض معركة "التأليف" بين القلوب المتنافرة وسط أغلبية حكومية لا يهمها إلا نصيبها من كعكة الإستوزار.
 
وليس سرا أن هناك حديثا اليوم عن وجود صعوبات اعترضت هذا التعديل، لكن ليس إلى هذا الحد الذي أصبح معه البعض يتحدث عن سيناريو جديد، وحكومة جديدة برئيس جديد، وانتخابات مبكرة، وتعديل دستوري يعيد المغرب إلى ما قبل خطاب 9 مارس 2011.
 
أستبعد ذلك.
 
لكن ما هو مؤكد أن الملك استفسر العثماني في سياق ظرفية حساسة وصعبة يجتازها البلد حاليا. 
 
وهذه الظرفية تحتاج بلا شك إلى "جرأة" تدفع في اتجاه تدشين مرحلة جديدة نقطع فيها مع "ممارسات" ضببت، ربما، "الرؤية" حول "نموذج مغربي" ما عاد ربما نموذجا يحتذى به وسط جيرانه ومحيطه.
 
وفعلا، فقد بدأ رصيد "النموذج المغربي" في التآكل والإنحسار على الرغم من المجهودات الكبرى التي بذلتها بلادنا طيلة عقدين من الزمن خاصة في المجالات والمشاريع التي يرعاها الملك شخصيا.
 
ويمكن أن نشير، بهذا الخصوص، إلى النموذج الذي سوقه المغرب في مجال المصالحة مع "ماضي سنوات الرصاص"، وفي مدونة الأسرة، وفي تأهيل الحقل الديني، وفي إدماج الفاعل الإسلامي، وفي التعامل مع الربيع العربي.
 
واختار المغرب تسويق هذا "النموذج" المتفرد في كل شيء على الرغم من ضغوط السياق الإقليمي والدولي، وعلى الرغم من ضغوطات السعودية وإمارات محمد بن زايد الذي كان، إلى أمس قريب كأي مواطن مغربي، ينادي محمد السادس ب"سيدنا".
 
دعونا نتحدث أيضا عن نموذج آخر له بعد إقتصادي، وأعطى للمغرب حضورا ونفوذا دوليا بهندسة فعلية ومباشرة من الملك محمد السادس شخصيا.
 
ونقصد، هنا، هذا التمدد القاري الذي أصبحت تحظى به أيقونة صناعية عالمية إسمها "مجموعة المكتب الشريف للفوسفاط" التي ترأسها حاليا كفاءة مغربية عالية تحت هذا الإسم: مصطفى التراب.
 
وهذا له معنى واحد وهو أن بلادنا لا تخلو من الكفاءات ولا تخلو من "أولاد الناس" و"بنات الناس". لكن، على ما يبدو، أن جل أحزابنا أصيبت بالوهن والترهل والضعف، ولم تعد معنية بمعايير الكفاءة والإستحقاق والإنفتاح على الطاقات والنخب الجديدة...
 
نعم، جل أحزابنا، بمن فيها "الحداثية" و"الديمقراطية" و"الإشتراكية"، أصبحت ربما معنية بالدرجة الأولى بالمصالح الشخصية وبالحسابات الضيقة وبالرهانات الصغيرة التي لا تخرج عن تقلد مناصب الريع ومراكمة الثروة والخلود الأبدي فوق كراسي المسؤولية. 
 
ولا أريد، هنا، أن أضرب المثل بتركيبة المكتب السياسي لحزب كبير وعريق ارتبط إسمه بتاريخ المغرب مثل الإتحاد الإشتراكي، وكيف تأخر به الزمن وسقط بيد أسماء لا تعرف أي شيء عن أفكار الحزب وبرامج الحزب وهوية الحزب.
 
أقول هذا ولو أن الإتحاد لم يعد له ربما من يمثله، حتى في نظر الدولة نفسها، منذ اعتزال الزعيم عبد الرحمن اليوسفي السياسة.
 
ولاحظوا كيف تحول مناضلو الإتحاد إلى أعجاز نخل خاوية تتقاذفهم الأقدار والإدارة وأحزاب الإدارة... مع احترامنا للعديد من الرموز والكفاءات الإتحادية التي تربطنا معها صداقات وعلاقات ودية متينة.
 
ولا أريد أن أتحدث أيضا عن حزب الأصالة والمعاصرة (البام)، لأن هذا الحزب، الذي كان في الأصل فكرة نبيلة مع مؤسسه فؤاد عالي الهمة، أصبح اليوم مثل "حليب خاسر" ولم يعد صالحا لأي شيء.
 
نعم إن الأمر كذلك، وبدون أي مبالغة، لأن نصف قياديي (البام)، أو أكثر ربما، ينبغي أن يكونوا في السجن بتهمة الثراء الفاحش.
 
أما الحركة الشعبية لزعيمها الخالد امحند العنصر، فتكفي الإشارة هنا إلى آخر "التسريبات" التي تتحدث عن مزاعم ب"الإتجار" في الخطاب الملكي حول الكفاءات.
 
أقصد القول إن بعض الأسماء النافذة في هذا الحزب أرادت، كدأبها من قبل، أن تجعل من هذه المحطة الخاصة بالتعديل الحكومي فرصة أخرى لابتزاز الراغبين في الإستوزار والمناصب. 
 
ويا ليت الوزير السابق في الوظيفة العمومية محمد مبديع يقول شيئا في هذا الموضوع، وكيف وصل هو شخصيا إلى هذا المنصب "الذهبي" الذي تنافست حوله الكثير من الأسماء قبل يفوز به مبديع بضربة "حظ".
 
وحتى حزب العدالة والتنمية الذي علق عليه المغاربة آمالا عريضة في اتجاه القطع مع واقع "الفساد والإستبداد"، فيبدو أنه يتجه، منذ واقعة الإعفاء الملكي لعبد الإله بنكيران، إلى أن يصبح، هو بدوره، جزءا من "واقع فاسد" أو في أحسن الأحوال ساكتا عن الفساد.
 
أما عن واقع الحال في حزب الاستقلال فلم يعد يسر لا صديقا ولا عدوا لأن جميع الاستقلاليين وربما بدون استتثاء أصبحوا يترحمون على زمن حميد شباط.
 
وطبيعي أن يقع ذلك لأن هذا الفتى المدلل الذي ورث الحزب عن أسلافه المنعمين، أي نزار بركة، فقد حول حزب "زدي علال" الى ما يشبه "مكتب دراسات" لا يعرف أي شيء عن بسطاء المغاربة ومزاليط المغاربة.
 
 بل إن نزار، الذي يبدو اليوم كما لو أنه يمشي على البيض خشية أن تخنقه ضراعية حمدي ولد الرشيد، هو  مشغول حاليا بالأرقام وبنزول وصعود نسب النمو وارتفاع الأسعار في جزر الواقواق وليس في المغرب.
 
كما لا أريد أن أتحدث أيضا عن رجل طيب مثل عزيز أخنوش الذي كان يريد أن يهرب بجلده، في أفق التفرغ الكامل لمشاريعه وثروته وصفقاته، قبل أن تنزل عليه "مائدة" من السماء في شكل هدية أو حزب إسمه التجمع الوطني للأحرار.
 
وعوض أن يعتذر عزيز أخنوش في أدب عن استلام "هدية" هي أكبر منه ولم يخلق لها، كما نصحه بذلك كثيرون، فإن هذا الملياردير المقرب من الملك حمل على عاتقه هذا الهم، ودخل إلى المستنقع دون أن يدرك أن الأخطر ليس هو الدخول إلى المستتقع وإنما هو الخروج منه.
 
وفعلا، فقد دخل أخنوش إلى مستنقع السياسة، بحذائه وبفهم بسيط وبخطابات تحرر خارج مقر الحزب، اعتقادا منه أن الزعامة السياسية والخطابة أمام الجماهير وحشر الناس في الساحات والميادين لا يتطلب سوى دفتر شيكات وأذرع إعلامية تقول كل شيء إلا الحقيقة.
 
والحقيقة التي لم يقلها أحد لسي عزيز وهي أن السياسة لها قواعد ولها منطق ولها سياق ولها أعراف وتقاليد ولها طقوس ولها، أيضا، رجالاتها ولها صبرها الجميل ونفسها الطويل.
 
أما ممارسة السياسة، بثروة مصدرها الأول هو صفقات السياسة وصفقات الدولة وصناديق الدولة ودعم الدولة، فهذا في نظري لا يفسد السياسة فحسب، بل يفسد السياسة ورجالها أيضا.
 
صحيح أن من حق السي عزيز أخنوش أن يحلم برئاسة الحكومة وبالزعامة السياسية. لكن عليه ألا ينسى أن الذين دافعوا عنه، في مواجهة إعصار المقاطعة الشعبية لمنتوجاته ولشركاته، ليسوا هم رفاقه في حزب الأحرار.
 
الذين دافعوا عن أخنوش، في مواجهة إعصار المقاطعة الشعبية، هم وزراء من حزب آخر يناصبه اليوم العداء، ولا يتردد زعيم الأحرار  في مهاجمة رموزه وتقطير الشمع عليهم بمناسبة أو بدونها.    
 
إذن، في هذا السياق، استفسر ملك البلاد سعد الدين العثماني عن التعديل الحكومي وعن طبيعة الكفاءات المنتظر أن تؤثث فضاء المسؤوليات والمناصب في الحكومة والإدارة.
 
لماذا؟
 
لأن الملك، وبعد 20 سنة من الحكم، أصبح يعرف عن قرب كل التفاصيل الدقيقة بالمنظومة الحزبية وحتى بطبيعة الكفاءات الموجودة داخلها.
 
وربما لهذا السبب هناك حديث اليوم عن إعلان "فيتو" ضد بعض الأسماء والشخصيات العمومية التي لم تمنعها لا الأوسمة الملكية ولا الظهائر الملكية من ارتكاب كل ما هو مسيء للبلد ولسمعة البلد.
 
بل هناك حديث أيضا عن إمكانية عودة بعض الأسماء والكفاءات من حكومة اليوسفي أو من حكومة إدريس جطو إلى الواجهة لعل محمد الكحص واحد منها.
 
وعلينا أن نستحضر أن الإستفسار الملكي للعثماني تزامن، أيضا، مع هذا التقرير الأخير للمجلس الأعلى للحسابات الذي رسم فيه رجل محترم مثل إدريس جطو صورة سوداء عن الكثير من الوزارات والمؤسسات العمومية.
 
وبالتأكيد، فإن القارئ لتقرير إدريس جطو لا يمكنه إلا أن يخرج باقتناع واحد وهو أن العديد من الشخصيات العمومية ومن المسؤولين الكبار في هرم الدولة لا يستحقون هذه الثقة الملكية التي حازوها في سياق ما.
 
وهذه، ربما، مهمة الجهات المسؤولة عن غربلة "السيفيات" و"السير الذاتية" لأن وضع سيرة ذاتية لشخص ما بين يدي الملك لا ينبغي أن يراعى فيه قانون القرب... بقدر ما ينبغي أن يراعى فيه قانون المصلحة العليا للبلد.
 
بقي فقط أن أقول. لم أفهم كيف أن عزيز أخنوش ومعه محمد صالح التامك المندوب العام لإدارة السجون هاجما، بلا ذوق، إدريس جطو فقط لأنه قام بعمله ورصد، في تقريره الأخير، اختلالات في غاية الخطورة جوهرها تبديد مال عام على رأس مؤسسات عمومية.
 
أخنوش ومعه التامك هاجما تقريرا رسميا رفع إلى الملك، ونسيا أن الوظيفة الحصرية والدستورية للمجلس الأعلى للحسابات هي رصد السلبيات والإختلالات وتحميل المسؤولية لكل من مد يده على المال العام وقام بتبديده. أما رصد الإيجابيات فلا يدخل في مهام مؤسسة جطو، وإنما يدخل في مهام "الحياحة" و"النكافات".
 
 
 
 
إقرأ أيضا