غير بالفن

بأي ذنب "سئلت" هاجر عن بكارتها؟

08/09/2019 23:28
مصطفى الفن
أتفهم أن يسألوا صحافيتنا وزميلتنا هاجر الريسوني الموجودة حاليا رهن الاعتقال بسجن العرجات بتهمة إجهاض "عفوي" وليس حتى "إراديا" عن عمها أحمد الريسوني. 
 
فمن العادي جدا أن تطرح مثل هذه الأسئلة من طرف المحققين لأن الأمر لا يتعلق هنا بواحد من يا أيها الناس أو واحد من 'بادي الرأي".. 
 
أحمد الريسوني هو ليس فقط فقيها أو عالم دين أو رئيسا للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين. 
 
إنه أيضا فاعل سياسي كان ولا يزال مسموع الصوت والكلمة داخل حركة التوحيد والإصلاح التي خرج من معطفها أكبر حزب في المغرب.
 
ونقصد هنا حزب العدالة والتنمية الذي يقود الحكومة الحالية في شخص العثماني بعد أن قادها أيضا في ولاية سابقة في شخص بنكيران.
 
أكثر من هذا، أحمد الريسوني هو أيضا واحد من زعماء حركات "الإسلام السياسي" وهو واحد من الإسلاميين القلائل الذين ألقوا بين يدي ملك البلاد درسا من الدروس الحسنية.
 
وليس هذا فحسب، فأحمد الريسوني، الذي يتحدر من عائلة لها تاريخ ومعروفة بمنطقة الشمال، هو أيضا عالم دين مستقل ولا يمضغ كلماته جيدا.
 
وكلنا يتذكر في هذا المنحى كيف أن تصريحا فقهيا حول إمارة المؤمنين أدلى به الريسوني كان له ما بعده.. 
 
وقد عاش البيجيدي ومعه الحركة عقب ذلك التصريح المثير أكبر أزمة سياسية في العلاقة مع الدولة وأجهزتها العميقة. 
 
بل إن هذه الأزمة مع الدولة لم تعرف طريقها إلى الانفراج الجزئي إلا بعد أن تمت إقالة الريسوني من رئاسة الحركة قبل أن يتم "ترحيله" فيما بعد إلى جهنم الدنيا: السعودية.
 
إذن طبيعي وعادي جدا أن تسأل هاجر عن عم بهذا الماضي وبهذا الحاضر الذي تلتقي فيه السياسة بالدين.
 
كما أتفهم أيضا أن يسألوا هاجر عن العم الثاني، أي عن سليمان الريسوني حتى وإن كان هذا الأخير لا تربطه أي رابطة لا في الدنيا ولا في الآخرة مع أخيه أحمد الريسوني. 
 
وأتحدث هنا بالتحديد عن الخلاف الفكري بين الأخوين أحمد وسليمان. الأول له مرجعية إسلامية ترى الحل في السماء، بينما الثاني له مرجعية ماركسية تربط كل شيء بالأرض.
 
 فيما هاجر فهي خط فكري ثالث مستقل بذاته ولا زالت الى حد الآن تطرح أسئلة وجودية غريبة حول الله وحول الغيب دون أن تجد لها أجوبة مقنعة.
 
وسامح الله بعض الزملاء، إما بحسن نية أو بدونها، لأنهم جعلوا من هاجر عضوا بارزا في تيار إسلامي بعينه بمن في ذلك صحافي إسباني مشكوك في نزاهته هو  إينياسيو سمبريرو.
 
بل إن البعض نسب الى هاجر تصريحات ومقولات من نسج الخيال حتى بدت هذه الشابة المتحررة والمنفتحة والمحبوبة لدى الجميع كما لو أنها هي التي أسست "الجماعة الإسلامية" مع عبد الله بها رحمه الله.
 
نعم من العادي جدا أن تسأل هاجر عن عمها سليمان ولا ينبغي أن نعاتب المحققين لأن مثل هذه الأسئلة تدخل في صميم عملهم مثلما هو جار به العمل في كل أنحاء الدنيا.
 
لكن أن يسأل البعض هاجر عن ماضيها الجنسي وعن بكارتها وعمن هو أول شخص فض غشاء هذه البكارة وعن اسمه وعن هويته، فهذا شيء من الخطورة بمكان..
 
نعم إن الأمر خطير وزيادة إذا ما تأكد أن هاجر سئلت مثل هذه الأسئلة. 
 
ثم، بأي ذنب وبأي حق وبأي قانون تسأل امرأة عن سر من أسرار جسدها وعما بين ساقيها وعن أشياء هي من حميميتها الخاصة؟
 
 فهل نحن في المغرب أم في "إدلب"؟.
 
أما إذا تأكد أن هاجر سئلت هذا السؤال: "شكون هاذا اللي حيد لك البكارة..."؟ فما علينا إلا أن نضع أيدينا على قلوبنا خوفا على الوطن وخوفا على أنفسنا أيضا.
 
 
خبر آخر سمعته وأتمنى ألا يكون هو أيضا صحيحا لأنه إذا صح فهذا معناه أن هناك جهة ما لم تكتف بإرسال هاجر إلى السجن، بل أرادت ربما أن ترفق السجن ب"التعذيب النفسي".
 
نعم، لقد آلمني كثيرا أن أسمع أن هاجر ليست عندها "ماطلة" بالسجن وتنام شبه محطمة بل تنام مرمية فوق الأرض داخل زنزانة باردة مع ست سجينات.
 
وهذا في نظري يكاد يشبه "الانتقام" من امرأة في وضعية صعبة وفي ظروف صحية حرجة ونزفت منها دماء كثيرة..
 
يقع كل هذا في وقت لازالت حتى تهمة الإجهاض العفوي أو الإرادي الموجهة إلى هاجر لم تتأكد بعد ولازالت الى حد الآن محاطة بالشك.
 
وكان المطلوب أن يفسر هذا الشك لفائدة هاجر لأن المكان الطبيعي لامرأة، صحافية وبهذه الحالة الصحية المنهكة، هو أن تكون، على الأقل، فوق سرير طبي في أقرب مستشفى لا أن تكون ممددة فوق الأرض داخل زنزانة بالسجن.
 
ومع ذلك، فإن هاجر، بحسب ما قيل لي، هي مسرورة جدا وغير منزعجة، بل إنها تعتبر النوم على الأرض بسجن العرجات هو بمثابة "جنة" حقيقية مقارنة ب"جحيم" ليالي الحراسة النظرية.
 
هاجر ذهبت أبعد من ذلك وعبرت صراحة لمن زاروها بالسجن ب"أن أسوأ الأيام هي تلك التي عاشتها في ضيافة الأمن بالحراسة النظرية وليس في السجن".
 
وأنا لا أقول إن هذا الذي حدث لهاجر في السجن أو أثناء الحراسة النظرية وراءه عمل منهجي أو دبر بليل أو وراءه جهة ما أو جهاز بعينه..
 
أنا صحافي ومهمتي هو طرح الأسئلة التي لا أعرف أجوبتها ولست مناضلا في تنظيم له تناقض ثانوي أو رئيسي مع الدولة ومع مؤسساتها.
 
بقي فقط أن أقول. أتمنى صدقا ومن القلب أن يعرف هذا الملف انفراجا يقود إلى إطلاق سراح هاجر لأن القانون جعل لتيسير حياة الناس وليس لتعقيدها.
 
أما إذا أصبح القانون جزءا من المشكل فإن العقلاء يغيرون القانون حتى لا يرسلوا الناس إلى السجون.
 
لكن تغيير القانون يحتاج إلى وقت وإلى توافقات أطراف كثيرة وإلى زمن سياسي طويل..
 
في حين هاجر تريد أن تغادر السجن اليوم قبل الغد لأنها تريد أن تحتفي بليلة العمر في حفل زفافها المنتظر في منتصف هذا الشهر..
 
وإذا لم يتحقق هذا الحلم الصغير، فإننا سنصبح أمام "حقيقة" سوسيولوجية مرة: "القانون صاغه الأغنياء لحماية أنفسهم من الفقراء".
 
في شتى الأحوال، أنا جد متفائل.
 
 
 
 
إقرأ أيضا