غير بالفن

مصطفى الفن يكتب: توقعات حول التعديل الحكومي المنتظر

04/09/2019 18:38
مصطفى الفن

هل تأخر التعديل الحكومي، الذي تم الشروع في التحضير له حاليا على قدم وساق، عن زمنه السياسي المناسب أم أن الأمر ليس كذلك؟

ليس لي جواب دقيق عن هذا السؤل لأن التعديل الحكومي أو دواعيه أو ترتيباته أو توقيته هو قرار سيادي في المقام الأول.

 لكن ظني أن هذا التعديل تأخر ربما أكثر من اللازم وكان المفروض أن يقع بالتزامن مع الإعفاءات الملكية التي عصفت، في وقت سابق، بأربعة وزراء في ملف تأخر مشاريع الريف.

لماذا؟

لأن إجراء تعديل حكومي، في هذا التوقيت وعلى بعد أقل من سنتين من محطة الانتخابات القادمة، معناه أن حكومة العثماني في نسختها المرتقبة قد تتحول ربما إلى مجرد حكومة تصريف أعمال ليس إلا

ذلك أن مدة سنتين أو سنة ونصف المتبقية من عمر الولاية الحكومية الحالية مدة غير كافية بالنسبة الى أي وزير جديد لكي يفهم ويشخص مشاكل قطاعه الوزاري فأحرى أن ينخرط في إعداد التصورات والبرامج والمخططات واقتراح الحلول والوصفات.

دعونا نضرب المثل بالحديث عن وزارة الصحة. فهذا القطاع المريض جدا يحتاج ربما إلى أكثر من ولاية حكومية لوضعه على سكة الإصلاح ويحتاج أيضا إلى وزير غير عادي لأن الأمر يتعلق هنا بقطاع منكوب ويعيش على وقع أكبر إفلاس في تاريخه

بمعنى أن الوزير القادم على رأس هذا القطاع سيظل بدون شك تائها في ما تبقى من عمر هذه الحكومة وسط ملفات شكلية لتدبير ما هو يومي لا غير  ..

لكن المشاكل الكبرى لهذا القطاع وأمراضه المزمنة وحيتانه الكبيرة ولوبياته الممتدة في كل اتجاه ستظل على حالها ولن يطالها أي تغيير عميق ينفع الناس ويمكث في الأرض.

وإذا كان صحيحا أن هذا التعديل فيه بعض "البأس الشديد" لأنه ربما قد "يطير" بثلث وزراء الحكومة الحالية لكنه لا يخلو من مآرب أخرى.

وأول هذه المآرب وهو أن هذا التعديل سيزرع، لا محالة، دينامية جديدة ستكون بالطبع مناسبة للنقاش العمومي والسياسي وتداول وجهات النظر بين الناس في قضايا الوطن والمواطنين..

ثاني هذه المآرب وهو أن هذا التعديل قد يطرد جزءا من الروتين وقد يطرد أيضا بعضا من هذا القلق أو هذا الانزعاج الجماعي للمغاربة من هذا "الستاتيكو" الذي أصبح معه الجميع يرفع شعار: "الهجرة هي الحل".

نعم الكل بريد أن يرحل من هذا البلد ولو إلى المجهول بمن في ذلك نخب ميسورة ومدراء وكالات بنكية وأطباء وأساتذة جامعيون وإعلاميون وطلبة ومهندسون وموظفون بأجور عليا...

أقول: عدا هذه المآرب المتواضعة، فلا أعتقد أن هذا التعديل ستكون له رهانات كبرى ستقلب وجه المغرب رأسا على عقب.

أستبعد ذلك.

ثم إن الهوامش التي تتحرك فوقها الحكومة هوامش صغيرة جدا ولا تسمح للوزراء بالتحرك المريح حتى في الاختصاصات المشمولة بالتغطية الدستورية.

ولأن هذه الحكومة ليست لها هوامش حركة كبيرة ولا علم لها بما يجري وما يدور بدوائر القرار، فإن رئيسها الفعلي، أي عزيز أخنوش، لا يكلف نفسه حتى حضور اجتماعاتها ومجالسها الأسبوعية الباردة.

وفعلا، أنا أتفق هنا مع السيد عزيز أخنوش. فما جدوى الحضور لمجالس حكومية هي بالنسبة إليه مجرد محطة لتضييع الوقت وليست "محطة بنزين" حقيقية مثل تلك التي "وهبت" له فوق أرضية "طونجي ميد".

وربما لهذا السبب فوزيرنا في الفلاحة السيد عزيز أخنوش مشغول أكثر بذاته وبمشاريعه وبشركاته وبصفقاته مع الدولة، ومشغول أيضا بحل مشاكل وزيرته لمياء بوطالب مع رئيسها محمد ساجد..

بصيغة أخرى،  ف"عزيز المغرب" مشغول بما هو أقوم قيلا وهو تلك المجالس المغلقة بنافذة مفتوحة على "السياسة" المنتجة للجاه والنفوذ والثروة العابرة للقارات.

 أغلق هذا القوس لأعود سريعا الى نص الموضوع الخاص بالتعديل الحكومي الذي ربما قد يرى النور قبل أن يشرع مجلس النواب في مناقشة مشروع قانون المالية لأن المال هو عصب الحياة، والسياسة أيضا.

وأتوقع أيضا بهذا الخصوص ألا يحمل هذا التعديل أي مفاجآت كبرى أو قرارات "ثورية" باستثناء رحيل وزراء ومجيء آخرين ودمج قطاعات وزارية مع أخرى لنصبح ربما أمام حكومة مقلصة ب25 أو 30 وزيرا.

لكن علينا أن نعترف أن مهمة سعد العثماني في هذا التعديل الحكومي ليست سهلة على عدة مستويات لعل واحدا منها ليس هو فقط إرضاء "رغبات" حلفائه الخمسة في الاستوزار.

العثماني يواجه مشكلا آخر وهو ذلك المرتبط بحديث عن وجود "استقالات" موضوعة فوق مكتبه. وتعود هذه "الاستقالات" لوزراء شعروا ب"التعب" ويريدون أن يرتاحوا بعض الوقت أو ربما يريدون أن يلتقطوا بعض أنفاسهم قبل أن يواصلوا المسير من جديد.

العثماني، الذي يلتقي هذه الأيام، حلفاء أغلبيته الحكومية حزبا بحزب وربما قد يلتقي حتى أحزاب المعارضة، يواجه تحديا آخر أو قل هاجسا أخر يشتت تفكيره..

أما مؤدى هذا الهاجس وهو أن الرجل يخشى أن يتعرض حزبه في هذه التعديل المنتظر إلى حمية "قاسية" يصبح معها وجود البيجيدي داخل الحكومة مثل عدمه.   

فهل ستصدق هذه النبوؤات والتوقعات؟

كل شيء ممكن لأن المخزن له منطق آخر في الاشتغال يحتكم فيه ربما إلى دستور غير مكتوب..

لكن ما هو مؤكد هو أن إضعاف العثماني وحزبه في النسخة القادمة من الحكومة معناه أن تيار بنكيران سيعود إلى ساحة المواجهة أكثر قوة وأكثر عددا.