الرأي

التقنوقراط جزء من المشكلة...وتغيير نظام الحكامة أساسي لبلوغ أهداف التنمية

02/08/2019 15:03
حسن لعروسي
وردت في الخطاب القوي الذي ألقاه الملك محمد السادس بمناسبة الذكرى العشرين لعيد العرش فكرة أساسية ومهمة: يجب قول الحقيقة كما هي ولو كانت مُرَّة. هذا شعار مهم يجب أن يكون نبراسا للطبقة السياسية والرأي العام لوضع الأصبع على مشاكل المغرب الحالية والمستقبلية. 
 
مشاكل المغرب ليست تقنية أو تكمن في عدم وجود الكفاءات اللازمة لتحقيق أهداف التنمية. بل إن المشكل الحقيقي هو وجود نظام للحكامة غير ملائم لتحقيق النتائج المطلوبة. على المستوى الوطني، من يتحكم في الميزانية ليس رئيس الحكومة أو وزير المالية أو الوزراء وإنما مدير الميزانية والذي له أجندته الخاصة ونظرته الخاصة وهو شبه حكومة داخل الحكومة وهو من "يسقط المطر ويخلق الطقس الحسن" كما يقول الفرنسيون. هو من يغدق النعيم على أخنوش (16 مليار درهم) و مولاي حفيظ العلمي (3 مليار درهم)  ومن يعطي الفتات لوزراء آخرين لا حول ولا قوة لهم. هكذا يظهر أخنوش والعلمي وكأنهم سوبرستارات، تم جلبهم من عالم التقنوقراط وصبغهم بصباغة سياسية لايت، لكي يخلقوا المعجزات. ولا أحد يقول بأن المعجزات هي فقط مخرجات دَعْمٍ حكومي مبالغ فيه وغير مستديم لقطاعي الفلاحة والصناعة. 
 
قبل سنوات كان شخص معين من المعارضة هو من يتدخل في الميزانية كما يتدخل في تعيين الوزراء والعمال والسفراء ويتدخل في عمل القضاء والأجهزة، رغم أنه لم يكن منتخبا وليست له مسؤولية رسمية واضحة. الكل كان يعرف هذا والكل كان صامتا ومتواطئا. هذا عطب في الحكامة لا يتوقف عنده أحد لكي لا تتكرر مثل هذه الأمور. 
 
رئيس الحكومة لا يتحكم لا في الميزانية بشكل عام ولا في عمل وتدبير مؤسسات عمومية عملاقة تستحوذ على جل الاستثمار العمومي وهي أدرع اقتصادية قوية، خارجة ن سيطرة الحكومة. الوسائل التي لدى الحكومة للتدخل في مجال الاستثمار محتشمة إن لم نقل منعدمة في بعض القطاعات. عن أي مسؤولية وعن أي محاسبة نتحدث؟ هذه مشكلة حكامة وليست مشكلة كفاءات. يجب وضع كل الوسائل (ميزانية، مؤسسات عمومية، إدارة) تحت تصرف الحكومة، آنذاك يمكن محاسبتها على عملها. 
 
على المستوى المحلي، هناك حوالي ألف ومائتي جماعة غير قابلة للحياة. ميزانية البعض منها لا تتعدي أربعة مليون درهم، يتم إنفاق حوالي 90 في المائة منها على أجور موظفين لا دور لهم ولا وظيفة ولا حول ولا قوة لهم والباقي (بعض الآلاف من الدريهمات) يتم إنفاقها على الهاتف والوقود والأوراق المكتبية. هذا أمر يعرفه الجميع، ويسكت عنه الجميع، ويتواطء بشأنه الجميع. عن أي تنمية محلية نتحدث؟ 
 
الموارد يتم اقتسامها بين المجالس الإقليمية والجهوية والمصالح الخارجية والكل يتدخل دون تنسيق ودون تحديد للمسؤوليات ودون رؤيا مندمجة...التتيجة هي مشاريع هنا وهناك، البعض منها متوقف والبعض الآخر ينتظر أن يكتمل لأن جهات أخرى هي المسؤولة...بعض المشاريع يتم تعطيلها لأن من يتولى أمر تدبير الشأن المحلي حزب غير مرغوب فيه. يتم تغييب المسؤولية أو إلقاء اللوم على المجالس المحلية المنتخبة رغم أن ميزانياتها محدودة ويتم خلق العراقيل لها لأنها من العدالة والتنمة أو حزب آخر غير مرغوب فيه من طرف السلطة. 
 
تغيير الوزراء بوزراء جدد، أو السياسيين بتقنوقراط شبه سياسيين سوف لن يحل المشكلة بل سيعقدها. مشاكل المغرب ليست تقنية ولكنها سياسية. المهندسون ومكاتب الخبرة والدراسات موجودة لحل المشاكل التقنية. ولكن إشكالية التنمية في المغرب معقدة يختلط فيها التقني بالتواصلي بالتعبوي بالسياسي. والتقنوقراط آخر من له كل هذه الكفاءات. ما نحتاجه هو جيل من الساسة لهم دراية بقضايا التنمية والاقتصاد ولكن لهم القدرة على تعبئة البرلمان والرأي العام وراء برامج الإصلاح والتغيير وكذلك قادرون على التواصل والتفاعل والتواجد في الساحة السياسية للإقناع والنقاش والتفاعل مع الرأي العام. هذه أمور لا يتقنها التقنوقراط.  
 
مشاكل المغرب هي سياسية وليست تقنية. والتقنوقراط غير قادرين لا على العمل السياسي ولا على التعبئة اللازمة لإنجاح الإصلاح . كما أن مشكل المغرب الأساس هو مشكل حكامة لا مشكل كفاءات. 
 
يجب على اللجنة التي سيعينها الملك أن تكون لها الجرأة لقول هذه الأشياء بصراحة إن أرادت أن تستلهم فعلا روح الخطاب الملكي الجريء والصريح وإن أرادت أن يكون عملها ذي فائدة للوطن والمواطنين. 
 
اللهم إني قد بلَّغت!
 
 
 
 
إقرأ أيضا