غير بالفن

هل تحولت فرنسا في المغرب إلى "قضاء وقدر"؟

12/07/2019 22:32
مصطفى الفن
واهم من يعتقد أن فرنسا هي مجرد مستعمر سابق قضى في بلادنا 46 عاما ثم غادر إلى غير رجعة.
 
فرنسا بالنسبة إلينا نحن المغاربة هي أكبر من ذلك لأنها جزء من التاريخ وربما هي جزء من الجغرافيا ومن الهوية ومن كل شيء في حياتنا اليومية.
 
وحتى عندما يمر المغربي من بعض الشوارع والأزقة أو من أمام بعض المحلات التجارية ببعض الأحياء الراقية بالدار البيضاء، فقد ينتابه شعور أن كل شيء من حوله وحتى الأرض من تحته "تتكلم فرنسي".
 
 نعم ينبغي الاعتراف اليوم سواء شئنا ذلك أم أبينا بأن فرنسا هي قدرنا الذي راد له أو قل إنها "قضاء وقدر"  
 
ولأنها "قضاء وقدر"، فنحن لا نفر منها إلا إليها لأننا نخشى أن نعيش أبد الدهر بين الحفر بلا ماض وبلا حاضر وربما حتى بلا مستقبل.
 
وأنا لا أرى عيبا في أن يكون لنا حليف استراتيجي قوي ودولة عظمى داعمة لقضايانا مثل فرنسا. 
 
فهذا هو المطلوب خاصة إذا ما ابنبت العلاقة بين البلدين على التعاون وعلى الندية وعلى شراكة متوازنة قائمة على ثنائية "رابح رابح" في السياسة والتجارة والاقتصاد ومعها باقي المجالات الأخرى.
 
لكن يبدو أن الأمور لا تسير بهذا الشكل وبهذه الوتيرة في علاقتنا بالأم فرنسا التي لازالت ربما تنظر إلى المغرب كما لو أنه حديقة خلفية أو "ملحقة" من ملحقاتها ولا حق له في أن يحلق في فضاءات أخرى بعيدا عن نفوذها وعن برجها العاجي.
 
آخر ما غنت "أم كلتوم" في هذه العلاقة مع أمنا فرنسا هو هذه "المناورات الجارية" على قدم وساق لتفويت صفقة تجهيز الخطين الثالث والرابع للترامواي بالدار البيضاء إلى الشركة الفرنسية ذات السمعة السيئة دوليا: "آلستوم".
 
كل المؤشرات تدعم اليوم هذا الخيار ولا شيء يوحي بالعكس رغم أن صفقة تجهيز هذين الخطين للترامواي فازت بها شركة صينية تدعى CRRC ZLEC تابعة للشركة الأم المعروفة باسم CRRC والمملوكة كليا للحكومة الصينية.  
 
صحيح أنه من العادي جدا أن تلغي شكرة "كازا ترانسبور"، المغربية التي يرأس مجلسها الإداري والي الجهة، هذه الصفقة لتعلن عن طلب عروض جديد بهدف إدخال بعض التعديلات التقنية على الصفقة بكاملها.
 
وبالطبع، فالشركة الصينية لم تحتج ولم تبد أي اعتراص على إطلاق طلب عروض آخر ولو بتواريخ جديدة غير محددة بل إنها تقبلت هذه "الضربة غير المتوقعة" بروح رياضية.
 
لكن ما هو غير عاد هو أن الصينيين انتابتهم شكوك بعد أن يتبين لهم ربما أن العملية برمتها لا تعدو أن تكون تحايلا ناعما على القانون للتخلص من الشركة الصينية ومنح صفقة تجهيز خطي "الترامواي" الى "آلستوم" الفرنسية.
 
وربما لهذا السبب، لم يكتف مسؤولو الشركة الصينية بالتفرج على هذا "الضرب تحت الحزام" حتى وإن ارتدى قفار المساطر والقوانين بل إنهم استنجدوا بسفارة بلدهم هنا بالرباط في أفق إيجاد حل دبلوماسي لمشكل هو اقتصادي واستثماري في المقام الأول.
 
وقد لجأ الصينيون الى هذا الخيار الديبلوماسي لأنهم يعرفون جيدا أنهم لا يواجهون هنا في المغرب منافسا عاديا يمكن هزمه بلغة المساطر والقوانين.
 
الصينيون يعرفون جيدا أنهم في هذه المعركة الخاصة بصفقة خطي الترامواي يواجهون منافسا غير عاد وخصما شرسا اسمه فرنسا وليس شركة "آلستوم" فقط.
 
وبالفعل، فهناك اليوم حديث وسط عالم المال والأعمال عن انزعاج جدي من جدوى الاستثمار بالمغرب خاصة مع هذا النفوذ الفرنسي القوي في بلدنا والمدعوم بشخصيات مغربية وازنة تتحكم في الإعلام والثقافة والسياسة والرياضة وفي كل شيء يتحرك على الأرض.
 
المثير في هذه القضية هو أن شركة "آلستوم"، التي تستعد لوضع يدها على صفقة "الترامواي" المغربي، كانت قبل أسبوع فقط، محط أحكام وغرامات بالملايير بسبب تورطها في "فضائح" مدوية.
 
آخر هذه الفضائح، التي تحدثت عنها حتى وكالة الأنباء الفرنسية نفسها، هو ما وقع بالبرازيل أو البلد الذي أرسل حتى رئيس الدولة إلى السجن في قضايا لها علاقة بالفساد والرشوة.
 
ذلك أن السلطات البرازيلية المعنية بأخلاقيات المنافسة وجهت إلى الشركة الفرنسية "آلستوم" تهمة ثقيلة أخذت شكل تكوين "كارتيل" اقتصادي، أي ما يشبه تكوين "عصابة" ظلت طيلة السنوات الممتدة بين 1999 و2013 تحتكر سوق السكك الحديدية وتتحكم في الصفقات وتحدد أسعارها رفقة حليفتها "بومبارديي" وتسع شركات أخرى.
 
ولم تقف الأمور عند هذا الحد، بل السلطات البرازيلية ذهبت أبعد من ذلك وطالب هذه "العصابة" الأخطبوطية بأداء تعويضات مالية خيالية وصلت إلى 34 مليون دولار ضد ألستوم وستة ملايين دولار ضد "بومبارديي" مع منع الشركة الفرنسية لمدة خمس سنوات من المشاركة في طلبات العروض الخاصة بقطاع السكك الحديدية بالبرازيل.
 
وطبيعي ربما أن تكون العقوبات والتعويضات بهذه القساوة لأن هذا "العصابة الاقتصادية" بزعامة وريادة آلستوم لم يكن هدفها الربح وإنما كانت ربما تريد تخريب اقتصاد بلد بكامله.
 
أكثر من هذا، فقد اكتشفت السلطات البرازيلية، لكن بعد فوات الآوان، أن آلستوم تلاعبت في 26 طلب عروض بملايين الدولارات في أربع ولايات برازيلية على الأقل.
 
إذ أن مكونات هذا "الكارتيل" الجشع كانت تتفق سرا ومسبقا على كل شيء لتقسم الأرباح ولتسقف الأسعار ولتوزع الصفقات ولتحدد لائحة الفائزين على مقاسها.
 
ويبدو أن ما قامت به "آلستوم" في البرازيل ليس حادثة سير واحدة ووحيدة لا ثانية لها.
 
 ذلك أن أسبانيا هي بدورها سبق لها أن اشتكت من السمعة السيئة لهذه الشركة الفرنسية.
 
بل إن إسبانيا طالبت آلستوم ومعها 13 مجموعة صناعية أخرى بأداء غرامات وتعويضات وصلت قيمتها الى 118 مليون أورو بسبب نفس تلك الممارسات المضرة بالاقتصاد والبلاد التي ارتكبها في البرازيل.
 
بقي فقط أن أتساءل: هل سترسو هذه الصفقة المغربية بيد الشركة الصينية باعتبارها الفائزة في أول طلب عروض أطلقته "كازا تراسبور" أم أن هذه الصفقة سترسو، وبأي ثمن، بيد آلستوم؟
 
لا شي مؤكد الآن، لكن ثمة حقيقة لا ينبغي أن تغيب عن الأذهان وهي أن الشركة الفرنسية لها إعلاميون ونافذون ومدافعون شرسون سيكسبون الرهان بلا شك لأن الماضي والحاضر والسوابق الإجرامية لا تهم والحالة هذه.
 
 
إقرأ أيضا