غير بالفن

هل تعتذر الإمارات للمغرب؟

12/05/2019 22:23
مصطفى الفن

عندما نطالع، اليوم، أخبار هذا "التوتر" الحاصل في العلاقات المغربية - الإماراتية، فإننا لا نملك إلا أن نترحم على زمن الراحل الشيح زايد باني ومؤسس هذا البلد الخليجي الغني بالنفط ولا شيء غير النفط.

وبالفعل، فقد ارتبط إسم الشيخ زايد رحمه الله في الوجدان الجماعي للمغاربة ليس بأعماله الخيرية وباستثماراته الكبرى فقط.

إسم الراحل الشيخ زايد ارتبط أيضا عندنا نحن المغاربة بالمواقف الثابتة والنبيلة لهذا الرجل العظيم الذي كان دائما داعما لقضايانا الوطنية، وفي مقدمتها قضية النزاع في الصحراء.

ولم يذكر تاريخ العلاقات بين البلدين أن الشيخ زايد تآمر على المغرب أو هدد مصالح المغرب أو نسج مخططات تستهدف إستقرار المغرب وأمن المغرب.

الشيخ زايد لم يكن كذلك على الإطلاق، بل كان مغربي الروح ومغربي القلب، حتى أن مخابراتنا هي التي "ساعدته" في تكوين الفريق المكلف بأمنه الشخصي والعائلي بناء على طلب منه شخصيا في عهد الراحل الحسن الثاني.

الجنيرال حميدو لعنيكري، المدير العام السابق للمخابرات المدنية المغربية، مر من ديوان الشيخ زايد. وأكيد أنه يعرف كل التفاصيل المرتبطة بهذا التعاون الأمني الذي عرفته العلاقات بين البلدين في تلك المرحلة الذهبية.

لكن ماذا وقع في بلد الشيخ زايد بعد رحيل هذا الأخير؟ 

لقد خلف من بعده من أضاعوا كل شيء، وتنكروا لكل هذا الماضي الجميل في "مغرب" كان بمثابة بلدهم الثاني، بل إنهم ذهبوا بعيدا في خطط التآمر على المغرب وعلى قضيته الوطنية الأولى: الصحراء المغربية

الإماراتيون فعلوا هذا على الرغم من أنهم يعرفون جيدا حساسية هذا الملف وقدسيته لدى المغرب والمغاربة بمختلف فئاتهم وانتماءاتهم الفكرية والسياسية.

ولا أدري كيف حاول الإماراتيون أن يمسكونا من الجرح الذي يوجعنا في قضية الصحراء، ونسوا أن المغرب وقف إلى جانبهم في قضية الجزر الثلاث (طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبي موسى) المستعمرة من طرف إيران.

وهكذا أصبحت الصحراء المغربية، اليوم، في إعلام محمد بن زايد الحاكم الفعلي للإمارات لأن رئيس الدولة الشيخ خليفة مريض، أرضا غير مغربية، بل أصبحت مجرد "صحراء غربية" لا وجود لها في خريطة المغرب.

أكثر من هذا، لقد أصبح المغرب مع مجيء محمد بن زايد بمثابة بلد "محتل" للصحراء و"داعم" للإرهاب فقط لأن بلدنا احتضن لقاء بالصخيرات لإنهاء الحرب في ليبيا برعاية الأمم المتحدة.

وهذا الكلام لا نطلقه رجما بالغيب، بل هو حقائق موثقة في تقرير إخباري لازال منشورا بمواقع التواصل الإجتماعي و"أشرف" على تحريره صحافي مغربي، ويا للأسف، بالقناة الفضائية "سكاي نيوز عربية" الكائن مقرها ب"أبوظبي".  

ولم يقف التآمر الإماراتي على المغرب عند هذا الحد، بل إن هذا التآمر امتد ليشمل دعوة فنانة من "البوليساريو" مقيمة بإسبانيا، لتغني بإحدى المدن الإماراتية.

المثير أكثر هو أن فنانة "البوليساريو" كانت ستغني بالإمارات في سياق الإستعدادات لمباراة "الديربي" بين الرجاء والوداد التي كان منتظرا أن تجري بالإمارات، قبل أن تلغى بقرار سياسي وربما سيادي من الرباط.

وحتى عندما احتجت أطراف مغربية على هذه "الضربات ما تحت الحزام"، فإن أجوبة الطرف الإماراتي لم تكن مقنعة لأن الإماراتيين أصبحوا - ربما - يتوهمون أنهم دولة عظمى قادرة على أن تضرب في كل مكان، وقادرة على أن تؤدب أي دولة معارضة لسياستها الخارجية.

وظني أن محمد بن زايد، ومن معه، أصبحوا يتحركون على رقعة الخريطة العربية كما لو أنهم أكبر من أن ينشغلوا بصغائر الأمور من قبيل تفسير تصرفاتهم المسيئة لبلد عريق مثل المغرب الذي يجر خلفه قرونا من الزمن ومن التاريخ ومن الحضارة.

والواقع الذي لا يرتفع أن الإمارات ليست حتى دولة بالمحددات المطلوبة في ماهية الدولة المعاصرة، ولم تكن شيئا مذكورا قبل 1971. 

بمعنى آخر أن عمر الإمارات الشقيقة لا يتجاوز 50 سنة، ولولا النفط لظلت نسيا منسيا في غيابات الجب، ولمات أهلها جوعا وعطشا في رمال الصحراء.

شخصيا أعتبر مجرد جلوس الملك محمد السادس حول طاولة واحدة مع مسؤولي بلد لا توجد فيه أحزاب ولا نقابات ولا انتخابات ولا صحف مستقلة ولا جمعيات حقوقية ولا شخصيات معارضة، هو شرف كبير لهؤلاء المسؤولين الإماراتيين.  

وحسنا فعل المغرب عندما استثنى الإمارات  من تلك الجولة التي قادت وزيره في الخارجية ناصر بوريطة، في وقت سابق، إلى أكثر من بلد خليجي، لأن هذا الرد المغربي بهذا "الحزم" كان ضروريا لمواجهة تلك العاصفة الهوجاء من هذا "الحزم" الإماراتي الأرعن.

ولا ينبغي على المغرب أن يقف عند هذا الحد، بل عليه أن يواصل سياسة الحزم هذه، لأن ما قامت به الإمارات من تآمر وغدر، في حق بلد لم يناصبها العداء يوما ما، يتطلب اعتذارا ليس للمغرب الرسمي فقط وإنما للشعب المغربي أيضا

وأنا أتحدث هنا عن دولة الإمارات بهذه الكيفية التي قد تبدو قاسية، فإني أعلن بالمقابل تضامني المطلق مع الشعب الإماراتي الشقيق الذي لا أعتقد أنه يستحق هذه العينة من المسؤولين الذين حولوا البلد إلى سجن كبير.

وفعلا، فمع هؤلاء الحكام الجدد للإمارات، ساد اعتقاد راسخ أن المال وحده قادر على شراء كل شيء في أي بقعة أو دولة في العالم

وهذا وهم ما بعده وهم، لأن الحقيقة هي أن المال والنفط لم يجعل من الإمارات سوى دولة مكروهة وعدوة رقم واحد لكل العالم الحر ولكل الشعوب التواقة للحرية والكرامة.

وربما لهذا السبب، لا تخلو أي احتجاجات في أي بلد عربي أو غير عربي من شعارات مناهضة للإمارات ومطالبة برحيل مسؤوليها، ومحاكمتهم أمام المحاكم الدولية في قضايا لها صلة بالإنتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في أكثر من بؤرة توتر فوق هذه الأرض.

إقرأ أيضا