الرأي

بنسعيد أيت يدر

01/02/2019 23:11
حسن طارق
في قوائم مايمكن نعته بكثير من التعسف، دخولا ثقافيا مغربيا ،تمة عنوان لافت، إنه مذكرات المقاوم والسياسي اليساري محمد بنسعيد ،الصادرة عن المؤسسة التي تحمل اسمه ،والتي تعنى بالأساس بجهد مقدر في حفظ ذاكرة النضال الوطني والسياسي ،و الدفاع عن القيم الكبرى التي صاغتها التجربة الإنسانية و النضالية لجيل الرواد الذين رافقوا في بدايات شبابهم ولادة الفكرة الوطنية المغربية ،كشكل جديد للإنتماء و كمشروع ثقافي واجتماعي للمستقبل وللوجود ، ليعيشوا بعد ذلك ،بما يكفي من إلتزام وانخراط وتفاعل ، لحظة تأسيسية ليست سوى استقلال البلاد و انطلاق دورة سياسية جديدة بتقاطبات مغايرة و أسئلة حارقة ،شكلت الديمقراطية واحدة من أكثرها اثارة للخلاف بل قل للصراع والتطاحن ، وليعبروا ضمن هذا السياق من التباسات آيام الاستقلال الآولى الموزعة بين الآمل و الإحباطات ،الى الوضوح القاسي للخيارات السلطوية لسنوات الستينات والسبعينيات ، والجزر الحاد لثمانينات الاحتجاج والقمع وسياسات التقشف ،و صولا الى نوافذ الأمل التي بدأت تشرع وعودها بالتغيير منذ التسعينات ،من خلال البحث عن ميثاق سياسي جديد محمول على خلفية انهاك عام للبلاد ،لكن كذلك لان عالما جديدا كان قد انطلق في التشكل من الاحجار المثناترة من الجدار البرليني الشهير ، الوعود نفسها ستقاوم جدلية الفشل واليأس مع مجيء ملك جديد ،و فتح باب الانصاف و المصالحة ،ثم مع قدوم ربيع مغربي على ايقاع انفجارات 2011،سيترك هو الآخر مكاسب للتاريخ ،بقدر ما سيغذي إرادات التراجع و النكوص.
التحق بنسعيد ،الذي تلخص حياته قرنا مغربيا حافلا بالدلالات السياسية والثقافية ، صغيرا بمقاومة الاستعمار ،من باب الوطنية المغربية الناشئة ومن قلب احدى تعبيراتها الحزبية الاكبر : حزب الاستقلال ، ليجد نفسه في نهاية الخمسينات الى جانب المنشقين عن هذا التنظيم ضمن ما ستسيمه الكثير الأدبيات السائدة خلال تلك المرحلة بالجناح التقدمي للحركة الوطنية والذي كان أكثر الحاحا في ربط غايات الاستقلال الوطني بأهداف التحرر السياسي واعادة بناء النظام السياسي على اسس أكثر شعبية ،على انه سيرتبط خلال السبعينات بجيل اليسار الجديد الذي حدد تموقعه على يسار القوى الوطنية ،مآخوذا بخيبة الاستقلال كما تجسدت بمشهدية مثيرة في احداث الدار البيضاء 23مارس1965 ،و بمرارة الانتماء العروبي من خلال نكسة 67 ، و بالآمال الغامضة التي فجرتها انتفاضة الشباب في ماي 68 .
رفقه شباب تنظيم 23مارس ،أحد تعبيرات اليسار الجديد المغربي ،سيقود بنسعيد تجربة الولوج الى الشرعية ،و القطع مع اختيار السرية ، حيث سيعود من المنفى لزعامة منظمة العمل الديمقراطي الشعبي ، إح
دى التجارب التنظيمية اليسارية التي طبعت اليسار العربي ،طوال عقدي الثمانينات والتسعينات ، بقدرتها على تجاوز عائق الانتشار الجماهيري ،بآداء إعلامي لافت جسدته جريدة "أنوال"، و بحساسية عروبية مقدامة ، و باسهام وازن في اغناء الثقافة السياسية التقدمية ودعم فكرة الاصلاح و الدفاع عن القضية الوطنية من داخل مقولات اليسار ،و بالتميز في بناء حركة نسائية بنفس جديد. 
بين بنسعيد الشاب المنخرط في خلايا المقاومة ضد الاستعمار ،و بنسعيد الشيخ المحمول،في صورة أيقونية ، على أكتاف شباب 20فبراير أمام مقر الحزب الاستراكي الموحد في احدى تظاهرات 2011، مسار ممتد من التحولات والرهانات و الأحلام و الوقائع ، و علامات من الالتقاء والتقاطع بين الذاكرة الشخصية و التاريخ السياسي العام. 
كتاب " هكذا تكلم محمد بنسعيد "،الذي قدم بالمكتبة الوطنية الجمعة فاتح فبراير 2019،محاولة لاستعادة فصول من هذا الامتداد في الزمن والأحداث والسياسة الوطنية ،وهو بالمناسبة جزء أول من مذكرات هذا المقاوم ،على أنه ليس إصداره الأول ،فبنسعيد سبق له ان نشر اكثر من كتاب ، بنفس خلفية استعادة أحداث كبرى من التاريخ المعاصر ،من باب الشهادة والذاكرة.
في هذا الجزء يقدم بنسعيد محكياته حول وقائع و أحداث مثل تأسيس الكتلة الديمقراطية ،والعلاقة بين احزابها و الملك الراحل ،و خلفيات بعض محطات الإصلاح الدستوري والسياسي ، و تفاصيل حول تجربته البرلمانية كعضو بمجلس النواب المغربي. 
الواقع أن المغرب شهد في بدايات الآلفية حالة انفجار للذاكرة السياسية والنضالية ، تمثلت في تتالي عناوين متعددة تناولت تجارب الاعتقال السياسي و المنافي ،سواء من خلال كتابات للذاكرة أو أعمال ابداعية متخيلة ،وفي انفتاح الصحافة المستقلة على ملفات و أحداث ظل الاقتراب منها يدخل لسنوات ضمن خانة الممنوع . ولاشك ان مناخ الانصاف والمصالحة قد أسهم في اعادة تملك الماضي وفي إطلاق حالة بوح عمومي حر ، و لفت الأنظار الى ضرورة الاهتمام بالتاريخ الراهن ،و وضع الذاكرة السياسية ،الشخصية ،المطبوعة بالتجربة تحت انظار المؤرخ و عالم الاجتماع ،لبناء خطاب منحاز للحقيقة والموضوعية. 
في السياق القريب لهذا الإصدار الجديد ،لابد من الانتباه الى تواتر ملحوظ في الإصدارات ذات الصلة بجنس المذكرات السياسية ، ذلك أن رئيس الحكومة الأسبق و القائد اليساري عبد الرحمان يوسفي ،نشر في الثامن من مارس السنة الماضية،تزامنا مع عيد ميلاده الرابع والتسعين كتابا موسوما ب"أحاديث في ما جرى" ،وكان قد سبقه في ذلك عبد الواحد الراضي الذي تحمل هو الآخر مسؤولية قيادة الإتحاد الاشتراكي و ترأس البرلمان لعدة ولايات ،عندما نشر قبل سنتين مذكراته تحت عنوان "المغرب الذي عشته"، الى جانب هذه المؤلفات تحفل المكتبة السياسية بإصدارات حديثة لعديد من الفاعلين ، مقاومين و سياسيين و قادة أحزاب و وزراء سابقين. 
واذا كان هذا الحيز لايسمح بتقييم هذا المنجز المتواضع لسجل الجيل الثاني لهذه المذكرات  ،ولا بصيغ كتابتها ،وحدود الحكي داخل بنيتها ،و بياضاتها ،و تقاطعاتها ، و اضاءاتها لعديد من العتمات التي تطبع جوانب من التاريخ السياسي ،فإن الملاحظة السريعة التي قد يستدعيها هذا الحديث تسمح بالانتباه للتفاوت في أنماط هذه الكتابات ،و بنزعة غالبة في الاحتفاظ بمناطق ظل واسعة ، على أن ذلك لا يحجب حقيقة أن هذا المنجز يفتح كوة ضوء صغيرة وسط جدار سميك صنعته ثقافة الكتمان والسرية التي ظلت وسما طاغيا للحياة السياسية المغربية المعاصرة. 
 
إقرأ أيضا