غير بالفن

قضية مقتل أيت الجيد.. دفاعا عن الوطن

25/12/2018 5:54
مصطفى الفن
أعترف أن ثقافتي القانونية والدستورية متواضعة جدا. وأعترف أيضا أني لا أقرأ فصول الدساتير وبنودها وموادها إلا مكرها لأن لغة القانون كانت دائما بالنسبة إلي مجرد كلمات ومتون جافة أو ميتة لا روح فيها. 
 
لكن لا أعتقد أن ملف برلماني البيجيدي عبد العالي حامي الدين في قضية مقتل أيت الجيد يحتاج إلى خبرة قانونية أو زاد معرفي عال من الثقافة القانونية للخوض في هذا الملف الذي قد يكون له ربما ما بعده إذا لم يتم الاحتكام إلى العقل.
 
لماذا؟
 
لأن هذه القضية لم تعد اليوم تهم حامي الدين لوحده وإنما أصبحت تهم حتى مستقبل العلاقة بين الدولة وبين الحزب رقم واحد في المغرب، أي حزب البيجيدي الذي يقود حاليا الحكومة ويقود كل المدن الكبرى والصغرى في البلد كله وله أكثر 120 برلماني بمجلس النواب. 
 
ولا أعتقد أيضا أن ملف حامي الدين هو ملف قانوني تحكمت، في إحيائه، مسطرة قضائية صرفة وسليمة لإنصاف طالب يساري اسمه أيت الجيد قتل، قبل ربع قرن، في صراع سياسي بين فصائل طلابية. 
 
ملف حامي الدين هو بلا شك ملف سياسي خاصة بعد ظهور هذه الإفادة التي قال فيها الشاهد الوحيد، والمدان هو أيضا في الملف نفسه، الخديوي الخمار "إنه لا يعرف حامي الدين ولا يعرف ما إذا كان حاضرا أم لا مع الذين حاصروه رفقة أيت الجيد لأن عددهم كان كبيرا وترواح بين 25 و30 فردا".
 
أكثر من هذا، لقد قال الخديوي الخمار أيضا في إفادته التي نسفت ربما كل شيء: "أنا لم أتعرف على حامي الدين إلا في السجن".
 
الخديوي الخمار عندما قال هذا الكلام لم يكن مخدرا أو غير واع ولم يكن في لحظة غيبوبة أو في جلسة خمرية داخل بار..
 
الخمار قال هذا الكلام في ضيافة الشرطة القضائية بلا ضغط وبلا إكراه وبلا تعنيف وقال هذا الكلام في وثيقة رسمية وفي محضر رسمي أثناء الاستماع إليه سنة 2011.
 
 فماذا تعني هذه الإفادة التي جاء فيها هذا الكلام الواضح والصريح وغير المزور ولا يقبل من التأويل إلا وجها واحدا؟
 
هذه الإفادة تعني شيئا واحدا لا ثاني له وهو أن حامي الدين بريء من دم أيت الجيد اللهم إلا إذا أراد البعض أن يزج بالعدالة في هذا المنطق الانتقائي: "مال بوك مزغب".
 
وأرى أنه من الصعب جدا أن يقرأ قاض، نزيه ونظيف اليد وصاحب "ضمير مسؤول"، بتعبير الملك محمد السادس، هذه الإفادة للخمار ثم لا يحفظ هذا الملف حفاظا على السمعة الحقوقية للبلد ولو أن سبقية البت في الملف وحدها كافية في تعليل الحفظ.
 
وأنا لا أدافع هنا عن حامي الدين أو غيره لأن حامي الدين مجرد شخص وليذهب إلى الجحيم إذا ما ارتكب جناية تستوجب العقاب لأن الأشخاص، بالنسبة إلي، زائلون، فيما الوطن باق.
 
 وأنا مع الوطن ضد كل من يريد به شرا.
 
ولا أفهم أيضا كيف أصبحت عدالة بلد بكامله بيد شاهد واحد ووحيد يقول الشيء ونقيضه دون أن توجه إليه تهمة تضليل العدالة أو تهمة الضحك على العدالة لأن السيد الخمار أدلى بشهادات متعددة ينسخ بعضها بعضا في ملف واحد.   
 
وأنا أختلف مع الذين يضعون ملف حامي الدين في نفس الخانة مع ملفات أخرى لازالت رائجة أمام المحاكم أو ملفات قالت فيها العدالة كلمتها مثل حراك الريف أو جرادة أو غيرهما..
 
أقول هذا ولو أنه حتى في هذه الملفات نفسها، هناك الكثير من السياسة، والقليل من القانون، والثقيل من الأحكام غير المتناسبة مع الأفعال المرتكبة.
 
فمثلا، محاكمة الصحافي حميد المهداوي محاكمة فيها الكثير من الشطط وفيها الكثير من التجاوزات ولم تستند إلى أي أساس قانوني واضح ومقنع. 
 
المهداوي حوكم بثلاث سنوات سجنا نافذا بتهمة شبه وهمية أو قل بتهمة مضحكة: التستر على مهاجر مقيم في الخارج كان يريد إدخال دبابة عسكرية إلى المغرب.
 
وفعلا إنها تهمة مضحكة لأن إدخال دبابة عسكرية إلى أي دولة حتى لو كانت هذه الدولة بلا جيش وبلا شرطة وبلا جمارك حدود، لا يمكن أن يحدث إلا في البرامج التلفزية الخاصة ب"science-fiction".
 
وأكاد أعتبر  محاكمة المهداوي بهذه التهمة الغريبة مع عقوبة ثقيلة هي بمثابة نموذج صارخ على أن القانوني سرعان ما يتوارى إلى الخلف عندما يدخل السياسي على الخط. 
 
ورغم كل هذا، ستبقى قضية حامي الدين سابقة قضائية لأن التعسفات والخروقات لم تستهدف إجراء مسطريا عاديا يمكن تداركه في مرحلة من مراحل التقاضي الموالية.
 
أبدا.
 
التعسفات والخروقات في قضية حامي الدين استهدفت قواعد البيت واستهدفت أركان العدالة واستهدفت ما هو أخطر من ذلك وهو صورة المغرب وما راكمنا من رصيد مشرق ومشرف في مجال الحقوق والحريات حتى وإن كنا نسير في هذا المنحى ببطء.
 
وربما لهذا السبب خرج مصطفى الرميد، وزير الدولة   المكلف بحقوق الإنسان، عن تحفظه، وكتب تدوينة على الفايسبوك لينبه وليحذر وليدق ناقوس الخطر لأن القضية، بالنسبة إليه، ليست قضية زميل في الحزب وإنما قضية وطن وأمنه القضائي.
 
وليس الرميد لوحده من خرج إلى العلن في قضية حامي الدين، بل هناك أيضا حقوقيون وفاعلون مدنيون وسياسيون وإعلاميون من مرجعيات فكرية مختلفة قالوا بلسان واحد في هذا الملف: "اللهم إن هذا لمنكر".
 
واللافت للانتباه هنا هو أن العديد من هؤلاء المتضامنين مع حامي الدين لا يجمعهم أي شيء مع العدالة والتنمية لا في الدنيا ولا في الآخرة.
 
وإذا كان مفهوما أن يخرج السياسيون والحقوقيون وغيرهم إلى العلن في قضية حقوقية تبدو لهم عادلة فإن غير المفهوم هو أن يخرج القضاة، بجميع جمعياتهم المهنية، ليدخلوا في جدل مع حزب سياسي وليعلقوا على وقائع مرتبطة بملف قضائي معروض أمام المحاكم. 
 
وأخشى أن يكون هذا ما وقع بالضبط في ملف حامي الدين.
 
 ثم إنه من حق الناس أن تتساءل حول خلفيات هذا الخروج الإعلامي غير المسبوق لقضاة مطوقين بواجب التحفظ والوقار ليردوا على حزب وعلى وزير دولة.
 
شخصيا كنت سأتفهم هذا الخروج الإعلامي للقضاة، الذين أكن للكثيرين منهم كل التقدير والاحترام، لو سبقته خرجات أخرى مماثلة ضد أي جهة تريد التدخل والتأثير على القضاء مهما كانت هذه الجهة ومهما كان نفوذها.
 
حسب علمي، لم يقع هذا يوما ما.
 
ثم ماذا سيقول القاضي داخل أسوار المحكمة إذا قال كل شيء في ندوة صحفية داخل فندق وعرف الناس مسبقا رأيه في هذا الملف القضائي وفي تلك الوقائع وفي ذاك الحزب السياسي وفي ذاك الوزير وفي ذاك البرلماني؟
 
لا شيء.
 
وبالطبع، فإذا عرف الناس مسبقا رأي القاضي في ملف معروض عليه، فهذا يقود حتما إلى التجريح في القاضي نفسه. 
 
 ولأن القضاة، بكل جمعياتهم، خرحوا عن تحفظهم وأصبحوا على قلب رجل واحد في ملف حامي الدين وقالوا كلاما لا يختلف كثيرا عما يقوله أي حزب معارض في بلاغات مكتبه السياسي، فيبدو أن الطريق نحو التحكيم الملكي أصبح سالكا في هذه النازلة القضائية المثيرة.
 
ولاحظوا كيف توالت هذه الخرجات الإعلامية لقضاتنا كما لو أن التأثير أو التدخل في القضاء وقع لأول مرة في تاريخ المغرب مع هذه التدوينة اليتيمة للرميد. 
 
الرميد شخصية قوية وأتاه الله صبر أيوب وقادر على الدفاع عن نفسه ولا يحتاج إلى شخص ضعيف مثلي ليدافع عنه لكن خروج وزير الدولة بهذه التدوينة ليس مؤشرا على أن الرجل نافذ ويملك سلطة التأثير أو التدخل في القضاء.
 
خروج الرميد بهذه التدوينة هو، في نظري، دليل قطعي على أن وزيرنا في الدولة المكلف بحقوق الإنسان لا يملك إلا الصراخ والتدوين ولا شيء غيرهما.
 
 والصراخ يبقى مجرد صراخ، لا ينفع ولا يضر لأن الذين ربما يتحكمون فعليا وعمليا في القضاء لا يحتاجون إلى تدوينات بل لا يملكون حتى حسابات على الفايسبوك.
 
ولا أخفي أني كنت أتوقع ألا يكتفي الرميد بتلك التدوينة الفايسبوكية الوحيدة في مثل هذه السابقة القضائية التي تهدد سفينة القضاء المغربي بالغرق الجماعي.
 
نعم لقد كنت أتوقع أن يرد الرميد أيضا بندوة صحفية على الندوة الصحفية لجمعيات القضاة ولو أن موقعه كوزير مكلف بحقوق الإنسان يسمح له ربما حتى بمراسلة المجلس الأعلى للسلطة القضائية لأن الجهاز التنفيذي هو الذي يضع السياسة الجنائية وهو المسؤول عن تنزيلها السليم. 
 
بصيغة أخرى، لو كان الرميد فعلا يتدخل في القضاء لوقع ربما هذا التدخل عندما كان الرجل وزيرا للعدل والحريات، أي عندما كانت له صلاحيات حقيقية: يرأس النيابة العامة والمجلس الأعلى للقضاء ويملك سلطة تأديب وترقية القضاة.
 
بمعنى أن الحديث حاليا عن تدخل الرميد، وهو شبه معفى داخل وزارة بلا أنياب، هو مجرد كلام ليل يمحوه النهار، والهدف منه ربما هو إعطاء "قداسة" مفترضة لأي قرار قضائي مهما تضمن من خروقات.  
 
وهذا لا ينبغي أن يكون في بلد ذهب بعيدا في وضع "بنيات تحتية" دستورية وقانونية ومؤسساتية متقدمة  حتى أن ملك البلاد شخصيا نزع عن نفسه "القداسة" وقال بهذا الخصوص: "القداسة لله وأنا ملك مواطن". 
 
بقي فقط أن أقول. أستبعد أن يذهب بلدي في منحى قلب ظهر المجن إلى ما بناه وما بذله من مجهودات هامة في مجال الحقوق والحريات حتى وإن كانت تسير بغير السرعة المطلوبة.
 
وسأظل متفائلا لأن في هذا البلد عقلاء وحكماء لا تشغلهم صغائر الأمور بقدر ما تشغلهم القضايا الكبرى للبلد ويشغلهم مستقبل البلد واستقرار البلد ومصالح البلد وما عدا ذلك يبقى "négligeable".
 
 
 
 
إقرأ أيضا