الرأي

دول "الساحل": بين التزامات المغرب وتمويلات المانحين

08/12/2018 1:12
زهير داودي
 يبدو ظاهرياً أن مؤتمر "الدول الشريكة والمانحة لمجموعة بلدان الساحل الخمسة"، والذي اختتم أشغاله أول أمس الخميس (6 دجنبر) في العاصمة الموريتانية، قد حقق الهدف الأول من انعقاده، والرقم المعلن في "بيان نواكشوط" الختامي يؤكد ذلك: وعود بتعبئة 2,4 مليار أورو، وهو مبلغ مهم يتخطى هدف التمويل الأساسي بنسبة 127 في المائة.
 
صحيح أن الشركاء والمانحين، وفي مقدمتهم الإتحاد الأوروبي وفرنسا والبنوك والصناديق الإستثمارية، أكدوا التزامهم بتوفير التمويلات المالية اللازمة لتنفيذ ودعم "برنامج الإستثمارات ذات الأولوية لمجموعة دول الساحل الخمس خلال مرحلة 2019/2021".
 
غير أن كل التخوف التلقائي والمشروع الذي تعبر عنه قيادات وشعوب المنطقة (موريتانيا، تشاد، النيجر، مالي وبوركينافاسو)، قد يتحول إلى كابوس حقيقي يقض المضاجع إذا بقيت هذه الإلتزامات حبيسة رفوف الوعود والتمنيات، ولم تنزل إلى أرض الواقع في شكل مشاريع تركز على الإستثمارات الإقتصادية المجدية والتنمية البشرية النافعة، ودون إغفال أهمية إدارة الأزمات وحل النزاعات الداخلية بالطرق الديموقراطية السلمية وحماية الأمن الداخل بما يساهم في محاربة فعلية وناجعة للأسباب الرئيسية والمباشرة للإرهاب، الداخلي والخارجي، الذي يتغذى من الشعور بالإقصاء والظلم والتهميش وانعدام الأفق في مستقبل أفضل.
 
من المنطقي أن يشكل التخوف من عدم الإلتزام بتوفير التمويلات الضرورية وخاصة من طرف الإتحاد الأوروبي وفرنسا، وهما من كبار الفاعلين في مؤتمر نواكشوط، عنصراً مساعداً وعاملاً محفزاً على تعميق معاناة دول الساحل مع الضربات الإرهابية التي تقتل الأبرياء وتهدم وتخرب شروط الحياة الآمنة في هذه المنطقة الجيوسياسية المهمة في القارة، ولا سيما في المناطق الحدودية حيث تستغل التنظيمات المتطرفة والجماعات الدموية ضعف مناعة الدولة على مستوى الكفاءة الأمنية والإستخباراتية للتغلغل والتمركز فيها كما هو الحال في النيجر ومالي.
 
في مقابل "مقاربة وعود التمويل المالي" لدعم معادلة "الأمن والتنمية" من خلال برمجة تنفيذ أربعين مشروعاً في دول الساحل الخمس، برزت المقاربة المغربية التي تنتصر لقيم الأخوة والتضامن، وتحترم أواصر الإنتماء المشترك للقارة الإفريقية، وتعلي من شأن المصير المشترك وتقاسم الخبرات والمنافع.
 
لقد اتضح جلياً، للجميع في مؤتمر نواكشوط، أن المغرب ظل وفياً لسياسته الإفريقية، الهادئة والواعدة والصادقة، التي هندسها جلالة الملك محمد السادس منذ أزيد من عقد، والتي تقوم على تغليب كفة المشاريع الملموسة التي تهم مباشرة الإنسان الإفريقي الذي كان ضحية إذلال وسيطرة وتكالب القوى الإستعمارية على مدى عقود طويلة.
 
فقد أكد رئيس الحكومة سعد الدين العثماني الذي ترأس بتكليف من جلالة الملك، الوفد المغربي المشارك في هذا المؤتمر، وأمام كل المشاركين وعلى رأسهم رؤساء وقادة دول الساحل، أن المملكة ستدعم بقناعة راسخة وبكل مسؤولية "برنامج الإستثمارات ذات الأولوية لمجموعة دول الساحل الخمس" من خلال التكوين في مجال الإستخبارات بهدف مكافحة الإرهاب بأداء مهني عالٍ، والمشاركة في تمويل مشاريع كهربة المناطق الريفية الحدودية في دول المجموعة، وتعزيز قدرات القطاع الفلاحي وخاصة المزارعين الصغار، وتقديم الدعم في المجال الصحي وغيرها من المجالات التي طور فيها المغرب خبرات كبيرة هي الآن تفيد مشاريع تنموية مهيكلة في مختلف دول القارة.
 
على أن هذه الإجراءات ليست الوحيدة، بل هنالك مساهمات مغربية أخرى ستكون رهن إشارة دول المنطقة تماشياً مع الإحتياجات المُعْلَنِ عنها في مجال الاستثمارات، وفق ما جاء في كلمة سعد الدين العثماني في جلسة افتتاح المؤتمر.
 
وكما تابعنا في قصاصات وكالات الأنباء وقنوات فضائية ومواقع إخبارية إفريقية ودولية، فقد حظيت محاور المساهمة المغربية في "برنامج الإستثمارات ذات الأولوية لمجموعة دول الساحل الخمس خلال مرحلة 2019/2021"، بتثمين كبير وإشادة عالية من قادة دول المنطقة ومن باقي الشركاء الدوليين والصناديق الإستثمارية.
 
في المعنى الإستراتيجي لمشاركة المغرب الوازنة في قمة نواكشوط حول "تنمية دول الساحل الخمس"، تبرز مجدداً القيمة الإعتبارية المهمة التي يتمتع بها جلالة الملك محمد السادس داخل كل المحافل الدولية، ودور المغرب الريادي من خلال توفره على مجموعة من المؤهلات التي لا تتوفر في غيره من البلدان.
 
انعقاد مؤتمر نواكشوط، شكل مرة أخرى، مناسبة سانحة للدول المشاركة للوقوف على ما يُمَيِّزُ المملكة المغربية من خصائص القيادة والريادة وقدرات إنتاج وتقاسم المنافع.. والتي كانت دائماً في خدمة القارة السمراء على امتداد كل خريطتها الشاسعة، ويمكن إبراز هذا التميز في خمسة محاور.
 
- أولا: قيادة رشيدة ومحترمة على المستويات الجهوية والقارية والدولية، ويتجلى ذلك في الإستقبالات المميزة التي يحظى بها جلالة الملك محمد السادس من طرف قادة الدول العظمى، ورجوع هذه الدول إلى المغرب للإستشارة والتباحث بشأن قضايا إستراتيجية، والمواقف الثابثة والمستقلة التي ما فتئ جلالة الملك يعبر عنها إزاء مختلف الأزمات. وكل ذلك أكسب المملكة سمعة طيبة لا تتمتع بها إلا الأمم الرائدة. 
 
- ثانيا: المغرب اكتسب تجربة مهنية فريدة وكبيرة في مجال السياسة الأمنية الإستباقية المتصدية بكفاءة عالية للإرهاب والتطرف الديني والإتجار في المخدرات والسلاح وتهريب البشر، حيث أصبح محط استشارات دول كبيرة ما فتئت تطلب تقوية التعاون الأمني والعسكري مع المملكة.
 
- ثالثا: المغرب أصبح قطباً اقتصادياً ومالياً جهوياً وقارياً يُصَدِّرُ المعرفة التي راكمها في قطاعات إنتاجية وخدماتية مهمة، ويشارك تجاربه الناجحة مع الدول التي تطلب منه أن يتقاسم معها خبراته، ولعل المشاريع التنموية الإقتصادية والإجتماعية والبيئية المنجزة في مختلف دول إفريقيا، وتلك التي تنفذ حاليا في القارة، هي خير نموذج على الشراكة المتبادلة والتضامنية التي أسسها جلالة الملك محمد السادس لصالح دول الجنوب. 
 
- رابعا: مقارنة مع دول المنطقة، يمكن القول إن المغرب أضحى يشكل نوعاً من الضمانة بالنسبة للعديد من الدول الإفريقية، وذلك لما يتمتع به من ثقة متعاظمة ورصيد كبير من المصداقية لدى مختلف المؤسسات الدولية، ويكفي أن ينضم المغرب إلى تكتل ليحظى بالمصداقية والدعم من طرف المؤسسات ذات الثقل والتأثير الدوليين.
 
- خامساً: المغرب، على امتداد تاريخه الحديث، سِجِلُّهُ حافل بالوفاء بالعهود والإلتزامات، ورفع التحديات مما أكسبه سمعة معتبرة وحسن سلوك رفيع في مختلف علاقاته الثنائية وشراكاته مع امتداده الإفريقي ومحيطه الأوروبي وغيرها من الفضاءات الجيوسياسية ذات التأثير الواضح على مجرى الأحداث والمواقف وصنع القرار في العالم كالصين وروسيا.
 
وارتكازاً على كل هذه المعطيات الأساسية،  وارتباطاً بنتائج ومخرجات "مؤتمر نواكشوط حول التنمية في دول الساحل الخمس"، يُعَوَّلُ على المغرب، بقيادة جلالة الملك محمد السادس، لمواصلة أداء دوره القيادي والتحفيزي في المنطقة من أجل إرساء مقاربة تنموية مبنية على تحقيق المنفعة للجميع، ليس فقط في دول الساحل الخمس، بل في كل امتدادات جغرافية الساحل والصحراء الكبرى التي تحتاج لمن يضخ فيها شروط الثقة في نفسها، والمغرب له ما يكفي من الإرادة السياسية للمساهمة الجادة والمسؤولة لزرع بذور الثقة بالنفس. ومن هنا تبدأ رحلة التنمية المستدامة لهزم حزام الإرهاب الناسف.
 
*صحافي
 
 
 
 
إقرأ أيضا