غير بالفن

البام.. أوهام بنشماش

27/11/2018 16:30
مصطفى الفن
جرت العادة أن تولد الأحزاب صغيرة ثم تكبر مع مرور الزمن إلا حزب "الأصالة والمعاصرة" فقد ولد كبيرا ثم أخذ يصغر إلى أن أصبح مجرد "حلبة" ضيقة يتشاجر فوقها بضعة يساريين أثرياء بلا أفق وبلا شغف وبلا حلم.  
 
أو دعونا نقول إن البام يشبه اليوم وضعية "رجل مريض" جرب كل الأدوية دون أن تتحسن أحواله الصحية، بل إن حالته الصحية لم تزدد إلا سوءا سنة بعد أخرى.
  
 وأكيد أن مرور خمسة أمناء عامين من رئاسة هذا الحزب خلال أقل من 10 سنوات هو مؤشر دال على أن المرض مزمن وليس نزلة برد عابرة.
 
المثير أكثر هو أن جميع هؤلاء الأمناء العامين الذين تناوبوا على كرسي الرئاسة ب"حزب الدولة" رحلوا الواحد تلو الآخر دون أن يعرف أي أحد منهم حتى سبب رحيله ولا سبب مجيئه أصلا.
 
ويبدو أن الأمين العام الحالي للبام حكيم بنشماش يرتكب نفس الأخطاء التي ارتكبها بعض أسلافه لأن الرجل يتوهم أنه فعلا أمين عام حقيقي لحزب سيد نفسه وفي ملكية "مناضليه".
 
وهذا وهم ما بعده وهم.
 
والحقيقة أن البام ليس في ملكية "مناضليه". ونقول هنا "مناضلين" تجاوزا لأنه من الصعب ربما أن نتحدث عن وجود "مناضلين" داخل هذا الحزب.
 
لماذا؟
 
لأن البام غادره مناضلوه وغادره مؤسسوه وغادره حكماؤه وغادره عقلاؤه عندما رأوا أن هذا المشروع السياسي تحول إلى مجرد مشروع تجاري أساء إلى سمعة الدولة أكثر مما أفادها.
 
بل إن البام هو الذي عجل بوصول الإسلاميين إلى السلطة ليقودوا الحكومة لولايتين متتابعتين وليسيروا كل المدن الكبرى والصغرى في المغرب كله.
 
وفعلا، فقد كاد هذا الحزب، في وقت من الأوقات، أن يصبح بمثابة إدارة من الإدارات أو عمالة من العمالات أو جهاز من أجهزة الدولة نفسها. 
 
أما اليوم فإن البام، مع هذه العينة الجديدة من القادة، فقد تحول إلى مجرد "شيء ما" يعبر الصحراء بلا هدف وبلا وجهة محددة وبلا فكرة تحرك المنتمين إليه.   
 
نعم يصعب أن نتحدث عن "مناضلين" في حزب يوجد فيه أحفاد "حميدو الذيب" في قمرة القيادة.
 
وبنشماش نفسه يعرف جيدا هذا المعطى السوسيولوجي الذي كان وراء دخول هذا الحزب إلى أرذل العمر في فترة زمنية قصيرة جدا.
 
أكثر من هذا، فبنشماش يعرف أيضا أن الكيفية التي جاء بها هو شخصيا إلى رئاسة إلى مجلس المستشارين أو إلى رئاسة الحزب لم تكن تتويجا لعمل نضالي طويل.
 
الكيفية التي جاء بها بنشماش إلى مثل هذه المناصب السيادية كانت ملتبسة وتزرع الشك ولم تحترم المسطرة وغير مسنودة لا بشرعية ولا بمشروعية ولا بكتلة ناخبة.
 
فهل ينفي بنشماش أن هناك أثرياء أكرهوا إكراها على المساهمة المالية في حملته الانتخابية بدائرة يعقوب المنصور بالرباط لكي يظفر، بغير حق، بذاك المقعد الجماعي الذي فتح له الباب على مصراعيه أمام الثروة والجاه؟
 
وكم ضحكت عندما علمت أن بنشماش أصدر توبيخا شفويا في حق أحمد اخشيشن الذي يعد واحدا من مؤسسي الحزب فقط لأن هذا الأخير لم يرد على هواتفه الكثيرة.
 
بنشماش فعل هذا رغم أن الطرد أو التوبيخ أو التوقيف أو التأديب ليس من اختصاص الأمين العام وإنما من اختصاص مؤسسات أخرى داخل الحزب تحمل اسم هيئة الأخلاقيات.
 
والواقع أن بنشماش وبخ اخشيشن ليبعث رسالة إلى الداخل والخارج مفادها أن ابن الريف هو صاحب البيت وأن ترتيبه عند "امالين الوقت" هو أعلى وأحسن من ترتيب اخشيشن نفسه حتى وإن راج أن هذا الأخير واحد من كتبة الخطب الملكية ومكلف بمهمة داخل الديوان الملكي.
 
 ولم يكتف بنشماش بتوبيخ اخشيشن فقط، بل إنه قرر أيضا طرد حتى نائبه بجهة مراكش سمير كودار، والسبب أن كودار قاطع أو ربما حرض آخرين على مقاطعة نشاط حزبي دعا إليه بنشماش نفسه.
 
بنشماش ذهب أبعد من ذلك ولمح إلى أن كودار يستحق الطرد لأنه ارتكب اختلالات في تدبير شؤون الجهة.
 
لكن، ومهم جدا هذا الاستدراك، إذا كانت هذه الاختلالات المفترضة التي ارتكبها كودار تستوجب الطرد، فماذا يستوجب هذا الثراء الفاحش الذي ظهر، في ليلة واحدة، على بنشماش وعلى أسرته الصغيرة رغم أن الرجل لم يكن يملك أي شيء وكانت تجوز فيه الصدقة قبل بضعة أيام؟
 
ثم إنه من غير اللائق أن ينشغل بنشماش باختلالات الآخرين وينسى ما هو أخطر منها وهو هذا الحديث عن الاتجار المفترض في التزكيات الانتخابية الذي حول بضعة يساريين معدمين إلى أعيان كبار يملكون ثروات لا تغرب عن الشمس.
 
 ولا أعتقد أن بنشماش يجهل مثل هذه الحقائق خاصة أنه هو نفسه لم يبرر إلى حد الآن مصدر ثروته المفاجئة والباعثة على الشك.
 
ومن حق الناس أن تشك عندما تسمع أيضا أن بنشماش "اشترى" المنصب الأهم بآخر غير مهم داخل مجلس المستشارين لتجري الصفقة على هذا الشكل: 
 
"لقد تم منح النيابة الأولى بالمجلس للباطرونا في شخص الصويري ليظل المحارشي محاسبا على رأس مالية المجلس رفقة بنشماش".
 
وبالطبع، فما خلا رجلان بمالية مجلس أو حزب إلا كان الشيطان ثالثها وإلا ما معنى أن يقول بنشماش إنه منح النيابة الأولى بالمجلس للباطرونا بطلب من رئيسها صلاح الدين مزوار قبل أن يتبين فيما بعد أن مزوار لا علم له بأمر هذه الصفقة؟
 
بقي فقط أن أقول. إن هذه الاستعدادات الجارية لتشكيل لجنة برئاسة اخشيشن لفتح حوار مع بنشماش حول الوضع الداخلي للحزب لا تعدو أن تكون مضيعة للوقت والمال.
 
لماذا؟
 
 لأن بنشماش في وضع مريح وهو غير منشغل لا بالحزب ولا بوضعه الداخلي ولا بأي شيء آخر.
 
ما يهم بنشماش اليوم هو ثروته الصغيرة أولا ثم أسهمه المرتفعة في بورصة المخزن. 
 
وبالفعل، فأسهم بنشماش مرتفعة في بورصة المخزن والدليل على ذلك هو هذا الإجماع غير المسبوق للأغلبية والمعارضة على إعادة انتخاب الرجل من جديد على رأس مجلس المستشارين لولاية ثانية.
 
 
 
 
إقرأ أيضا