الرأي

الرأسمال البشري والإنتاجية المستقبلية للدول، تحديات تشغيل الشباب، الفينتيك وقضايا التنمية المستدامة...اجندات "بالي" الدولية

14/10/2018 17:13
لحسن حداد
المواضيع أعلاه شغلت بال 36 ألف مشارك حضروا اجتماعات بالي بأندونيسيا للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي خلال الأسبوع الثاني من أكتوبر 2018. كانت الشبكة البرلمانية حول البنك الدولي وصندوق النقد الدولي حاضرة بقوة كذلك وساهمت في المداولات والنقاش حول قضايا مصيرية بالنسبة لمستقبل البشرية. القريب والمتوسط والبعيد.
 
عن البرلمان المغربي المغرب حضر وفد برلماني  مكون من الدكتور لحسن حداد، عضو مجلس إدارة الشبكة البرلمانية حول البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وحياة بوفراشن نائبة رئيس مجلس النواب، وإدريس الصقلي، رئيس لجنة مراقبة المالية العمومية بمجلس النواب، ورحال المكاوي، رئيس لجنة المالية بمجلس المستشارين، ومحمد الولاف، نائب برلمان. 
 
موضوع لقاء الشبكة البرلمانية والذي نظم بموازاة مع الاجتماعات  الدولية الدورية للمؤسستين فيما بين 7 و11 أكتوبر بجزيرة بالي بأندونيسيا، كان هو قضايا التشغيل عبر العالم ودور البرلمانات في تحسين والرفع من مستوى الحكامة وكذا الترتيب الجديد الذي وضعه البنك الدولي حول "الرأسمال البشري" وأهمية الاستثمار فيه من أجل الرفع من القدرة على الإنتاج، ومساهمة المرأة في النمو الاقتصادي. كما كان مناسبة للقاء الشبكة البرلمانية مع كريستين لاكارد، مديرة صندوق النقد الدولي والدكتور جيم يونغ كيم، رئيس مجموعة البنك الدولي حول قضايا تهم التعليم والصحة والرأسمال البشري، والحروب التجارية، ومحاربة الرشوة ومساهمة المرأة في التنمية. 
 
حول قضية "تشغيل الشباب" تم إلقاء الضوء على التجربة الأندونيسية والتي بفعل التنويع الاقتصادي والاستثمار في التكوين تمكنت من حصد ثمار ما يسمى ب"النافذة الديمغرافية"، حيث انخفض معدل البطالة إلى ما يناهز 5 % وهو مستوى جد مشجع وإيجابي في عالم تسود فيه مخاوف حقيقية من التأثير السلبي للتكنولوجيا والظهور القوي والمتنامي للنمط الآلي للإنتاج. حسب الشبكة البرلمانية للبنك الدولي  وصندوق التقد الدولي، فإن تطور وسائل الإنتاج المعتمدة على الذكاء الاصطناعي ظهر في وقت عرف فيه تشغيل الشباب ذوي الكفاءات المتدنية ركودا مشهودا منذ عقد من الزمن. والمستقبل القريب ينذر بتطورات ستؤثر بشكل سلبي أكثر على الشغل خصوصا مع تنامي قدرة الربوتات على مضاعفة الإنتاج. البحوثات التي قام بها صندوق النقد الدولي تبين أن الاستثمار في الرأسمال البشري، عبر ما يسمى "التكوين مدى الحياة"، سيمكن العاملين ذوي الكفايات المتدنية من الاستفادة من فوائد التحول التكنولوجي.  
 
كان اللقاء مناسبة لتقديم الكتيب الذي وضعته "الشبكة البرلمانية" والذي يقدم نماذج وسياسات ونصائح حول قضية التشغيل والذي تمت عنونته ب "مستقبل العمل: للساكنة التي نحن في خدمتها". الكتيب من إعداد النائب البرلماني الانجليزي ليام بيرن ويضم آراء خبراء وبرلمانيين وسياسيين حول عدة قضايا تتعلق بمستقبل التشغيل حسب الإطار الذي وضعته مجموعة العشرين، والنمط الآلي للإنتاج، والصناعات المستقبلية، ودور المقاولات في استغلال الفرص التي يتيحها مستقبل الشغل، وكيفية وضع وتنفيذ حملة دولية من أجل تشغيل الشباب، وتجربة الفيتنام في الرفع من تشغيل المرأة، وحركة "مستقبل الكفايات" بسنغفورة، وكيفية بناء كوكب متعلم ومستدام، والتجارب الحسنة في ميدان التحولات التي تعرفها الحاجة إلى الكفايات، ومستقبل الحماية الاجتماعية في عالم الشغل الجديد، وكيفية إعادة تركيز التمويلات على أهداف جديدة تتعلق بالاستثمار في مقاولات جديدة، وكيف أن التطورات التكنولوجية أخرجت إلى الوجود شركات جديدة تتطلب تعاملا جديدا فيما يتعلق بفرص الشغل، ومدى مساهمة المدن في حل إشكالية تشغيل الشباب، وضرورة تغيير قواعد اللعبة لملاءمتها مع التطورات الجديدة التي يعرفها سوف الشغل. 
 
حمل الكتيب مجموعة من الأفكار والمقترحات التي ستمكن البرلمانيين من ترجمتها إلى سياسات عمومية في ميدان تشغيل الشباب. والتقديم الذي وضعه النائب ليام بيرن شمل عشرة دروس ومستنتجات ونصائح في ميدان التشغيل هي. 1. افهم مدى تأثير النمط الآلي على التشغيل ببلدك. 2. ادرس صناعات المستقبل وكيفية دعمها لخلق مناصب جديدة تعوض ما افتقد جراء الثورة الصناعية الجديدة. 3. ادعم المقاولات الصغرى من أجل الدفع بعجلة التشغيل إلى الأمام. 4. اعمل بجدية من أجل تقريب الشباب من مناصب الشغل الجديدة. 5. ضع استراتيجية جديدة للرفع من فرص الشغل والتشغيل الذاتي في أوساط النساء. 6. على مستوى سوق الشغل، أعد بناء نظام التغطية الاجتماعية والتعلم مدى الحياة. 7. على مستوى أسواق الرساميل، احرص على أن تكون الخدمات المالية قوة استباقية لخلق مناصب جديدة. 8. احرص على أن تكون الحكامة على مستوى المقاولات مناسبة للتطورات المستقبلية. 9. شجع المدن على تبوأ مركز الريادة في التحولات الصناعية وكذا على مستوى شبكات الحماية الاجتماعية. 10. فكر في كيفية تغيير قواعد المؤسسات الاقتصادية لضمان التوزيع العادل للثروة الجديدة. 
 
وقد تركز نقاش البرلمانيين الحاضرين على إشكالية الكفايات وضرورة إعادة النظر فيها، واعتماد مقاربة "التعلم مدى الحياة"  لمواكبة التحولات التكنولوجية السريعة، وكيفية وضع الإطار الملائم لسن قوانين جديدة في ميدان الشغل والحماية، وكذا ضرورة تركيز الاستثمار على الصناعات المستقبلية والصناعات الخالقة للشغل وغيرها. 
 
وهمت تدخلات الوفد المغربي إشكالية إدماج الشباب الموجود خارج المنظومة التربوية والتكوينية، وتحسين منظومة الحكامة على مستوى تدبير التكوينات، وضرورة الاستثمار الآن في مهن الغد، وحاجة الدول متوسطة الدخل كالمغرب اعتماد مقاربة "التعلم مدى الحياة" لمواكبة الثورة الصناعية المتجددة، والآليات التي يجب اعتمادها من أجل الرفع من قابلية الشغل لدى الفتاة والمرأة...
 
في 12 أكتوبر وعلى هامش اللقاءات السنوية ببالي، نشر البنك الدولي تقريره حول "الطبيعة المتغيرة للشغل" والذي يركز على ضرورة الاستثمار في الرأسمال البشري من أجل التهيؤ لما هو قادم من تطورات صناعية وتكنولوجية ستقلب سوق الشغل رأسا على عقب. يقول رئيس مجموعة البنك الدولي الدكتور جيم يونغ كيم: "إن طبيعة الشغل لا تتغير فحسب، ولكنها تتغير بسرعة فائقة. لا نعرف ما هي المهن التي سيتبارى حولها أطفالنا الذين هم في سن الابتدائي لأن هذه المهن غير موجودة الآن. لهذا فالتحدي الكبير هو تسليحهم بكفايات حياتية مثل إيجاد الحلول والحس النقدي وهي كفايات سيحتاجون إليها مهما كانت طبيعة مهن المستقبل" (النشرة الإخبارية للبنك الدولي، بالي، اندونيسيا، 12 أكتوبر). يقول التقرير إن عدد الربوتات في ارتفاع مهول ولكن فرص الرفع من الإنتاجية والمردودية التي تجلبها الثورة الصناعية الجديدة مهمة كذلك؛ لذا وجب التأهب للمستقبل عبر الاستثمار في الصحة والتربية واعتماد مقاربة الكفايات الحياتية وفلسفة "التعلم مدى الحياة" وتبني قدرة فائقة للتأقلم مع المستجدات التكنولوجية التي تغير طبيعة الشغل بسرعة فائقة. 
 
حاول التقرير الإجابة على سبعة أسئلة رئيسة وهي: كيف تتغير طبيعة العمل؟ وللإجابة على ذلك قدم التقرير إطارا مفاهيميا جديدا لفهم طبيعة التغيرات التي حدثت في ميدان الشغل. كيف أثر النمط الآلي والرقمنة على ميدان الأعمال والمقاولات؟ أين تبدأ الحكومات من أجل الاستثمار في المستوى الأساسي والقاعدي للرأسمال البشري وهي ضرورة تفرضها التغيرات التي تقع على مستوى الطلب النسبي على الكفايات؟ وكيف نهيء من هم يشتغلون الآن بالنسبة للفرص التي يأتي بها التطور التكنولوجي في المستقبل القريب وكذا التأثير المدمر لنفس التطور فيما يتعلق بطبيعة الشغل ونوعية الكفايات التي نعمل بها حاليا. و كيف يختلف التعلم من مشتغل إلى آخر علما أن العاملين يتعلمون مهارات قيمة في ميدان العمل؟ وهل آن الأوان لإعادة النظر في أنظمة الحماية الاجتماعية على ضوء التغيرات التي تعرفها أسواق الشغل واستمرار الشغل الغير المهيكل؟ وكيف يمكن  تسخير طبيعة التغيرات التي يعرفها ميدان الشغل من أجل تحسين طبيعة الاندماج الاجتماعي وما هي تكلفة هذه العملية؟ 
 
في الفصل الثالث من التقرير، تم تقديم مؤشر البنك الدولي الجديد حول الرأسمال البشري. وهو مؤشر مركب يقيس المردودية الإنتاجية المستقبلية لطفل ولد في 2018، حيث يدرس احتمال البقاء على وجه الحياة حتى سن الخامسة، والسنوات المنتظرة في المدرسة بالإضافة إلى الإنجاز في الامتحانات، والزمن النوعي في المدرسة، ونسبة الأطفال المصابين بسوء التغذية ونسبة البقاء على وجه الحياة لدى الكبار، وكيف لكل هذه المؤشرات أن تساهم في الإنتاجية المستقبلية للفرد المعين. الترتيب لم يكن مفاجئا حيث تبوأت سنغفورة المرتبة الأولى، متبوعة بكوريا الجنوبية، ثم اليابان، ثم هونغ كونغ. فنلندا أتت في الدرجة الخامسة، والمانيا الدرجة 11، المملكة المتحدة 15، فرنسا 22، اسرائيل 23، الولايات المتحدة 24، اسبانيا 32، الصين 46، البحرين 47، الإمارات العربية المتحدة 49، تركيا 53، عمان 54، ماليزيا 55، قطر 69، إيران 71، العربية السعودية 73، الأردن 78، الضفة الغربية وغزة 82، الجزائر 93، تونس 96، المغرب 98، مصر 104، جنوب إفريقيا 126، وفي ذيل الترتيب تشاد 157. تم وضع المؤشر لحث الحكومات على تركيز واستهداف مكامن الخصاص والضعف وسن سياسات ناجعة لتأهيل العنصر البشري ليكون أكثر إنتاجية في المستقبل. 
 
شهدت لقاءات الشبكة البرلمانية كذلك حضور كريستين لاكارد، رئيسة صندوق النقد الدولي، والدكتور جيم يونغ كيم، رئيس مجموعة البنك الدولي، في جلسة خاصة لتقديم تصورهما لحالة الاقتصاد العالمي وآفاق التنمية والجواب على أسئلة البرلمانيين. وقد ركزا على ضرورة تهييء المجتمعات للتغيرات التي يعرفها العالم الآن وسيعرفها في المستقبل القريب، وعلى ضرورة الاعتماد على تعبئة الموارد المحلية، وضمان مشاركة المرأة وبناء المناعة في إطار محاربة الفقر والرشوة وتدهور الحكامة. حول الحروب التجارية بين الولايات المتحدة والصين قالت لاكارد أن صندوق النقد يقدم معطيات ودراسات لتقويم إيجابيات العولمة وحرية التجارة وتقريب وجهات النظر وتجنب التصعيد. وحول محاربة الفقر قال الدكتور كيم أن الفقر يتقلص ولكن ما تيقى من جيوب كثيرة في كل بقاع العالم تشكل تحديا كبيرا للبشرية لأن ذلك سيتخد وقتا ويقتضي حلولا مبتكرة للقضاء نهائيا على هذه الآفة. 
 
 ضمن المحاور التي تطرق لها المسؤولان بمؤسسات بريتون وودز، هو ما سمي بأجندة بالي حول الفينتيك، أي التكنولوجيا الخاصة بالمال والمعاملات المالية. وقد تم تقديم هذه الأجندة بشكل رسمي يوم 11 أكتوبر ببالي، بأندونيسيا، وهي عبارة عن اثنى عشر مقتضى تساعد المشرعين والفاعلين الحكوميين على استغلال الفرص التي يتيحها التقدم السريع الذي يحصل في ميدان تكنولوجيا المعاملات المالية والذي هو بصدد إحداث ثورة في ميدان الخدمات البنكية، مع تدبير أحسن للمخاطر المترتبة عليه (أحندة بالي للفينتيك.
 
وحسب النشرة الإخبارية الخاصة بهذه الأجندة فإن لاكارد صرحت بأن "هناك مليار وسبعمائة مليون شخص عبر العالم بدون ولوج للخدمات المالية وسيكون للفنتيك تأثير اجتماعي و اقتصادي مهم على كل الدول اذا تعاونت فيما بينها...والأجندة ستعطي للدول إطارا لتقييم الاختيارات وملاءمتها مع حاجياتهم وأولوياتهم..." أما الدكتور كيم فيقول إن أجندة الفينتيك "تعطي إطارا لدعم أهداف التنمية المستدامة خصوصا في الدول ذات الدخل المتدني، حيث الولوج للخدمات المالية متدن بشكل كبير." 
وسيتركز اهتمام صندوق الدولي على مقتضيات هذه الأجندة في علاقتها مع "الاستقرار النقدي على مستوى الدول وعلى المستوى العالمي" وكذا "تطور النظام النقدي العالمي وشبكة السلامة المالية الدولية." أما البنك الدولي فسيركز على "تعميق خدمات الأسواق المالية، وتحسين الأداءات العابرة للحدود، وأنظمة تحويل الأموال" من طرف المهاجرين. 
 
في ختام اجتماعات الشبكة البرلمانية حول البنك الدولي وصندوق النقد الدولي تم استعراض خطة تهدف الى العمل من أجل تحقيق أهداف التنمية المستديمة بشراكة مع البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وفي نفس الوقت الحرص على مقاربة ذلك في إطار الشفافية والحكامة الجيدة وتبني الممارسات الحسنة في الموضوع. وشملت هذه الخطة مجموعة من التوصيات وهي: أولا، وضع تشريعات وطنية لتحسين التسجيل في جميع مستويات التربية ودعم الجودة والرفع من الإنفاق الخاص بالتعليم ودعم الأسر وتكوين المعلمين والأساتدة وتجويد مضامين الاختبارات والامتحانات. ثانيا، وضع تشريعات خاصة بتمكين الشباب من الكفايات الجديدة المتعلقة بالذكاء الاصطناعي والعالم الرقمي والصناعات الحديثة وذلك عبر برامج تكوينية وتدريبية تكون جزءا لا يتجزأ من المنظومة التربوية. ثالثا، اقتراح وتنفيذ سياسات عمومية وتشريعات تجلب وتسهل الاستثمار في قطاعات مشغلة وذلك عبر استعمال أمثل للموارد المالية، وإزالة الحواجز التي تعترض الاستثمار، وتسهيل ولوج المشاريع الاستثمارية للمساعدة التقنية عند الحاجة. رابعا، وضع تشريعات لتسهيل ودعم ولوج الشباب والمرأة والمقاولين الصغار للتمويل الخاص. خامسا، إعادة النظر في أنظمة الحماية الاجتماعية والتأكد من أنها مناسبة لعالم اليوم المتغير بسرعة فائقة. سادسا، دعم تنفيذ مشروع البنك الدولي حول الرأسمال البشري وتشجيع استعماله على مستوى كل دولة دولة.