غير بالفن

قضية مقتل حياة برصاص البحرية الملكية.. الدولة مدانة لكن..

30/09/2018 8:47
مصطفى الفن
صحيح أن الشابة حياة بلقاسم، التي قتلت برصاص البحرية الملكية في عرض البحر، هي، بلا شك، شهيدة وضحية ظروف اجتماعية قاهرة تسأل عنها الدولة المغربية والحكومات المتعاقبة على تسيير الشأن العام.
 
نعم  إن حياة هي، بالفعل، ضحية بهذا المعنى لأن دولتها لم توفر لها الحياة الكريمة ولم توفر لها فرصة عمل ولم توفر لها سكنا لائقا ولا تعليما جيدا ولا علاجا مجانيا في مستشفيات تحترم فيها آدمية البشر.
 
والدولة مدانة أيضا لأن بعض مسؤوليها لم ينشغلوا بحياة وانشغلوا بحياتهم الخاصة وثرواتهم المكدسة وتجارتهم العابرة للحدود وتركوا بسطاء الناس وفقراءهم يواجهون الموت ومصيرهم المجهول.
 
أكثر من هذا، الدولة مدانة ومسؤولة عن مقتل حياة لأنه كان من الممكن أن تكون أوضاعنا الاقتصادية أحسن بكثير مما هو قائم الآن لو أننا تعاملنا بالحزم وبالصرامة اللازمة مع وحش "الفساد" ومع هذه "السيبة" الناظمة للعلاقة بين السلطة والمال.
 
لكن، بالمقابل، ينبغي أن نعترف أن الراحلة أو الضحية حياة، رحمها الله ورزق أهلها الصبر والسلوان، غامرت بحياتها عندما ركبت زورقا للموت في وضعية غير قانونية حتى وإن سلمنا بأن هذا القانون ظالم.
 
دعوني أشرح أكثر لتتضح الفكرة أكثر:
 
حياة، تغمدها الله بواسع رحمته وجعلها في عداد الشهداء، كانت تريد العبور إلى جنة الضفة الأخرى هروبا من "جحيم" وطنها، وهذا اختيارها الشخصي، لكنها اختارت الطريق "الخطأ" وهو طريق "الهجرة السرية".
 
وكلنا يعرف أن هذا الطريق غير آمن ومحفوف بالمخاطر والأخطار ومليئ بالمفاجآت ومفتوح على كل الاحتمالات بما فيها احتمال الموت.
 
وهذا ما وقع بالضبط. لقد قتلت حياة في عرض البحر على ظهر زورق أجنبي شبه عسكري لا تتوفر عليه حتى قواتنا البحرية الملكية.
 
 لكن، لنكن عادلين لأن العدل هو أقرب إلى "التقوى" خاصة إذا علمنا أن ضابط البحرية الملكية، الذي أطلق الرصاص على هذا الزورق/الشبح، هو أيضا واحد من أبناء هذا الشعب وليس عدوا له.
 
وأنا لا أعتقد أن هذا الضابط أطلق الرصاص على زورق أجنبي لأنه كان يريد شرا بمواطنة مغربية دارسة للقانون بتطوان اسمها حياة بلقاسم.
 
ما هو مؤكد منه في هذه القضية هو أن حياة قتلت بغير قصد لأن ضابط البحرية الملكية أطلق الرصاص على زورق أجنبي وليس على حياة.
 
ويمكن أن أضيف أيضا وبلا تردد أن هذا الضابط أطلق الرصاص ليس ل"قتل" حياة، بل دفاعا عن حياة نفسها وعن حياتنا نحن جميعا في هذا الوطن.
 
ثم إن صاحب هذا الزورق/الشبح لم يكن في مهمة إنسانية على الحدود المغربية لتقديم يد المساعدة إلى مهاجرين سريين في حالة خطر، بل كان في مهمة تحد واستفزاز بالقرب من قواتنا البحرية.
 
شخصيا، لم أفهم بعض المفارقات المريبة التي رافقت هذه الموجة من "الحريك الجماعي" للمغاربة نحو أوربا.
 
فهذه أول مرة أسمع أن مهاجرين "سريين" لا يجدون أي حرج في تصوير أنفسهم في فيديوهات علنية ثم يعممونها على مواقع التواصل والاجتماعي.
 
وكم هو مثير أيضا أن بعض هؤلاء "المهاجرين السريين" وليس كلهم ظهروا في فيديوهات وهم يرفعون شعارات "تمنوا" فيها، من كل قلوبهم، الموت لوطنهم والحياة لإسبانيا.
 
وليس هذا فحسب، فهذه أول مرة أسمع أيضا أن زوارق أجنبية ترسو على شواطئنا لتضع نفسها رهن إشارة المغاربة الراغبين في الهجرة السرية وبالمجان أيضا..!
 
حقا، لا أملك هنا إلا ن أردد باستغراب: "إن هذا لشيء عجاب". 
 
وأنا هنا لا أدافع عن الرواية الرسمية في هذه القضية ولا عن ضابط البحرية الملكية الذي أطلق الرصاص لأني مجرد صحافي ولست وزيرا في حكومة.
 
 أنا أدافع هنا عن "حقيقة نسبية" لكن ليس تلك الحقيقة التي يبحث عنها الجمهور العريض من الناس.
 
لا.
 
أنا أبحث عن حقيقة نسبية مريحة للضمير.
 
لماذا؟
 
 لأني أخشى أن يكون الهدف المسكوت عنه في هذه الحملة من التخويف والترهيب ضد استعمال السلاح وضد قواتنا البحرية هو فتح الباب على مصراعيه أمام شبكات التهريب ومافيات الاتجار في الأسلحة والمخدرات لعلها تجعل من شواطئنا الشمالية ممرا آمنا لكل أنشطتها الإجرامية. 
 
ويبدو أن هذا الهدف غير النبيل "تحقق" أو هو قاب قوسين أو أدنى من التحقق لأننا أدخلنا الرعب في جنود مغاربة كانوا يؤدون مهامهم النبيلة على الحدود المتاخمة للعدو.
 
وربما من الآن فصاعدا، سيصبح من الصعب على أي جندي مغربي أن يطلق الرصاص في عرض البحر مهما كان حجم الخطر الذي يهدد الوطن فقط لأن هناك ديكتاتورية بمواقع التواصل الاجتماعي لا ترحم أحدا سواء كان ظالما أو مظلوما. 
 
وظني أن الخطوة الأولى في مواجهة هذه الديكتاتورية الافتراضية بمواقع التواصل الاجتماعي هو الاحتكام إلى الضمير الذي يفرض علينا كمغاربة أن ننظر باعتزاز وبإكبار وبإجلال لجنودنا المرابطين على الحدود لأنهم على استعداد، ليل نهار، للتضحية بحياتهم لنحيا نحن وليحيا الوطن.
 
بقي فقط أن أقول. ينبغي أن ندافع عما نراه حقا حتى لو لم نعجب من نراهم يدافعون عن الباطل.
 
 
 
 
 
 
 
 
إقرأ أيضا