غير بالفن

"هلوسات" بلا عنوان حول الزفزافي وبوعشرين

31/08/2018 20:35
مصطفى الفن
لا أخفي أني تأثرت كثيرا عندما شاهدت أمس ذلك الفيديو الذي أعلن فيه والد زعيم حراك الريف ناصر الزفزافي أن ابنه قرر الدخول في إضراب مفتوح عن الطعام والماء والسكر حتى الموت والاستشهاد. 
 
وأتمنى من القلب ألا يمضي الزفزافي في هذا الخيار ليس لأن "الروح عزيزة عند الله" فحسب. ولكن لأن صاحب القضية ينبغي أن يكون آخر من يموت ليشرح للناس "رسالته" أو "قداسة" قضيته.
 
بمعنى أن "قداسة" هذه القضية تفرض على الزفزافي أن يواصل نضاله وتفرض عليه أن يتشبث بالحياة لا أن "يقتل" نفسه.
 
صحيح أن من حق الزفزافي أن يخوض أي شكل نضالي واحتجاجي ليدق ناقوس الخطر أو لينبه إلى بعض المضايقات أو التعسفات التي قد تطاله داخل السجن.
 
 بل من حق الزفزافي أيضا أن يحتج بكل الأشكال المشروعة والسلمية المعروفة ضد ذلك الحكم الثقيل والقاسي الذي صدر في حقه وفي حق من معه من ممعتقلي الريف.
 
أكثر من هذا، من حق الزفزافي أيضا أن يحتج وينتفض ضد أولئك الأمنيين الذين "تورطوا" في تعذيبه عقب اعتقاله قبل أكثر من سنة لأن بلدنا قطع، بغير رجعة، مع التعذيب المنهجي.
 
نعم هذا حقه المقدس خاصة أن تعذيب الزفزافي لم يعد اليوم مجرد مزاعم زعمها الزفزافي نفسه لوحده.
 
 واقعة تعذيب الزفزافي واقعة موثقة في تقرير رسمي لمؤسسة رسمية اسمها المجلس الوطني لحقوق الإنسان الذي يرأسه  إدريس "الجمهوري" أو اليزمي.
 
إذن كل هذه الأنواع من الاحتجاجات مشروعة ومعللة ومقبولة وقد تلقى تعاطف الناس. وأنا واحد من هؤلاء الناس.
 
 لكني لم أفهم أن يقرر الزفزافي الدخول في إضراب عن الطعام حتى الموت فقط لأن إدارة السجن مارست اختصاصا موكولا لها حصريا في تدبير مؤسسة سجنية لها قوانينها المنظمة لسير عملها ومرافقها. 
 
بصيغة أخرى. لم أفهم كيف أن الزفزافي قرر خوض إضراب عن الطعام حتى الموت ليس احتجاجا على مضايقات تعرض إليها، و"لكن لأن إدارة السجن قامت بتنقيل معتقل آخر إلى سجن أخر"، بحسب مصدر رسمي تحدث إلى موقع "آذار".
 
هذا في نظري اسمه التطاول على اختصاصات الغير إذا ما ثبتت صحة هذه الرواية الرسمية. 
 
أو دعوني أقول إنه تصرف غير حكيم وقد يعقد ملف باقي المعتقلين الذين لازالوا ينتظرون دورهم في الإفراج عنهم. 
 
أقول هذا ولو أني كم وددت لو أن العفو الملكي الأخير، الذي كان يحق التفاتة إنسانية نبيلة، لم يشمل أولئك ال188 معتقلا فقط، بل وددت لو شمل هذا العفو كل المعتقلين في هذا الملف بمن فيهم الزفزافي نفسه.
 
ومع ذلك، كل شيء ممكن لكن أيضا كل شيء غير ممكن عندما لا نرد التحية بمثلها أو بأحسن منها أو عندما نحاول تأزيم ملف يتجه نحو مزيد من الانفراج.
 
ملف آخر لا بد أن أتوقف عنده أيضا وأنا أنهي هذه "الهلوسات". وأقصد هنا ملف زميلنا توفيق بوعشرين ناشر "أخبار اليوم" الموجود حاليا رهن الاعتقال بسجن عين البرجة.
 
توفيق وجه أمس نداء من داخل سجنه طالب فيه بأبسط الحقوق المكفولة قانونا وإنسانبا وأخلاقيا وهو الحق في الولوج إلى العلاج.
 
إدارة السجن، بحسب ما علمت، قدمت تفسيرا غير مقنع لهذا "الإهمال" الغامض. وهو إهمال غير مفهوم وقد يهدد حياة صحافي مكبل المعصمين وغير قادر على الحركة.
 
وجاء في هذا التفسير "أن تطبيب وعلاج توفيق تأخر أو تعثر نظرا لحالة الارتباك التي عرفتها هذه المؤسسة السجنية مؤخرا بفعل خروج العديد من أطرها في عطلة".
 
 لكن الحقيقة الثابتة وهو أن توفيق طالب بحقه في العلاج ليس مؤخرا أو بالتزامن مع هذه العطلة الصيفية ولكنه طالب بالعلاج منذ أكثر من ثلاثة أشهر.
 
وفي الوقت الذي كان مطلوبا من إدارة السجن أن تتفاعل إيجابا مع هذا الطلب العادي جدا إلا أنها فضلت ألا تعيره أي اهتمام وتركت مريضا يتألم كل هذه المدة الطويلة.
 
وإذا كانت إدارة السجن وعدت بأن توفيق سيستأنف علاجه يوم الثلاثاء القادم، فإننا نتمنى، صدقا، ألا تخلف الإدارة وعدها لأن الذي سيتألم أكثر في هذا الملف هو المغرب وهو سمعته الحقوقية وليس صحافيا ينبغي أن يكون خارج السجن في انتظار التأكد التام من التهم المنسوبة إليه.
 
ثم إن إطلاق السراح لا يعني البراءة بل هو مجرد إجراء قضائي شكلي معمول به في كل الدول الديمقراطية العريقة وذات القضاء النزيه بهدف تفعيل تلك القاعدة الذهبية القائلة: "المتهم بريء حتى تثبت إدانته".
 
وهذا ما فعله القضاء الفرنسي في قضية الفنان سعد لمجرد الذي يواجه اليوم تهمة اغتصاب ثانية في وقت لازالت قضية الاغتصاب الأول جارية أمام المحاكم. 
 
فرغم أن المدعي العام طالب بمتابعة لمجرد في حالة اعتقال ورغم ترسيم تهمة الاغتصاب ضده، إلا أن قاضي الحريات أفرج عنه دون أن تقوم القيامة وسط الجمعيات الحقوقية.
 
 لكن هذا الإفراج لا يعني أن لمجرد لن يعتقل من جديد إذا ما ثبتت التهمة الثقيلة في حقه.
 
بقي فقط أن أقول. إذا كانت فرنسا ملهمة لنا نحن هنا في المغرب، بل إنها قضاء وقدر ونقلدها في كل شيء يهم حقوق الدولة، فلا ينبغي أن نتعامل بانتقائية في هذا السلوك "التقليداني" عندما يهم حقوق المواطن المهضومة.
 
 
 
 
إقرأ أيضا