غير بالفن

ليس دفاعا عن الدولة ولكن.. دفاعا عن الوطن

28/08/2018 14:56
مصطفى الفن
راقني، كثيرا، ذلك التفاعل الإيجابي الذي عبر عنه بعض معتقلي الريف في شكل تصريحات أشادوا فيها بقرار العفو الملكي الذي شمل 184 معتقلا من زملائهم الذين كانوا معهم وراء القضبان سواء هنا بالدار البيضاء أو بمدن الشمال.
 
ووقع هذا التفاعل الإيجابي على الرغم من أن قرار العفو الملكي لم يشمل جميع معتقلي الريف، وإنما شمل فقط جزءا من المعتقلين ولازال الجزء الآخر ينتظر.
 
وهذا، في رأيي، ذكاء سياسي من هؤلاء المعتقلين حتى مع وجود "تصريحات عدمية" اعتبرت العفو الملكي بمثابة إقرار وتثبيت وتأكيد لجرائم لم ترتكب على الأرض.
 
وظني أن هذا التفاعل الإيجابي مع قرارات الدولة عندما تكون إيجابية هو الذي يحفز الدولة نفسها على عدم التشدد وعلى المزيد من تليين مواقفها.
 
وإلا فما الجدوى من عفو ملكي أو قرار إيجابي من الدولة يعقبه تفاعل سلبي واستنكار وتبخيس وتسفيه ومزايدات يلعن بعضها بعضا؟
 
ثم ما الذي سيقع في ملك الله إذا تشددت الدولة واختارت أن تبقي على الزفزافي ومن معه داخل السجون إلى أن يكملوا عقوبتهم السجنية؟ 
 
أتمنى من قلبي ألا يقع هذا، لكن "أكيد" لن يقع أي شيء ولن تتوقف حياة الناس إذا قررت الدولة أن تمضي في هذا الخيار.
 
أو دعوني أقول بصيغة أخرى. إن العاقل هو الذي يسهل مأمورية خصمه لا أن يهيجه عليه.
 
هذا إذا افترضنا من باب الجدل أن المواجهات التي وقعت بين الدولة وشباب الريف هي معركة بين خصمين.
 
وكم هو واهم من يعتقد أن الدولة في المغرب كيان هش وبلا تاريخ ويمكنها أن تستسلم بسهولة للضغط والتصريحات النارية أو أنها دولة تخاف من المسيرات الشعبية والوقفات الاحتجاجية. 
 
لا أعتقد أن الأمر كذلك. وإذا كان بيننا من يفكر بهذا المنطق، فهذا في نظري مجرد وهم ما بعده وهم.
 
وأنا أقول هذا، حتى وإن كنت أومن بأهمية الوقفات الاحتجاجات والمسيرات الشعبية عندما تكون مبررة ومعقولة وعندما يتزعمها محتجون معروفون بالنزاهة والمصداقية والرصانة وبعد النظر والحس الوطني وليس ولد زروال.
 
وأنا أزعم أيضا أن الدولة لم تعد تنزعج اليوم، من الذي يسب أكثر أو من يرفع صوته أكثر أو من يعارض بشراسة أكثر أو من ينتقد المؤسسة الملكية أكثر.
 
ربما هذا هو واقع الحال في السعودية أو الإمارات لأن الاستقرار في مثل هذه الدول المستبدة استقرار مزيف ومزور وغير مؤسس على "بنيات تحتية" حقيقية من الآليات القانونية والمؤسساتية المطلوبة في أي انتقال نحو الحكم الديمقراطي.
 
ولاحظوا ما فعله امحمد بنسلمان ببلاد الحرمين الشريفين. لقد علق المواطنون السعوديون على هذا الأمير الشاب آمالا عريضة لعلهم يعانقون الحياة ويقطعون مع الظلام والظلمات، فإذا به حفظه الله يحول البلد إلى سجن كبير وزنازن بعضها فوق بعض.
 
وهكذا أصبح حلم أي مواطن سعودي مع الحاكم الجديد ليس هو بناء الوطن، بل أصبح الحلم هو الفرار من الوطن ولو نحو بلاد العدو: كندا.  
 
لكن، وأنا أتحدث بهذه اللغة المغرقة في النعومة، كما قد يبدو للبعض، فلا ينبغي أن يفهم من كلامي كما لو أننا نعيش هنا في المغرب  في "جنة" من الديمقراطية.
 
معاذ الله. إذ لا يقول بهذا إلا من سفه نفسه أو من أصابه مس.
 
نعم مغربنا ليس جنة من الديمقراطية لكنه في الوقت نفسه ليس جهنم.
 
والواقع أننا قطعنا بالفعل أشواطا مهمة في مجال الديمقراطية لكن لازالت هناك أشواط أخرى لم نقطعها بعد.
 
لأن الديمقراطية ليست قرارا سياسيا ينزل من فوق أو نزهة مسائية على شط البحر. 
 
إنها تدافع ونضال وعطاء ومعركة طويلة الأمد وعمل شاق تسأل عنه مؤسسات التنشئة الاجتماعية بكاملها والكثير من الأجيال ومن الزمن أيضا. 
 
ومن هذه الأشواط المهمة التي قطعناها أحب أن أشير هنا إلى أن بلدنا أسس "البنية التحتية" الضرورية من الآليات الديمقراطية والتي لا غنى عنها لأي دولة أرادت أن تلتحق بنادي الدول الديمقراطية.
 
وأقصد هنا أننا أخرجنا إلى النور قوانين جد متقدمة وأخرجنا هيئات ومجالس ومؤسسات يراقب بعضها بعضا ويكشف بعضها خلل بعض ولو في حدود ودون المستوى المطلوب.
 
وليس هذا فحسب، إذ لدينا أيضا أحزاب ونقابات وصحافة وهيئات مدنية وجمعيات حقوقية جادة تقوم بأدوار مهمة وتقدم يوميا تضحيات جساما على الرغم من بعض المؤاخذات التي يمكن أن نسجل على أدائها. 
 
أكثر من هذا، فحتى الدولة العميقة في المغرب لا ينبغي أن ننظر إليها نظرة رجل طيب و"مجذوب" مثل الصديق العزيز عبد العزيز أفتاتي.
 
لماذا؟
 
لأن الدولة العميقة، في كل دول العالم، هي في الأصل امتداد لهذه المقومات الديمقراطية الضرورية، بل إن تدخلها قد يصبح "معلوما من الدين بالضرورة" لحماية الديمقراطية نفسها من نزوات أو نزعات سلطوية لحاكم شبيه بترامب.
 
 بمعنى آخر. فمهوم "الدولة العميقة" لا ينبغي أن يتخذ دلالة قدحية لأن الدولة العميقة هي، في حقيقتها، حارسة أمينة وراعية لكل ما هو "استراتيجي" في أجندة الوطن.
 
بل حتى رجالات الدولة العميقة وموظفوها السامون فهم مطالبون بألا ينسوا أبدا أنهم يشتغلون عند الوطن لا عند الأشخاص النافذين فيه.
 
ولا خلاف أن الدولة العميقة قد تصبح أحيانا خطرا على الدولة نفسها وعلى المجتمع أيضا في حالة ما إذا قل منسوب الشفافية و"الدمقرطة" داخل دواليبها وبنياتها الإدارية أو عندما لا تكون هناك سلط مضادة تحاسبها وتمنعها من التغول.
 
لكن لا أعتقد أن هذه هي حالة دولتنا العميقة ولو أن جزءا منها كاد أن "يتأدلج" أو كاد أن يتحول إلى "فاعل سياسي" في وقت من الأوقات مع ميلاد حزب الدولة، أي عندما أصبح بعض رموز البام يرسلون خصومهم السياسيين إلى السجون بمحاكمات شكلية.
 
لكن يبدو أن تلك المرحلة طويت إلى غير رجعة بعد ان انكشف الغطاء وبعد أن ظهر الحق وزهق الباطل وانتصر صوت العقل على السراب.    
 
والدليل أيضا على أن تلك المرحلة طويت إلى غير رجعة هو أن رموزا من الدولة العميقة اليوم هم أكثر تعاونا وأكثر تفهما وأيديهم ممدودة في أي وقت وفي أي ملف يهم المصلحة العليا للوطن.
 
بكلمة واحدة. ربما حان الوقت لنراجع نظرتنا التقليدية التي تجعل من كل ما يصدر عن الدولة هو شر كله. 
 
وقد نفعل ذلك فقط لئلا يغضب منا المجتمع ولئلا يتهمنا الجمهور ب"تعياشت".
 
شخصيا، عندما أرى بعض "الأعطاب والأمراض والانحرافات" وكيف تحولت إلى منهج في التفكير داخل المجتمع وداخل نخبه، أكاد أقول إن لنا دولة متقدمة "ربما" ليس فقط على مجتمعها فحسب بل حتى على نخبها.
 
أولم نفشل نحن نخبة الصحافيين، ومعنا نخبة اتحاد كتاب المغرب ونخبة أساتذة التعليم العالي، في مجرد تنظيم أنفسنا بأنفسنا وفي مجرد تنظيم انتخابات بامتيازات صغيرة جدا؟
 
بلى.
 
 لقد فشلنا فشلا ذريعا وذكرتنا الركبان فيمن عندها من الفاشلين.
 
المثير في هذا كله هو أن الصحافيين والكتاب والأساتذة الجامعيين هم ليسوا نخبة فقط.
 
 إنهم نخبة النخبة وزبدة المجتمع وقشدته. ومنطق الأشياء يقتضي أن يكونوا نماذج حسنة يقتدي بها الناس لا أن يكونوا مثار شك من طرف الناس.   
 
ولا بد أن أقول أيضا إن دولة اليوم لم تعد في حاجة لا إلى "البلطجية" ولا إلى أولاد زروال  من الذين يدافعون عنها ظالمة أو مظلومة لأنهم يسيئون إليها أكثر مما يخدمونها. 
 
أقول هذا ولو أن بعض أولاد زوال، إن لم نقل كلهم، هم لا يدافعون، في العمق، عن دولة تحميهم وإنما يدافعون عن أنفسهم وعن امتيازاتهم وعن ثرواتهم الغامضة.
 
ويسجل التاريخ أن زروال الأب أو أبناؤه هم  أول من يفرون من ساحة المعركة عندما يتمايز الصفان في أوقات الشدة وعندما يحتاج الوطن إلى كل أبنائه.
 
 الدولة اليوم في حاجة إلى من يحرجها بمنسوب عال من "المعقول" وإلى من ينصفها إذا أصابت وإلى من ينبهها، في أدب وبلا استعلاء، إذا أخطأت.
 
فما معنى أن تكون فاعلا سياسيا قويا في دولة ضعيفة غير قادرة حتى على الدفاع عن نفسها، فأحرى أن تدافع عن مواطنيها؟
 
إن أخطر أنواع الكذب هو الكذب على الذات، أي عندما نتوهم أن الدولة ضعيفة وقد تنهار في أية لحظة. وننسى أن انهيار الدولة لا يعني صعود مكون سياسي بعينه مكانها.
 
انهيار الدولة يعني انهيار الخيمة بكاملها ويعني أيضا انهيارنا جميعا لأننا ندور في فلكها ولسنا كائنا مستقلا عنها.
 
وفي اعتقادي أن التحدي رقم واحد اليوم ليس هو كشف عورة الدولة وإضعافها وبهدلة صورتها وسمعتها أمام الرأي العام في الداخل والخارج.
 
لا.
 
التحدي رقم واحد اليوم هو كيف نساهم، كل من موقعه، في توسيع دائرة الصلاح داخل الدولة لأن ما كل شيء  في الدولة هو فاسد بالضرورة كما يزعم دعاة "التيئيس".
 
 والحال أن الدولة اليوم هي أقوى مما نتصور ويدها طويلة وقد تضرب في كل مكان وهي تشتغل الآن بأريحية ولا وجود لخصوم أو معارضين أو قوة سياسية أو مجتمعية تملي عليها قراراتها.
 
وحتى قرار العفو الملكي على معتقلي الريف كان مفاجئا للجميع بمن فيهم المعتقلون أنفسهم.
 
لماذا؟
 
 لأن من بيدهم الأمر لا يتخذون القرارات تحت الضغط والاحتجاج وإنما بدافع "ذكاء مغربي" كان دائما ينتصر إلى الحكمة وإلى التي هي أقوم.
 
بقي فقط أن أقول. كثيرون انتقدوا العثماني لأن الرجل بدا كما لو أنه لم يكن له أي رأي في التعيين الملكي لبنشعبون على رأس وزارة المالية.
 
لكن عندما بحثت في الأمر وجدت أن هذا التعيين احترم سير المسطرة والشكل الدستوري لأن السي عزيز أخنوش لم يقترح اسم بنشعبون فقط لتولي هذا المنصب الهام.
 
السي أخنوش اقترح على العثماني أكثر من اسم لشغل هذا المنصب ووقع الاختيار في نهاية المطاف والتداول على اسم بنشعبون.
 
أما قضية صبغ هذا الوافد الجديد إلى عالم السياسة بلون الأحرار فهذا ليس حدثا جديدا يقع لأول مرة.
 
 إنه عرف سياسي قديم يمكن تفهمه مع وجود فراغ قاتل وسط الأحزاب على مستوى إنتاج النخب المؤهلة لشغل مناصب وزارية لا تتطلب مسار نضاليا فحسب، وإنما تتطلب ما هو أهم وهو المسار المهني والخبرة التقنية بالملفات المعقدة.
 
 
 
 
 
إقرأ أيضا