الرأي

تاريخ الإصلاح في المغرب: من "عهد الصراع على السلطة" إلى أزمة الحكامة الحالية

10/08/2018 11:57
لحسن حداد
تميز مغرب ما بعد الاستقلال بصراع مرير على السلطة وهو ما جعل التنمية الاقتصادية والاجتماعية رهينة حسابات سياسية صادرة عن  الفرقاء السياسيين أو حبيسة رهانات ايديولوجية ذات أبعاد وطنية، إقليمية أو دولية. هم الصراع نوعية النظام ودور المؤسسة الملكية ودور الأحزاب وهو ما جعله يتمحور حول تصور معين للمجتمع المنشود أو على الأقل كان يتم استعمال الرؤى المجتمعية لتبرير الصراع حول السلطة. 
 
المشروعية التاريخية التي كان يلوح بها الفرقاء كمصدر للسلطة المتصارع حولها سرعان ما تتم ترجمتها إلى برامج ومخططات اقتصادية واجتماعية لتحقيق الشرعية السياسية. الإصلاح الزراعي وما رافقه من نقاش وصراع وأخذ ورد يجسد بشكل واضح كيف أن إصلاح قطاع الفلاحة والقطع مع ثنائية فلاحة عصرية/فلاحة تقليدية التي ورثها المغرب عن الاستعمار عرف تذبذات عدة وانتهى بالفشل (على الأقل فيما يخص هدف القضاء على الثنائية المشار إليها أعلاه) لأن الإصلاح كان يحمل اعتبارات وإيحاءات وآثار مفترضة كانت إما مصدر رضى أو إزعاج حسب الفرقاء وحسب الفترة الزمنية ونوعية الإصلاح. 
 
الملك الحسن الثاني والأحزاب المساندة له كانت ترى في الحفاظ على حرية الملكية وعدم المساس بمصالح الأعيان والاستمرار في تأطير البوادي لتبقى خزانا للمساندة الشعبية لشرعية النظام ومشروعية الدولة شروطا لا محيد عنها لكي لا يزيغ الإصلاح الزراعي عن أهدافه. لهذا فإعادة توزيع الأراضي الذي تمت ما بعد 1965 و ما بين 1973 (تاريخ صدور قانون المغربة) و1980 تمت بشكل متأن ودون خلخلة للتوازنات السوسيولوجية والاقتصادية التي تركها الاستعمار ودون أدنى أثر فيما يخص تجاوز ثنائية عصري/تقليدي التي كانت تؤرق النخبة آنذاك. 
 
أما الحركة الوطنية بكل مكوناتها فرفعت شعار "الأرض لمن يحرثها" (حزب الاستقلال) و الحد من سلطة الإقطاع ومباشرة التأميم  والتجميع (الاتحاد الوطني للقوات الشعبية) وإعادة توزيع الأراضي واعتماد فلاحة تعاونية نضامنية. 
 
فشل عملية "التويزة" ل 1957-1959 لم يثن حكومة عبد الله إبراهيم عن سن مخطط خماسي طموح (1960-1964) يترجم أهداف الإصلاح الزراعي ولكنه سرعان ما ذهب ضحية الصراعات السياسية لسنوات 1962-1965. المخطط كان سيكون باهض الثمن من حيث ضرب القوة الإنتاجية للضيعات الكبيرة التي كان سيتم إما تقسيمها أو إعطاؤها لتعاونيات لتسييرها وفي كلتا الحالتين من المحتمل جدا أن النتيجة كانت ستكون سوء التدبير وتقويض الإنتاج. 
 
البديل الذي اختاره الملك الحسن الثاني من 1966 إلى 1980 كان يحكمه هاجس الإصلاح ولكن دون المساس ببنية الفلاحة العصرية أو بالملكية الخاصة أو بمصالح الأعيان. لهذا كانت النتيجة استمرار ثنائية عصري/تقليدي، توزيع محتشم للأراضي، وعدم الرفع من القدرة الإنتاجية للفلاح الصغير واستمرار الفقر والهشاشة على مستوى البوادي إلى حد الآن. 
 
المفارقة التي عاشها المغرب هي نفسها التي عاشتها دول أخرى بعد استقلالها. المثال الصارخ هو زيمبابوي. روبيرت موغابي لم يقم بالثورة الزراعية في الثمانينات بعد توليه الحكم لأنه كان يعرف ثمن ضرب البنية الفلاحية التي كان يسيطر عليها الفلاحون الكبار والمتوسطون البيض، ولأنه التزم بالاتفاق الذي فرضته بريطانيا في 1979 قبل التخلي عن نظام التمييز الروديزي؛ حين حاول موغابي في التسعينات وبمقاربة إثنية/عنصرية (رافعا شعار "الملكية للسود") الدفع في اتجاه الإصلاح، تدهور الإنتاج وتم تقويض أحد أعمدة الإقتصاد الزيمبابوي. النتيجة كانت تنامي الفقر والبؤس: بعض البيض هربوا إلى جنوب إفريقيا وانجلترا، أما السود فلم يغتنوا بل وأساؤوا تدبير حتى الضيعات التي سيطروا عليها بإيعاز من موغابي و "زانو-الجبهة الوطنية". (انظر كوفي أكوابي-أميياو، "مشاريع تعاونيات إعادة الاستيطان والإنتاج بزيمبابوي: دروس من استرتيجية فاشلة للتنمية الفلاحية" مجلة "التنمية الدولية" (بالانجليزية)، مارس 1997). 
 
لم يكن  الإصلاح الزراعي بالمغرب وحده ضحية الصراع على السلطة، بل أيضا تعميم التعليم وإصلاحه (حيث تم التخلي عن التعميم في أواسط الستينيات ومباشرة مسلسل "الأسلمة" بتواطء من قوى محافظة في أواخر السبعينات وفي الثمانينات)؛كما تم تعطيل البناء الديمقراطي من خلال اثني عشر سنة من حالة الاستثناء (1965-1977) تمت ممارسة التدبير العمومي إبانها بواسطة ظهائر مع الاستغناء عن البرلمان ومفهوم التمثيلية الشعبية؛ وتم الإجهاز على هامش الحرية الذي بزغ مع فجر الاستقلال ومباشرة سنوات الرصاص التي عرفت ذروتها في الستينات والسبعينات من القرن الماضي. 
 
ولكن هذه الفترة لم تكن دون إيجاباتها كذلك، خصوصا إتمام بناء الدولة المركزية، ووضع سياسة جريئة للسدود وتعبئة المياه السطحية والتي أعطت ثمارها فيما يخص "سقي المليون هكتار" وتزويد الساكنة بالماء الشروب، واعتماد سياسة التقويم الهيكلي (بسلبياته المتعددة والمتعلقة بالفاتورة الاجتماعية وإيجابياته خصوصا استعادة التوازنات الماكرواقتصادية واستعادة القدرة على جلب التمويلات الخارجية)، والنجاح الذي عرفه مسلسل الخوصصة، وكذا تطور دور الجامعة المغربية ونمو دورها في تكوين نخب ما بعد الاستقلال (رغم التراجعات التي عرفتها ابتداء من عقد التسعينات)، ودعم تطور القطاع الخاص (رغم محدودية قدرته المزمنة على الاستثمار وتمويل المشاريع الكبرى) و دعم الحرية الاقتصادية والتي كانت أساس تنوع مصادر النشاط الاقتصادي رغم الاعتماد المفرط على الاستثمار العمومي...
 
لهذا ففترة ما بعد الاستقلال (1956-1999) تميزت بإحباطات عدة وتراجعات وانتكاسات ولكنها مع ذلك عرفت إنجازات مهمة كان لها تأثير إيجابي نسبياعلى التنمية بشكل عام وعبدت الطريق للإصلاحات الكبرى التي عرفها المغرب في عهد الملك محمد السادس. 
 
عهد الملك محمد السادس أسميه "فترة الإصلاحات الكبرى" بامتياز وهي فترة تميزت بتقدم اقتصادي مهم ونمو اجتماعي وبشري غير مسبوق؛ كما عرفت تطورا سياسيا وعلى مستوى حقوق الإنسان جعل المغرب يقطع مع عهد الاستبداد ليمر إلى نظام يلتمس طريقه، بقوة أحيانا وبتذبذب أحيانا أخرى، نحو الدمقرطة والإرهاصات الأولى لدولة الحق والقانون. هذه الفترة عرفت على المستوى السياسي توسيع المشاركة السياسية لتشمل مشاركة الإسلاميين في اللعبة الديمقراطية، وتثمين مسلسل مشاركة المعارضة في الحكومات المتعاقبة (أو ما سمي بالتناوب التوافقي)، وتكريس مبدأ التعدد الثقافي بإقرار الأمازيغية لغة رسمية، وتبني مقاربة جبر الضرر والمصالحة مع الماضي، وإقرار مبدأ استقلالية السلط وتقوية دور رئاسة الحكومة، وإقرار أولوية الحزب الأول في الانتخابات فيما يخص تسيير الحكومة (الفصل 47 من الدستور)، والاعتراف بعالمية حقوق الإنسان، وتوسيع مشاركة المرأة والشباب في الانتخابات، وإقرار مبدأ المسؤولية والمحاسبة، وإضافة التوجه الديمقراطي ثابتا من ثوابت الأمة، وتبني مفهوم الجهوية المتقدمة... 
 
على المستوى الاجتماعي هم الإصلاح تبني مدونة متقدمة فيما يخص حقوق المرأة، ووضع برامج طموحة لمحاربة الفقر والهشاشة، ووضع خطة عشرية لحماية الطفولة، وتبني سياسة جديدة لضمان الولوج إلى السكن اللائق، ووضع الآليات المؤسساتية والمالية لدعم التشغيل، والرفع من القدرة الشرائية عبر الرفع من الحد الأدنى للأجور والمعاشات الدنيا، ومباشرة سياسة التحويلات المباشرة لدعم قدرات الطبقات الفقيرة فيما يتعلق بمصاريف التمدرس والولوج للخدمات، ووضع برامج طموحة للولوج إلى الماء والكهرباء وفك العزلة عن المناطق النائية والجبلية، وتبني سياسة التغطية الصحية الشاملة خصوصا لصالح الطبقات المعوزة، ودعم الأرامل والمطلقات، وإدماج المهاجرين وغيرها...
 
على المستوى الاقتصادي همت الإصلاحات تحسين محيط الأعمال، وتبني سياسية المشاريع المهيكلة، وخلق الأقطاب الصناعية والاقتصادية الجهوية، وتبني سسياسة الرؤى والاستراتيجيات القطاعية، ووضع برامج طموحة للبنية التحتية، ودعم القوة التصديرية للمقاولات، وتحسين العرض التكويني، ودعم النشاط الفلاحي العصري، ودعم الاستثمار الخارجي في الصناعة، وتنمية ما يسمى ب"مهن المغرب العالمية"، وتحسين العرض السياحي الوطني وجاذبية الوجهة المغربية،  وسن سياسة متقدمة فيما يخص الطاقات البديلة، والانفتاح على إفريقيا...
 
المؤشرات كلها تدل على نمو أداء الاقتصاد الوطني، وارتفاع الصادرات، وظهور مجموعات ريادية على مستوى القطاع الخاص لها قدرة كبيرة فيما يخص الاستثمار ونسج شراكات دولية والمساهمة في تطوير وتحديث قطاعات متعددة، وكذا ارتفاع جاذبية المغرب الاستثمارية، وتقوية مناعة المناخ الماكرواقتصادي (رغم ارتفاع المديونية وتدهور الميزان التجاري وميزان الأداءات خصوصا إبان فترات ارتفاع أسعار البترول والمواد الغذائية على المستوى الدولي)...
 
على المستوى الاجتماعي انخفضت مؤشرات البطالة والفقر والهشاشة والأمية ونسبة وفيات الأطفال والأمهات وارتفعت مؤشرات الولوج إلى الخدمات. وعلى المستوى السياسي عرف هامش الحريات تطورا لا بأس به، وأصبح البرلمان يلعب دورا مهما في مراقبة الحكومة، وأصبحت الانتخابات نسبيا أكثر نزاهة، وأصبح الرأي العام يساهم أكثر فأكثر في النقاش العمومي، وتطور دور المؤسسات لتؤدي دورها، وعرف ميدان حقوق الإنسان تطورا نوعيا لا بأس به (رغم التراجعات)...
 
 
توالي الإصلاحات ونمو الطبقة الوسطى وتطور خطاب التغيير واتساع هامش الحرية ولد انتظارات كبرى ومتزايدة خصوصا عند أبناء الطبقة المتوسطة الوسطى (من لا يتجاوز دخلهم 5300 درهم حسب المندوبية السامية للتخطيط) والدنيا (حديثي العهد بالخروج من منطقة الفقر)، تفوق بكثير إمكانياتهم. هذه الانتظارات تهم الشغل والنقل والولوج للجامعة والسكن والسفر والتكنولوجيا وغيرها. الإحباط الذي نراه في عدم المشاركة في العملية الانتخابية وفي الاحتجاجات المتوالية وغضب  مواقع التواصل الاجتماعي كل ذلك يرجع إلى الفجوة بين حجم الانتظارات والقدرات (التي يتكلم عنها أمارتيا سين)، أي بين الأحلام والواقع، بين الطموحات والإمكانيات. 
 
مانراه كذلك هو عدم قدرة الفاعلين السياسيين على ترجمة الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي إلى إصلاح سياسي حقيقي تكون بموجبه السلطة في يد الشعب يمارسها عبر صناديق الاقتراع وعبر مؤسسات قوية وفعالة وفي إطار الثوابت المتوافق عليها من طرف الجميع. كانت النخبة السياسية في المغرب ولازالت حريصة على عدم المساس ببنية السلطة وقدمت تنازلات عدة لا تواكب لا تطور الوعي السياسي لدى الشعب ولا دستور 2011. 
 
لهذا فإننا نجد انفصاما حقيقيا في المغرب بين جسم اجتماعي متطور الوعي والتكوين السياسي ومطالب بالشفافية وتدبير أكثر ديمقراطية لممارسة السلطة من جهة، ونخب (يسارية ويمينية وإسلامية) محافظة ومترددة حول ضرورة المرور إلى مرحلة الدمقرطة الحقيقية والتي هي الشرط الأساسي للتنمية المنشودة.  ما لم تفهمه النخب هو أن الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي ليس فقط مسألة تقنية تقنوقراطية بل إنها عملية ذات أبعاد سياسية حيث كلما تطور مستوى عيش الساكنة ومستوى تكوينها كلما طالبت بتقاسم السلطة ودمقرطتها وعدم مركزتها في يد مجموعة محدودة من الفاعلين. للإصلاح كلفته السياسية وهذا ما شهدته دول مثل إسبانيا والبرتغال واليونان وكوريا والطايوان وسنغفورة وماليزيا وأندونيسيا والمكسيك والبرازيل والشيلي والأرجنتين وغيرها والتي عرفت تطور طبقة وسطى عريضة سرعان ما قطعت مع الاستبداد وباشرت إصلاحات سياسية مكنت من تطوير نظام  التداول على السلطة بطريقة تضمن مشاركة وانخراط الجميع.  
 
ما يحتاجه المغرب حاليا هو جيل جديد من الإصلاحات الجريئة تهم تطوير نظام الحكامة وصيانة حقوق الإنسان وتقوية دور المؤسسات وجعل الإدارة في خدمة المواطنين والاقتصاد الوطني وتحصين المجتمع والدولة ضد الانزلاقات والتراجعات. وهذا يتطلب شجاعة وبعد نظر من النخب السياسية الحالية. الأزمات التي يعرفها المغرب منذ عقد من الزمن (كديم إزيك، 20 فبراير، الأزمة المالية والاقتصادية ل2012-2014، تراجعات انتخابات 2015 و 2016، البلوكاج الحكومي، حراك الريف وجرادة وزاكورة، إعلان فشل النموذج التنموي ...)  يمكن إرجاعها كلها إلى أزمة الحكامة في المغرب. والإصلاح المقبل إن لم يتناول قضية الحكامة بشجاعة وبعد نظر فسوف لن يكون ذي جدوى أو فعالية. 
 
ضعف نظام الحكامة هو أكبر عائق أمام نجاعة الإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية! والحكامة تعني تحديد المسؤوليات بشكل واضح والقدرة على تعبئة الوسائل ووضع نظام ناجع وعادل للمساءلة والمحاسبة. الضبابية التي تميز نظام الحكامة في المغرب وتعدد الأدوار والمسؤوليات وتداخل السلط هو ما يفوت على المغرب المرور إلى إيقاع أكبر من حيث التحديث والدمقرطة والتغلب على المشاكل الاجتماعية والاقتصادية. والحكامة تعني إشراك المواطن في اتخاذ القرارات التي تهمه والتعامل بإيجابية مع "التغذية الراجعة" التي يصدرها حول مشاريع التنمية. على المغرب ألا يخلف موعده مرة أخرى مع التاريخ: عليه أن يقبل على ثورة ذهنية وتدبيرية شاملة يستعمل فيها المغاربة ذكاءهم الجماعي من أجل استشراق المستقبل بأمل وعزيمة كما فعل في 2011. هذا ممكن، وعلى النخبة فقط أن تتحلى بالجرأة اللازمة لمواجهة التاريخ بصبر وعناد وقوة وبعد نظر.
 
 
إقرأ أيضا