غير بالفن

عندما يشتكي القضاة من ظلم القضاء

14/06/2018 17:16
مصطفى الفن

لا خلاف أن السي محمد عبد النباوي وفريق عمله يشتغلون ليل نهار وبالجدية اللازمة من هذا الموقع الحساس على رأس مؤسسة النيابة العامة.

ولا خلاف أيضا أن السي عبد النباوي ومن معه بذلوا مجهودات استثنائية خلال هذه الفترة التأسيسية التي أعقبت انفصال النيابة العامة عن وزارة العدل منذ أكثر من سنة.

لكن "الأمور بمقاصدها" كما يقال.

لماذا؟

 لأن بعض أعطاب جهاز القضاء بشقيه الجالس والواقف لها علاقة بنسق الاشتغال ولا علاقة لها إطلاقا بجدية أو عدم جدية المشتغلين في دواليب هذا الجهاز..

ولأن القضية قضية نسق، فإني، وأنا أستمع إلى السي عبد النباوي وهو يقدم أول أمس تقريره السنوي حول السياسة الجنائية، لم أشعر أني أستمع إلى وكيل عام للملك ورئيس لمؤسسة اسمها النيابة العامة بصلاحيات معروفة ومحددة.

بل أعترف أنه انتابني إحساس، في لحظة ما، أن الذي كان يتحدث إلينا، أول أمس في تلك الندوة الصحافية بعد مائدة إفطار رمضانية، هو أكبر من وكيل عام للملك وأكبر من رئيس لنيابة عامة ينتهي دور قضاتها مباشرة بعد إحالة ملفات المتقاضين على قضاة الحكم.

وظني أن الذي كان يتحدث إلينا، أول أمس، هو "وزير سيادي" بصلاحيات فعلية وحقيقية وواسعة، بل وعابرة ربما لكل القطاعات الوزارية بلا استثناء.

 بل لا أبالغ إذا قلت إن صلاحيات السي عبد النباوي، الذي أكن له كل الود والاحترام، أصبحت اليوم تفوق ربما صلاحيات كل وزراء العدل الذين مروا من هذه الوزارة قبل تاريخ انفصالها عن النيابة العامة.

صحيح أن السي عبد النباوي دافع بقوة عن قاضي النيابة العامة وتمنى، صدقا، أن تختفي لفظة "الغراق" من التراث الشفاهي للمغاربة لأن قاضي النيابة، في نظره، ليس عدوا للمواطن، بل هو في حمايته من المخالفين للقانون ومن الخارجين عن القانون.

أكثر من هذا، لقد حاول السي عبد النباوي، في ندوته، أن يطرد شبح "التغول" عن رئاسة النيابة العامة نافيا أن تكون هناك جهة ما تتحكم في قضاتها.

بل إنه قدم النيابة العامة في هيئة المؤسسة العادية التي تخضع للمساءلة والمحاسبة وتدافع عن المجتمع وليست "غولا" مرعبا كما يصورها البعض.

بل حتى "الغول" اعتبره السي عبد النباوي كائنا خرافيا لا وجود له إلا في القصص الشعبية التي تنقلها الأجيال لبعضها البعض في سياق التهويل والتخويف من شيء غير موجود أصلا.

لكن ما لم يشر إليه السي عبد النباوي وهو أن هذه الصورة النمطية السلبية التي نسجها المغاربة حول جهاز القضاء بشقيه الجالس والواقف لم تأت من فراغ.

 المغاربة نسجوا هذه الصورة السلبية عن القضاء وتحدثوا عما أسموه "الغول" و"الغراق" في سياق سياسي غير عادي. 

أي عنددما توارى "الضمير المسؤول" إلى الخلف ذات زمن غير جميل حمل اسم "سنوات الرصاص" التي خصص لها العهد الجديد هيئة للإنصاف والمصالحة.

بمعنى أن الناس على حق عندما يدقون ناقوس الخطر خشية أن "تتغول" هذه المؤسسة أو تلك لأن السلطة، كيفما كانت هذه السلطة، لا بد لها من سلطة مضادة رادعة لئلا يقع الشطط واستغلال النفوذ وكيل التهم الثقيلة لأمثال هذا المتهم وحماية ذاك.

وأنا لا أقول هذا الكلام بدافع عدمي من جهاز القضاء، الذي يعتز البلد بالعديد من رجالاته.

حاش لله.

 أنا أقول هذا الكلام لأني أومن بأن القضاة ليسوا على قلب رجل واحد. بل فيهم السابق بالخيرات وفيهم المقتصد وفيهم ما "دون ذلك".

وهذا القاضي الذي "دون ذلك" هو أصل المشكل المشوش على أي اشتغال ناجع لجهاز القضاء الذي يعد، بحق، معيارا محوريا يقاس به منسوب "الجدية" و"العبث" داخل الدول والمجتمعات.

وربما هذا "العبث" هو الذي اشتكى منه قضاة النادي في  بلاغهم الناري الأخير الذي عاد بأذهاننا إلى أجواء تلك البلاغات الغاضبة والمواقف الراديكالية التي كانت تصدر عن هذا النادي عقب اندلاع حركة 20 فبراير واحتجاجات الربيع العربي.

والحقيقة أن قضاة النادي تكفلوا بكل شيء وكانوا أكثر جرأة منا نحن الصحافيين والحقوقيين في توجيه سهام النقد اللاذع إلى قرارات ونتائج المجلس الأعلى للسلطة القضائية الخاصة بتعيين وتنقيل وتأديب القضاة.

وبالفعل، فما الذي سيقوله "البراني" وهو يرى "أبناء الدار" من القضاة يشتكون من ظلم القضاء ويستنكرون "المحاباة" و"الخروقات" ويتحدثون عن "انعدام مبادئ الحكامة المهنية وغياب النجاعة القضائية"؟!

بل ما الذي سيقوله المواطن العادي وهو يرى القضاة بجلالة قدرهم يتحدثون أيضا عن "الشبهات" وعن "الطبيعة الانتخابوية” لبعض قرارات مجلسهم الأعلى؟

وليس هذا فحسب، بل إن قضاة النادي حذروا أيضا مما أسموه "الارتداد الخطير وانتهاك الحقوق" و"انعدام معايير المحاكمة العادلة" و"ضياع حتى مكتسبات المجلس السابق"؟

فماذا يعني هذا كله؟

هذا له معنى واحد لا ثاني له وهو أن جسم القضاء غير معافى بما يكفي حتى وإن كنا قطعنا أشواطا مهمة في مجال تخليق منظومة العدالة.

 
 
إقرأ أيضا