غير بالفن

الديبلوماسية المغربية.. لغز "المأزق"

10/03/2018 16:55
مصطفى الفن
صحيح أن الاتصال الهاتفي الأخير الذي أجراه الملك محمد السادس، بعد العملية الجراحية على القلب، مع رئيس الحكومة سعد الدين العثماني كان مطمئنا على أكثر من مستوى.
 
أول هذه المستويات وهو أن العثماني أخبرنا بأن  "جلالته بخير وعلى خير وأنه سيأخذ فترة نقاهة قبل أن يستأنف عمله".
 
 وهنا لا يسعنا إلا أن نقول من القلب لملك البلاد: "بالشفاء العاجل يا رب".
 
أما ثاني هذه المستويات المطمئنة بعد هذا الاتصال الملكي فهو أننا علمنا من العثماني أيضا أن العاهل المغربي يتابع باهتمام كبير تطورات قرار محكمة العدل الأوربية الذي استثنى مياه أقاليمنا الصحراوية من اتفاقية الصيد المبرمة بيننا وبين الاتحاد الأوربي.
 
والحقيقة أن هذا القرار لأعلى محكمة أوربية في هذا الاتحاد الذي يضم 28 دولة ذات اقتصادات كبرى لا ينبغي التعامل معه كما لو أنه حدث صغير.
 
قرار محكمة العدل الأوربية هو قرار خطير لأنه لأول مرة يتحدث شريك استراتيجي لنا مثل الاتحاد الأوروبي  عن "حق تقرير المصير للشعوب".
 
  وهذا مؤشر ربما على "فشلنا الديبلوماسي" حتى لدى شركائنا الاستراتجيين والتقليديين داخل هذه المجموعة الاقتصادية التي منحتنا في وقت سابق وضعية "الشريك المتقدم".
 
فهل نحن مقبلون على أيام سوداء  سينهار فيها كل شيء وسيصبح المغرب وحيدا لا شريك له؟
 
لست هنا مؤهلا لأجيب عن هذا السؤال. فأنا مجرد صحافي له حزمة أسئلة. وهذه واحدة من مهام الصحافي: أن يسأل وأن يتساءل؟
 
لكن عندما يقطع الملك فترة نقاهته ليتابع هذا الملف شخصيا فهذا له معنى واحد وهو أن بعض الدبلوماسيين المغاربة لم يكونوا في مستوى متابعة ومواكبة تلك "النجاحات الكبرى" التي تحققت مع الديبلوماسية الملكية في أكثر من قارة.
 
نعم لقد زار الملك محمد السادس أكثر من 19 دولة إفريقية وفتح، بثقله الشخصي والرمزي والروحي، الكثير من الأبواب الموصدة.
 
بل إن المغرب حضر بقوة بفعل هذه الديبلوماسية الملكية الناجحة في معظم المحافل الإقليمية والقارية والدولية بعد أن قطعنا من غير رجعة مع سياسة "الكرسي الفارغ" في سياستنا الخارجية.
 
ومع ذلك، لا بد أن نقول إنه ل"خطأ ديبلوماسي" كبير أن تسند الحقائب الديبلوماسية في بلدنا إلى شخصيات غير ديبلوماسية  وبلا "كاريزما" قادرة على تحصين هذه النجاحات وقادرة على الدفاع عن المصالح العليا للبلد بالروح القتالية اللازمة.
 
    وسامح الله أولئك الذين اقترحوا شخصا لطيفا وطيبا لا غير مثل السي ناصر بوريطة ليكون على رأس الديبلوماسية لبلد اسمه المغرب بتاريخه العريق. 
 
الرجل بسيط جدا وغير مقنع وغير ديبلوماسي وكفاءته على قد الحال، بل إنه يبدو مثل "أي موظف عادي بسلم 10"، ولم يزده الله أي بسطة لا في العلم ولا في الجسم ولا في فصل الخطاب.
 
فبأي زاد علمي ومعرفي وديبلوماسي سيدافع الرجل عن المغرب وهو لا يقرأ، بالدقة اللازمة، حتى الاتفاقيات التي يوقعها ملك البلاد مع الدول الأخرى في المجال الديبلوماسي؟
 
الديبلوماسية موهبة وهبة من الله قبل أي شيء آخر وليست ترضية للخواطر المكسورة وترميم الجروح المستترة. 
 
وهذا للأسف ما فعلناه عندما ملأنا مجموعة من العواصم العالمية الهامة ب"ديبلوماسيين" غير مهمين وليس بينهم وبين الديبلوماسية إلا الخير والإحسان.
 
وكم ضحكت، وهو ضحك يشبه البكاء، عندما قرأت أن وزير خارجيتتا السي ناصر بوريطة "سيتجه بالديبلوماسية المغربية نحو القارة الآسيوية بعد الإنجازات التي تحققت في إفريقيا خلال السنتين الأخيرتين".
 
والواقع أن الأمر ليس كذلك لأن كلنا يعرف "المأزق" الذي وجد فيه المغرب بعد سنة على عودته إلى الاتحاد الإفريقي وكيف أن عملية الانضمام إلى الأجهزة الموازية لهذا الاتحاد لم تكن سلسة خلافا لما كنا نتوقع وخلافا لما كان يعدنا به السي ناصر بوريطة شخصيا في خرجاته الإعلامية غير الموفقة.
 
أكثر من هذا، لقد آلمني أيضا كيف أن فريق بوريطة ومن معه فشلوا فشلا ذريعا حتى في الحفاظ على الجدولة الزمنية لإلقاء خطاب الملكي بالقمة الإفريقية التي انعقدت ب"أديس أبيبا" في نهاية يناير المنصرم. 
 
وكلنا يتذكر أن هذه القمة، التي انتخب فيها المغرب عضوا بمجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الإفريقي، كانت صادمة لنا عندما اكتشفنا أن 16 دولة امتنعت عن التصويت بينها دول صديقة وشقيقة وتربطنا بها علاقات جيدة ومتينة.
 
وكلنا يتذكر أيضا أنه كان منتظرا أن يحضر ملك البلاد إلى هذه القمة قبل أن تلغى هذه الرحلة الملكية، ليتم تكليف رئيس الحكومة سعد الدين العثماني بتمثيل العاهل المغربي وإلغاء خطاب باسمه في أشغال القمة.   
 
لكن الذي وقع وهو أن الخطاب الملكي الذي كان مبرمجا في المركز الثالث بالجلسة الافتتاحية للقمة تم ترحيله إلى اليوم الثاني دون تحديد حتى توقيته: هل مساء أم صباحا.
 
 بمعنى آخر أن الخطاب الملكي سيتم إلقاؤه بعد أن انتهت القمة الإفريقية وليس في بدايتها كما كان مبرمجا. 
 
وكلنا يعرف أن القمم المهمة تنتهي بانتهاء جلساتها الافتتاحية والباقي تفاصيل صغيرة ومنوعات لا تقدم ولا تؤخر مثل "كلام الناس". 
 
وهكذا ألقى العثماني خطابا ملكيا له رمزية خاصة في قمة بلا رؤساء دول مع العلم أن بوريطة ومن معه كان عليهم أن يقيموا الدنيا ولا يقعدوها ليظل توقيت إلقاء الخطاب الملكي في مكانه بالجلسة الافتتاحية للقمة بالمركز الثالث سواء حضر الملك أم لم يحضر ما دام الأمر يتعلق بقمة خاصة برؤساء الدول.
 
ويبدو، والله يعلم، أن بوريطة وفريقه لم ينسوا بعد "حروبهم الصغيرة" مع العثماني عندما كان هذا الأخير رئيسا عليهم في وزارة الخارجية ذات زمن ولى.
 
وربما لهذا السبب لم يكلف بوريطة ومن معه أنفسهم حتى حضور بعض الورشات الموازية بهذه القمة فقط لأن العثماني كان حاضرا فيها.
 
وأكاد أزعم أن الرجل أراد أيضا أن يبعث رسالة أخرى يقول فيها لرئيسه السابق في الديبلوماسية المغربية: "أنا وزير للخارجية ولم يتم تعييني باقتراح منك ولا سلطة لك علي حتى وإن كنت رئيسا للحكومة".
 
بقي فقط أن أقول. إن هذه النتائج المقلقة التي نجنيهافي المجال الديبلوماسي جزء منها تعود أسبابه إلى فترة زمنية أصبح فيها بعض "سياسيي الدوباج"، خاصة في عهد صلاح الدين مزوار، يتحكمون في العديد من السفراء المغاربة في أكثر من دولة ويسفهون  عملهم الديبلوماسي.
 
 
 
 
 
إقرأ أيضا